تدريباتنا

صناعة الفخار السوري… تموت ببطء

بواسطة | مايو 9, 2022

بيدين مطليتين بطين الصلصال يضع علي، وهو صاحب ورشة فخار في دمشق، العجينة الطرية على دولاب متحرك، لتبدأ بالدوران في حركة دائرية اعتاد القيام بها بمهارة فائقة لمدة خمس وعشرون عاماً.

يتحدث الرجل الأربعيني بحسرة تعلو ملامح وجهه لـ”صالون سوريا” عن مقاومة هذه الحرفة مصير الزوال الذي ينتظرها والتحديات التي يواجهها خلال عمله، فيقول:” ورثت الحرفة أباً عن جّد، فوالدي تعملها من جدي، لكن الظروف الراهنة تحكم على هذه الحرفة بالهلاك، الكهرباء بانقطاع مستمر، ما يضطرني إلى تكبد تكاليف مادة المازوت لتشغيل مولدة الكهرباء من أجل صهر الفخار واكتسابها لونها البرتقالي الصلب، وغالبا ما تكون الأولى مفقودة بالسوق، ما يضطرني لشرائها بسعر مرتفع وبالتالي تخفيض ساعات العمل ورفع الأسعار”.

ولا تنتهي الأعباء المالية هنا فقط، بل بتكلفة التربة ومشقات نقلها وتوافرها بشروط خاصة بحسب وصفه.

أجهزت الحرب على ورشة الفخاري أبو خالد الواقعة في الغوطة الشرقية، إذ تكبد تكاليف فادحة للبدء من الصفر وفتح ورشة جديدة في دمشق، يقول لصالون سوريا:” منذ سبع سنوات دُمرت ورشتي بفعل سقوط القذائف والمعارك الطاحنة وعمليات النهب والسرقة، قضي عليها كلياً”، متابعاً:” هذه الحرفة على مشارف الموت، ما لم يتم إنقاذها، فمعظم  الحرفيين تعرضت ورشهم ومعاملهم للخراب دون تعويض، بينما البعض الآخر قد هاجر إلى الخارج، هناك حيث التمويل المادي الجيد والامتيازات المغرية وتقدير الحرف اليدوية ، لم يبق لدي سوى عاملين من أصل عشرة، رحل الجميع”.

يلفت أبو خالد إلى غلاء المواد الأولية للفخار، بدءا من ثمن التراب وأجرة العمال والشحن، فسابقا كان سعر الطن الواحد 100 ألف ليرة سورية، فيما وصل سعره الآن حوالي 700 ألف، أي ارتفع ستة أضعاف.

تأخذ جمعية الحرفيين موقف الحياد من المصاعب التي يواجها أعضاؤها، باستثناء “إطلاق الوعود الرنانة” و”الاستماع لشكاوى صناع الفخار والاكتفاء بهز الرأس دون تقديم حلول ناجعة”.

قبل عامين، ذهب شيوخ الكار، وهم قلّة، إلى مقر الاتحاد العام للحرفيين، وعبروا عن مخاوفهم من انقراض المهنة إذا ما استمرت ظروف الكهرباء، وتعويض خسارتهم التي تسببت بها الحرب، وعدوا بتخصيص قرية تضم ورش لصناعة الفخار في منطقة باب شرقي في دمشق القديمة، “لكن بقيت الوعود شفهية ذهبت أدراج الرياح”.

الفخّار

يحفظ الفخار طاقة الأطعمة والمياه ويسحب الكلس والكلور الموجودين في مياه الينابيع وذلك بفعل التراب المصنوع منه والذي ينقسم إلى نوعين، الأول تراب جبلي ينتشر على أطراف الأنهار والثاني كلسي يتواجد في باطن الأرض، كما أن الطبخ بالفخار أكثر صحي ويخلو من المواد المسرطنة على خلاف الأواني الأخرى المصنوعة من الألمنيوم و النحاس والتيفال.

 ورغم أن عملية صنع  الفخار تبدو لأعين الزبائن سهلة وبسيطة، إلا أنها صعبة وتتطلب موهبة وجلداً كبيرين من الحرفي، كما تستغرق وقتاً طويلاً لصنعها وظهورها بشكلها النهائي الذي تظهر فيه،  فهي تمر بعدة مراحل يشرحها علي:”  نحضر أطنان من التراب ثم نسقيه بالمياه بهدف غربلته من الحصى والأوساخ والشوائب، ونستخلص منه مادة  الغضار، بعد ذلك نقوم بطحنه وعجنه بطريقة يدوية، إيذاناً لمرحلة التخمر التي تستغرق حوالي أسبوع، ثم نضع كل قطعة على دولاب، بعد ذلك  تبدأ مرحلة الطهي، نضعها في الفرن لمدة ثلاث ساعات بدرجة حرارة عالية، وكلما طهيت أكثر كانت أكثر صلابة وتماسكاً حتى تكتسب لون محمر جميل”، متابعا :” تختلف درجة الشواء ومدة الطهي حسب حجم القطعة، فالنوع البسيط كالبسكوت يتطلب درجة حرارة 800 درجة مئوية، بينما تحتاج الآواني الملبسة بالزجاج درجة حرارة أعلى قد تصل إلى 1000 درجة مئوية لمدة لا تتجاوز 9 ساعات في حال وجود الكهرباء، أما إذا انقطعت الأخيرة أو فُقدت مادة المازوت فقد نستغرق أسبوع كامل للطهي، ما يتطلب منا صبر كبير”.

وطور الحرفي صنعة الفخار التي تعلّمها من والده بجهوده الشخصية، كاستبدال الحطب بفرن كهربائي لشّي الفخار إلى جانب التزيين بالرسوم وحفر النقوش الناعمة لإضفاء لمسة جمالية على الفخار، يقول الحرفي “قديما كانت أدوات الفخار تقتصر على بضعة أدوات للمطبخ كالمقلاة وجرة المياه والكؤوس، أما الآن فأصبح كل شيء مصنوع من الفخار كالشلالات وركوات القهوة ومطمورة النقود وجميع أواني المطبخ وطاولات المنزل وإدخال أشكال وزخرفات عصرية”.

لم يشفع التاريخ الطويل والعريق لصناعة الفخار السوري الممتد إلى العصور القديمة منذ الألفية الخامسة من التهديد بالاندثار، فأقدم حرف التاريخ الذي ينسب لها تقاوم، وبدأت بلفظ أنفاسها الأخيرة، طالما بقيت الجهات المعنية مكتوفة الأيدي لا تحرك ساكن، فمظاهر الإهمال والتقصير والوعود الكاذبة تنهش بهذه الحرفة لتصبح في طي النسيان ولا محاولات جدية لإنقاذها.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا