تدريباتنا

لماذا لم يذكر التاريخ الفنانات العظيمات؟

بواسطة | مايو 18, 2019

مرت قرون من كراهية النساء حجبت ذكر أي فضل لهن في بناء التاريخ الإنساني، حيث اقتصر دور المرأة وفقاً للسرديات التاريخية المهيمنة على مساندة الرجل والوقوف إلى جانبه. هذا التغييب لدورها هو انعكاس لرؤية المجتمع الذي أنكر عليها جهودها وفضلها في جوانب الحياة الشتى. فأضحت المرأة نفسها ترضى بما يقسمه لها مجتمعها دون التفكير بالمطالبة بحقها والاعتراف بفضلها في المساهمة في أي عمل كان. باتت المرأة التي تطالب بذكر اسمها والاعتراف بعملها نشازاً.

ما حل بالنساء السوريات مؤخراً جعلني أراجع ليس فقط تاريخ هذه الممارسة فحسب، إنما دفعني لدراسة سلوك النساء فيما حولي بما في ذلك سلوكي الذاتي. كفتاة وفنانة سورية تأثرتُ بما فرضه السلوك العام في مجتمعي، فأجحفتُ بحق نفسي مراراً دون أي إدراكٍ مني أن من حقي أن أطالب بالاعتراف بجهودي وإنجازاتي. أذكر أنني لم أهتم عندما كنت أعمل جاهدة لإنجاز لوحاتٍ من الفن التشكيلي بالتوقيع عليها؛ فلم أكن أعي حينها أهمية التوقيع على أعمالي وأن أعتز بما أنجزت. كنتُ أعمل لمجرد متعة العمل ذاته، حتى أثناء الدراسة ضمن مجموعات من الطلاب لم أكن أمانع بالعمل أكثر من زميلي الشاب رغم تقاسمنا نفس علامة المشروع النهائية. لكن تجربة اللجوء في الولايات المتحدة الأمريكية التي مررت بها والعيش في مجتمع مختلف جعلني أقارن بين سلوك المرأة وتعامل المجتمع معها في كلا المجتمعين الأمريكي والسوري.

أصبحتُ أدرك أن ما اعتدت عليه هو إجحاف بحقي، وبدون أن أطالب بالاعتراف بحقي في عملي لن أستطيع التقدم والعيش في مجتمع جديد، لقد ذقتُ مرارة تجربة اللجوء، لكنها علمتني كيف أنصف نفسي التي غُبنت لعقود. لاحظتُ أن المجتمعات الغربية قد بدأت بتغيير ما درجت عليه سابقاً للخروج من عصور اعتادت على تنحية دور المرأة. حيث تم تبني نظام اقتصادي عالمي جديد فرض طريقة جديدة في التعاملات من خلال ابتكار مفهوم يسمى “the credit” أي مفهوم الائتمان حيث يسعى أفراد هذا المجتمع لتجميع نقاط تدل على إنجازاتهم أو التزامهم بالقوانين ويعطي مؤشراً على مدى أمانتهم لكي يثبتوا من خلال هذا الرصيد من النقاط التي جمعوها في أي مجال كان اقتصادياً أو دراسياً أو في مجال العمل أنهم أهل للثقة أو أصحاب فضل في بناء مشروع ما وذوي خبرة في مجال آخر. هذا المبدأ الجديد في التعامل غيّر من سلوك المرأة في هذه البلاد فبدون أن يملأ الشخص رصيده بنقاط تدل على أهليته وقدراته لا يستطيع أن يعيش في هذا المجتمع. لذا فالمرأة في هذه المجتمعات المتطورة تسعى بشكل طبيعي للمطالبة والاعتراف بفضلها في المساهمة في أي عمل كان، لكن رغم هذا التطور مازالت المرأة وفقاً لبحوث شتى لا تحسب لنفسها الفضل كما يحسبه الرجل، فما زالت المهمة الأصعب لها هي الحصول على الفضل في العمل الذي تقوم به، خاصة عندما تعمل لخدمة الأسرة أو في مجموعات.

في دراسة أجرتها ميشيل هاينز عن مفهوم الائتمان\credit (الفضل في إنجاز العمل) قالت “لقد أعطت النساء الفضل لزملائهن من الرجال أكثر مما أعطين لأنفسهن، فقد أبخسن حقهن من الائتمان\credit (الفضل في إنجاز العمل) فإذا لم يكن دورهن في تحقيق نتائج الأداء أو المهمة التي قام بها الفريق واضحاً بشكل لا يمكن دحضه لا تطالب النساء بأي فضل في العمل”. وفقاً لهذه الدراسة فإن هذه الظاهرة تكون أقل عندما كانت النساء تعملن مع نساء أخريات. وعند مقارنة هذه النتيجة مع مجتمعاتنا العربية نجد أن أمام المرأة العربية طريق أطول لتصل فقط لما وصلت إليه مثيلتها في العالم الغربي. رغم أن المرأة الغربية لم تحقق بعد العدالة الكاملة في المطالبة بحقها، ووفقاً لدراسات متعددة ما زالت متأثرة بشكل أو بآخر بالموروث الذي يحد من شأنها ويشوه نظرة المجتمع إليها ونظرتها لذاتها ويمنعها من المطالبة العادلة بالفضل فيما تساهم به.

لم تتعرف المجتمعات العربية بشكل عام بعد على مفهوم الائتمان\credit (الفضل في إنجاز العمل)، والمرأة بشكل خاص لم تعتد المطالبة بحقها في الفضل في إنجاز الأعمال التي تقوم بها. عمقت المأساة السورية هذا الاجحاف الذي يطال المرأة وزادت من أعبائها، وفي المقابل زاد الظلم الذي يقع على المرأة حيث بات جهدها الجبار خفي لا يعترف به أحد. فنتيجة الظروف الصعبة باتت المرأة في كثير من الأحيان هي المعيل الوحيد للأسرة، لكن كل هذه الجهود التي تقوم بها المرأة تبدو غير مرئية في عين المجتمع حيث لا تطالب المرأة بالاعتراف بأي فضلٍ لها فيما تبذله من جهدٍ، خاصةً ما تبذله في سبيل إنقاذ عائلتها.

لاحظتُ من خلال معايشتي لمجتمع اللجوء أن المرأة أكثر مرونة من الرجل في التأقلم مع الظروف الجديدة؛ فهي قد تفعل المستحيل وتقوم بأي عمل مهما كان صعباً ومردوده قليل بعكس العديد من الرجال الذين لا يرضون بأي عمل مهما كانت ظروف العائلة مريرة. لقد سمعتُ مراراً وتكراراً من كثير من الرجال عبارة (أنا لا أعمل إلا في اختصاصي)، لكني قلما سمعتُ هذا من النساء اللواتي يعملن بصمت لتأمين لقمة العيش لأطفالهن. إن الاجحاف الحقيقي بحق المرأة هو نكران كل ما تفعله وعدم الاعتراف بفضلها في إنقاذ عائلتها، فهي سر الاستمرار في الحياة واليد الخفية التي ما زالت ترسم لوحة الحياة في زمن الموت، علّها تدرك مثلي يوماً ما أن من حقها أن تُدرج توقيعها على تلك اللوحة وهي مرفوعة الرأس.

* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا