تدريباتنا

جندي ذواق في غرفة منسية

بواسطة | ديسمبر 15, 2021

حان وقت تدخين سيجارة على الشرفة المطلّة على قطعة عسكرية قريبة من المنزل. أغنية للياس خضر تصدر في كل مرة من ذات الغرفة المحصّنة التي نجت من أثار الحرب خلال سنوات مضت. ليس مستغرباً أن تسمع نغمة حزينة قادمة من نقطة عسكرية، فيها جنود منسيون لا يعزّيهم سوى الألحان الحزينة التي تؤنس وحدتهم، ومن يجيد العزف على تلك الأوتار أكثر من ياس خضر.
ساعات مرت على موعد السيجارة التالية، لا يزال صوت خضر يصدح في المكان، وكأنه يقيم حفلاً في تلك الغرفة الإسمنتية ذات المظهر الباهت. فضولٌ يلازمني على مدى أيام، من هو ذا صاحب الذوق الرفيع المشبع بالأحزان الذي يُطرب ليالي هذه المنطقة المهجورة؟
مضت أيام. أشتري بعض رُزم “الخبيّزة” والبصل؛ لأعد غداء اليوم. يقف إلى جواري شاب يبدو وأن وجهه اسمرّ مؤخراً، لا تتناسب البدلة العسكرية التي يرتديها مع معالمه الطفولية التي تدعوك للصراخ في وجهه “اخشوشن يا فتى!”.
يشتري ذاك الفتى البرتقال وبقايا عنب تتواجد لدى البائع، رغم أننا دخلنا في أوائل أيام الشتاء. يقول البائع إن هذا الصنف من العنب الأحمر يبقى “على أمّه” حتى وقت متقدم من السنة، إذ يلتقي مع موسم النبيذ. يتحدث الجندي عن النبيذ بحسرة “فمن من الممنوع شرب الخمور في القطعة العسكرية”، وتبدو في حديثه رغبة في ثمالة تُذهب عقله لساعات فينسى قيود البدلة التي يرتديها والحُجرة التي يمكث فيها.
“يبدو أنه جندي غرّ مبتدئ” -يهمس البائع في أذني-. لكن ما بدا لي أن صدفةً ما، جمعتني بذاك الذي يستمع إلى ياس خضر دوماً، لحقتُ به، وناديته، ولم يخذلني حدسي.
تُخفي تلك الغرفة الإسمنتية الباهتة خلف جدرانها قصة جندي لم يتبقَ له من الذاكرة سوى شريط “كاسيت” يضم 23 أغنية للمطرب العراقي الياس خضر، يشغّله عبر آلة عفى عليها الزمن، لكنها لا زالت تستطيع تشغيل ذاك الشريط الذي يحتفظ به الجندي من منزله الذي دمرته الحرب فوق رؤوس عائلته.
نجا من المنزل القليل من الأثاث غير المهم، وذاكرة حزينة انتشلها من تحت الأنقاض وقرر الهروب بها إلى حيث لا خراب ولا دماء، لكنها كانت بمثابة لعنة وسوء طالع، أحبط آماله بالسفر لاستكمال دراسته واستعادة حياته السليبة.
الشاب الطري الرقيق، الذي اشتد عوده واسمرّ جبينه بفعل القسوة التي تجرّع كأسها حتى التخمة، ابتداء من خسارة عائلته إلى ضياع أحلامه، وليس انتهاءً باستبدال الآلة التي كانت تلامسها أصابعه، فبغضون سنوات بات زناد البندقية هو الشيء الوحيد القريب من ملمس يديه، بعد أن كان معتاداً على مداعبة أوتار العود في سهرات الطرب مع أصحابه وعائلته.
“وضعتني هذي السنوات في حجرة منسية، لا أجني منها سوى الوحدة والحزن والعجز، لم أتخيل يوماً أنني سأخدم بهذي الطريقة، بأن أكون عاجزاً إلا عن البكاء والاستماع لشريط الياس خضر، كل ما تبقى لي من أبي”.
يقول “صاحب الذوق الرفيع” بأنه لم يرغب منذ بداية الحرب بأن يُحسَب على أي طرف أو حتى يوضع بمواجهة أيّ منهم، معتبراً أنه يقضي مع رفاقه الجنود سنوات الخدمة دون أي جدوى، بل وتأخذ “نوبات الحرس” من عمرهم ربيعه. وفوق هذا كله “نُحسب لدى شريحة واسعة من أبناء البلد على أننا أعداء ومجرمون، فماذا اقترفنا لنحاسب بكل هذه القسوة؟”.
يقول “صاحب الذوق الرفيع” بأنه لم يرغب منذ بداية الحرب السورية بأن يُحسَب على أي طرف أو حتى يوضع بمواجهة أيّ منهم. معتبراً أنه يقضي مع رفاقه الجنود سنوات الخدمة دون أي جدوى، بل وتأخذ “نوبات الحرس” من عمرهم ربيعه. وفوق هذا كله “نُحسب لدى شريحة واسعة من أبناء البلد على أننا أعداء ومجرمون، فماذا اقترفنا لنحاسب بكل هذه القسوة؟”.
شريطٌ قديم حزين، “تعلكه” آلة التسجيل كل يوم، تماماً كما نجترّ أيامنا هنا -يصف الجندي حاله-.. ويتابع: “تذهب بنا ذاكرتنا برحلة يومية طويلة، تأخذني هذه الآلة إلى حيث أبي كان يُغذّينا بمخزونه الموسيقي الرهيب.. أستذكر كل تلك المشاهد فتستيقظ الأبوّة في داخلي. تدفعني لتسجيل شريطي الخاص عندما أهدم جدران هذه الحجرة الكئيبة.”
يتوجه لي بالكلام: ” لن أورث لابني شريطاً حزيناً كهذا، هو العهد الذي أحيا لأجله، ولكن إن حدث وسردتَ قصتي لأحد ف “احكي لهم يا صاحبي.. ما ظل صبر عندي”.
وهاج عزام

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا