تدريباتنا

الجفاف يوقظ ترانيم تاريخية شرق سوريا

بواسطة | ديسمبر 31, 2021

مع توالي مواسم القحط والجفاف وتأخر المطر لجأ أهالي قرى ديريك (المالكية) إلى إحياء طقس الأجداد زيوا القديم الذي يعود لقبل الميلاد، حيث يترنم الأطفال شمالي شرق سوريا بهذه الطقوس، التي مارسها المجتمع الكردي منذ قرون قد خلت لدرء الجفاف..
تتنوع سبل استعراض هذه الطقوس بين صنع دمية من الخشب والنسج الملونة، يتم رشها بالمياه من قبل الجدات، أما الأطفال فينظمون كرنفالات متنكرين بأزياء شعبية فيتم إلباس الصبيان ثياباً للنسوة أما الفتيات فيلبسن ألبسة صبيانية.
هذه العادة مارسها الشاب شيروان علي ( 49 عاماً) من قرية “وانكي” التابعة لمدينة ديريك في طفولته واليوم يحييها مع أحفاده بعد مواسم قحط توالت على مناطق الجزيرة السورية، السلة الغذائية لسوريا .
ويستذكر علي صوراً تعود لأكثر من 40 عاماً لقرويين يصنعون دمية خشبية يجوب بها الأطفال القرى المجاورة طالبين ما تيسر من بيوت الريفيين من الحلويات واللحم والقمح أو الشعير والحمص وغيرها من البقوليات ويتابع: “كنا نطرق كل الأبواب فتمنحنا ربات البيوت المتوفر لديها من محاصيل أرضها بعد أن ترش عروسة المطر أو كما نسميها في طقوسنا بزيوا بالماء فيدعون لها بالعمر المديد وبمواسم مطر عامرة ثم ينتقلون من بيت لآخر فرحين بثيابهم وقطع الحلوى المقدمة لهم، مردّدين أنشودتهم المعروفة “دم ودم كيسكي قدم سري سالي بني سالي خودي كوركي بدي كفانيا مالي”، والتي تجسد دعاء بمنح أصحاب البيت في أول السنة أو آخرها بمولود ذكر، لكن اليوم بات غالبية المحتفلين بزيوا يكتفون فقط بتقديم صنوف الطعام للأطفال”.

طهي الطعام
أبو شفان مزارع ستيني من قرية “ديرونا” في ريف مدينة القامشلي وأحد المشاركين في طقس زيوا الذي أقيم حديثاً في قريته، يوضح لصالون سوريا أسباب إحياء طقوس موغلة في القدم في المجتمع الكردي قائلاً: “نطلب رحمة السماء أن ننعم ببركات الغيث فحقولنا قد جفت وتأخر نزول المطر ونحن قلقون من خسارة مواسمنا التي ستضرّ بثروتنا الحيوانية فنحن فلاحون نقتات من أراضينا ومواشينا، وندعو الله أن ينعم علينا برحمته “.
وأشار أبو شفان إلى أن طقوس زيا اكتسبت أهمية كبيرة وعادت لتحيا من جديد خاصة عقب الانخفاض القياسي في معدلات هطول الأمطار.

زيا لتحقيق الأمنيات
لم تقتصر ممارسة طقوس زيا على جلب الأمطار كما سردت السيدة سميرة الموسى ( 68 عاماً) من سكان الميسلون في مدينة القامشلي وإحدى المشاركات في حيها الأسبوع الفائت. تقول لـ “صالون سوريا” إن لممارسة هذا الطقس دلالات أخرى: “لم تكن زيا عادة لجلب المطر فقط بل كان المتضرعون لله يطلبون أمنيات تخص كل امرأة عاقر، فيتوجه أطفال القرية أو الحي بأدعيتهم للرب كي يرزقها بمولود صالح لذا فمناسف الطعام كانت تقدم بداية للأطفال دون سن العاشرة ويطلب منهم الدعاء لهذه المرأة بأن ترزق بوليد ومن ثم يتناولون صنوف الأرز والبرغل ولحم الضان أو الدجاج ويبقى الكبار بجانبهم يحرصون على خدمتهم حتى انتهائهم من الطعام وبعدها يتقدم الكبار لتناول وجبتهم “.

سوريا على شفير مجاعة
حذرت تقارير أممية من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء سوريا ومن مجاعة محتملة تهدد البلاد مطالبة بتحرك سريع لإنقاذ أرزاق السوريين بسبب توالي سنوات القحط والجفاف.
حيث دعت دراسة حديثة لمعهد الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث إلى توجه عالمي لإنقاذ السوريين من مجاعة كبيرة خلال الفترة القادمة ووضع حلول سريعة لدرء السوريين من الانزلاق في الفقر المدقع وكشفت الدراسة أن أزمة فقر وجوع غير مسبوقة ستطرق أبواب مختلف المناطق السورية بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية والعقوبات وجائحة كوفيد19.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا