بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ثمة شيء مشترك بين الموت عطشاً والموت غرقاً بأن الضحية دائما هو الإنسان السوري البسيط الفقير والمهمش، فعلى مدى ثمان وثلاثين عاماً من الجفاف تناقص منسوب نهر الفرات إلى حد كبير مما أثر على المعدل العام للزراعات التي يعتمد عليها أغلب سكان دير الزور والرقة، حيث كانت نسبة المياه المتدفقة للأراضي السورية لا تتجاوز 200 متر مكعب رغم أن النسبة المتفق عليها مع الحكومة التركية تبلغ 500 متر مكعب وقبل إنشاء سد الفرات وسد تشرين كانت الأضرار كثيرة ومتعددة نتيجة الفيضان الموسمي للنهر أهمها تدمير المحاصيل الزراعية الموسمية.
نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 على المشاركة العادلة والمعقولة (المادة 5): يحق لكل دولة من دول المجرى المائي الاستفادة من مياهه داخل إقليمها بطريقة منصفة وتراعي مصالح الدول الأخرى وكذلك الالتزام بعدم إلحاق الضرر (المادة 7): تُلزم الاتفاقية الدول باتخاذ كافة التدابير المناسبة لمنع التسبب في “ضرر ذي شأن” للدول الأخرى التي تتشارك معها نفس المجرى المائي والإخطار بالتدابير المزمعة كما تفرض الاتفاقية على الدول تبادل المعلومات وإخطار الدول الأخرى بأي مشاريع أو إجراءات قد يكون لها تأثير سلبي على المجرى المائي قبل تنفيذها، إما لجهة التعاون وتبادل البيانات (المادة 9): تلتزم الدول بتبادل البيانات والمعلومات بانتظام بشأن حالة المجرى المائي. الاتفاقية التي وافقت سورية عليها ورفضتها تركيا وتتابعت الاتفاقيات بعدها المجحفة بحق سوريا وخاصة اتفاقية أضنة عام 1998.
تتباين الأسباب والاتهامات المتبادلة المسببة للكارثة البيئية المتعلقة باندفاع مياه نهر الفرات واجتياحها لحياة وأرزاق الناس في الرقة ودير الزور بعد عقود من الجفاف استقر فيها الناس على سرير النهر وبنيت مطاعم واستراحات وزراعات عليه، ولسنين طوال بقيت تركيا تحتجز مياه النهر غير عابئة بانهيار القطاع الزراعي في البلد إلا أن موجة الأمطار الكثيفة في المواسم الماضية جعلت منسوب سدودها والمياه المحتجزة في أعلى طاقة لها مما أجبرها على الإفراج عن المياه باتجاه سورية التي أنهكتها حرب عطلت الحياة بأكملها، لذا كان من الطبيعي أن لا تكون مستعدة لهكذا إجراء.
يقال إن تركيا أعلنت قبل أسبوع أنها ستفتح بوابات سد أتاتورك وأنها ستفتح المياه إلى مجرى النهر في سورية ولكن هل هذا كاف ؟؟
وإذا كان الأمر صحيحاً فالسؤال هنا لماذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الكارثة؟! هل لضعف الإمكانية التقنية والعلمية للتصدي لمشكلة من هذا النوع أم نتيجة الإهمال والتراخي في حل المشكلات العاجلة؟ ولكن أضعف الإيمان إنذار السكان بالخطر المحدق قبل وقت مناسب.
في العودة إلى بدايات قيام السد على نهر الفرات الذي كان يفيض سنوياً ويؤدي إلى انجراف التربة الزراعية الخصبة وانقطاع طرق النقل والتجارة بين القرى بالإضافة لغرق القرى الطينية والمنازل التقليدية ونفوق أعداد كبيرة من المواشي وانتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الراكدة.
ورغم اعتراض البعض على ما عرف بأراضي الغمر التي غطت أراضي الفلاحين لم يتم تعويضهم بما يعادلها فيما بعد إضافة إلى المناطق الأثرية الهامة التي غمرتها البحيرة والقرى الصغيرة التي غطتها المياه، وهنا إشكالية التساؤل الأخلاقي أيها الأهم ماضي البلاد والأسلوب العادل والتقليدي للزراعة أم مستقبلها ومستقبل الوطن، هذا إذا افترضنا النوايا الحسنة للتخطيط والبناء المستقبلي للاقتصاد الزراعي في البلد.
وعليه تم إنشاء سد الفرات في سوريا خلال سبعينيات القرن العشرين وقد بلغت الطاقة التخزينية الكبيرة للبحيرة القائمة على السد 14 مليار متر مكعب، ساهمت بتنظيم تدفق مياه نهر الفرات ودعم مشاريع الري والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والحماية من الفيضانات الموسمية المدمرة.
ولكن خلال العقود الأخيرة ونتيجة السياسات التركية وغياب شراكة حقيقية في إدارة نهر مشترك، انخفض المنسوب التخزيني للنهر مما أثر في إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كبير وخاصة نتيجة الخلل الذي أصاب السد نتيجة خروج أربع عنفات من أصل ثمانية عن الخدمة أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة. واليوم يفيض النهر بشكل غير مسبوق ومفاجئ وللمرة الأولى تفتح أربع بوابات مفيض لم تفتح منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
ينبع نهر الفرات من تركيا على مساحة 1070 كيلومتراً ويمر بالأراضي السورية عبر أكثر من 600 كيلومتر وبعدها يدخل في الأراضي العراقية، مما منح تركيا إمكانية لتحكم قبضتها على المياه المنحدرة من أراضيها لبناء سدود ضخمة عليها وخاصة سد أتاتورك الذي قاربت طاقته التخزينية 48 مليار متر مكعب ويعتبر خامس سد على مستوى العالم وعليه تتحكم تركيا بكل قطرة مياه متجهة جنوباً.
بدأ العمل بسد الفرات عام 1968 ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 عمل على أن تكنى البحيرة القائمة عليه باسمه، و نتيجة الجفاف الكبير الذي أصاب المنطقة خلال مدة طويلة تسببت بانحسار المياه عن سرير السد تمدد السكان ببناء البيوت والمطاعم والمنتزهات ومنشآت في تلك المنطقة مما جعل فيضان النهر بهذه الطريقة كارثة بيئية من الطراز الأول، ولا يمكن تسميته فيضاناً بل اجتياح وتدفق غير مسبوق للمياه نتيجة سبب معروف، إذ قيل أن ارتفاع النهر الجديد قارب أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي وتوقف عدد كبير من محطات المياه نتيجة وصول المياه إليها، بالإضافة لفقدان إمكانية التواصل والعبور والنجاة نتيجة نسف الجسور المشادة نتيجة النزاعات السياسيةالماضية.
عند العجز التقني والإداري عن مواجهة كارثة بحق البشر والبيئة ماذا نفعل ومالعمل وهل نبقى واقفين، طالب الكثيرون بطلب إعلان منطقة الفيضان بدير الزور والرقة منطقة منكوبة كي يتسنى للدول الصديقة مد العون لإنقاذ ما تبقى لأن الكارثة مستمرة وما من نفير عام لدرء المزيد من انعكاسات الكارثة.
مشاريع كثيرة بعد سقوط النظام بإعادة بناء جسر دير الزور المعلق وخاصة بعد تبرعات كثيفة من رجال الأعمال ولكنها بقيت حبراً على ورق لم ينفذ منها شيء. المشكلة بعقل من لا يستطيع تحديد الأولويات المهمة بالنسبة لحياة الناس ومن لا يستطيع استقراء الآتي.
أيام عيد والناس بحالة الفرح وأهلنا في الدير والرقة يشيعون أطفالهم الذين قضوا غرقاً مشهد أليم وموجع، ويحلو للبعض أن يتشفى من مصائب الغرق والفيضان وتتم الشماتة بمن لم يساندوا كوارث الآخرين ويعزوها لمواقف سياسية، لكنهم ينسون أنهم بذلك يزيدوا بتعميق جراحات البلد المثخنة، وأن الكارثة ستنعكس على الجميع، ولا حياة لبلد إلا بتضافر جهود جميع أبنائه وتجاوز الخلافات والعمل من أجل المصلحة العامة.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






