تدريباتنا

مفاوضات جنيف بانتظار «جدية» دمشق و«واقعية» المعارضة

by | Sep 9, 2017

تتناول إجراء انتخابات رئاسية مبكرة

“يضبط المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا برنامج وساطته على توقيت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالوصول إلى «تسوية سياسية» قبل الانتخابات الرئاسية الروسية ربيع العام المقبل، ويسعى إلى ضمان «جدية» من وفد دمشق و«واقعية» من المعارضة للدخول في مفاوضات مباشرة لمدة أسبوعين نهاية الشهر المقبل لتنفيذ القرار «2254» قد تفضي إلى انتخابات رئاسية مبكرة.

وإلى حين ذلك، يسعى دي ميستورا وفريقه إلى البناء على تراكم سلسلة من التطورات:

أولاً؛ دير الزور والرقة: يُتوقع أن تسيطر قوات النظام و«حزب الله» بدعم جوي وبري روسي خلال ساعات على المدينة شمال شرقي البلاد. والواضح، أن السيطرة على المدينة الغنية بالنفط والغاز جزء من تفاهم أميركي – روسي تضمن رسم خطوط الجبهات، إضافة إلى أن واشنطن لم تعد تهتم كثيراً بمن يهزم «داعش» ما دام هذا يقع ضمن أولويتها القائمة على القضاء على مناطق «داعش» وتحريرها.

دير الزور لروسيا والرقة لأميركا؛ وبحسب الخطة التي وضعها التحالف الدولي بقيادة أميركا، يتوقع أن تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» على عاصمة «داعش» في نهاية الشهر المقبل.

وتشكل خسارة المدينتين ضربة كبيرة للتنظيم وتراجع مناطقه من 40 إلى 15 في المائة من مساحة سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع. لكن يتوقع أن تستمر الحرب على «داعش» في وادي الفرات بين سوريا والعراق جراء انكفاء عناصر التنظيم إلى هذه المنطقة الصحراوية.

ثانياً؛ اتفاقات «خفض التصعيد»: إذ تواصل روسيا توسيع مروحة اتفاقات التهدئة بين قوات النظام وفصائل المعارضة، وباتت تشمل الجنوب وجنوب غربي البلاد وغوطة دمشق والقلمون الشرقي وريف حمص، إضافة إلى أن الجيش الروسي بات وسيطاً بين «وحدات حماية الشعب» الكردية المكون الرئيسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، وبين «الجيش السوري الحر» شمال حلب، للحيلولة دون تدخل أعمق للجيش التركي. الهدف، وقف القتال بين أعداء «داعش» وتركيز هذه الأطراف على قتال المتطرفين.

ثالثاً؛ «اجتماع آستانة» يومي 14 و15 من الشهر الحالي: تجري اتصالات بين موسكو وأنقرة وطهران للوصول إلى تفاهم دولي – إقليمي إزاء مصير إدلب؛ المنطقة الرابعة في اتفاق «خفض التصعيد»، وسط تمدد «هيئة تحرير الشام» التي تضم «فتح الشام (النصرة سابقا)». وطرحت احتمالات عدة بين إعطاء «ضوء أخضر» لفصائل معارضة، وقيام تنسيق للعمليات العسكرية لقوات النظام وفصائل معارضة تحت غطاء روسي.

وكانت أنقرة شجعت «المجلس الإسلامي الأعلى» مرجعية الفصائل المعارضة لبحث تشكيل «جيش وطني». وقوبلت المبادرة بموافقة 40 فصيلاً إسلامياً وسط تردد من «الجيش الحر». ويعتقد أن مبادرة توحيد الفصائل تقع ضمن الاستعداد لمعركة مقبلة شمال سوريا، والسعي إلى جمع الفصائل، خصوصاً مع اقتراب موعد تنفيذ قرار «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه)» بوقف جميع أشكال الدعم عن الفصائل بما في ذلك الرواتب الشهرية في نهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

ولأن مبدأ «عملية آستانة» يقوم على أنه لا اتفاق قبل الاتفاق على كل شيء، فإن مصير وثائق تخص نزع الألغام، وتبادل الأسرى والمخطوفين، وآلية الرد على الخروق، وتشكيل مراكز مراقبة روسية – تركية – إيرانية، ينتظر لمسات أخيرة بين الدول «الضامنة» في ضوء محادثات المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف في طهران مع رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني.

رابعاً؛ دينامية سياسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة: يتوقع طرح الملف السوري في أروقة الاجتماعات الدورية وإن كان بدرجة أقل من السنوات السابقة. وإلى مبادرة منسقة شؤون الأمن والخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني لعقد اجتماع في حدود 20 سبتمبر (أيلول) الحالي، تسعى باريس إلى الحصول على دعم لاقتراح تشكيل «مجموعة اتصال»، وسط خلاف على مشاركة إيران.

ولاحظ مسؤول غربي صدور «رسائل متناقضة» من باريس بين الحديث عن أن الأولوية هي محاربة «داعش» وأن رحيل الرئيس بشار الأسد «ليس شرطاً مسبقاً»، وبين قول وزير الخارجية جان إيف لودريان إنه لا يمكن حصول «انتقال سياسي بوجود الأسد». وأشار المسؤول إلى أن دبلوماسيين فرنسيين سألوا دي ميستورا عن أسباب عدم حديثه عن «الانتقال السياسي» في الإيجاز الذي قدمه قبل أيام إلى مجلس الأمن، إضافة إلى استغراب طرحه (دي ميستورا) ملف إعادة الإعمار من دون ربط ذلك بـ«الانتقال السياسي». وفسر دبلوماسيون غربيون ذلك بأن دي ميستورا «يحاكي المقاربة الروسية»، في وقت قال فيه مصدر روسي إن تنفيذ القرار «2254» يتضمن «الانتقال السياسي».

خامسا؛ مؤتمر المعارضة في الرياض في بداية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل: إذ بدأت «الهيئة العليا للمفاوضات» ومكونات معارضة إجراء اتصالات لعقد المؤتمر وضمان نجاحه برؤية سياسية ووفد موحد. وبحثت الهيئة السياسية لـ«الائتلاف الوطني السوري» ذلك، واقترح رئيس «الائتلاف» رياض سيف تشكيل لجنة من 15 عضواً تضم ممثلي فصائل ومكونات سياسية؛ بينها «هيئة التنسيق»، للإعداد للمؤتمر. وحافظ «الائتلاف» على موقفه السياسي بالدعوة إلى اعتماد «رؤية سياسية توضح بشكل لا يقبل الشك الأهداف التي يجمع عليها جميع السوريين للوصول إلى سوريا المستقبل؛ دولة موحدة، يكون أساسها المواطنة والمساواة والعدالة، ذات النظام المدني الديمقراطي، من دون أي دور للأسد وزمرته فيها».

سادساً؛ مفاوضات مباشرة في جنيف: يأمل دي ميستورا أن يخرج مؤتمر المعارضة بتشكيل «وفد موحد» للمعارضة يحمل «موقفاً واقعياً» للذهاب إلى جنيف لعقد مفاوضات مباشرة مع وفد الحكومة حول «السلال الأربع»، (حكم، دستور، انتخابات، مكافحة إرهاب). كان دي ميستورا وفريقه سعوا إلى عقد مفاوضات فنية بين ممثلي «الهيئة» ومجموعتي موسكو والقاهرة لإقرار وثائق مشتركة تتعلق بآلية إقرار الدستور الجديد، والانتقال السياسي، وتشكيل الهيئة الانتقالية. ولم تعقد جلسات فنية إضافية تتعلق بـ«سلتي» الانتخابات ومكافحة الإرهاب. وسيكون أحد بنود المفاوضات إجراء انتخابات برلمانية أو رئاسية مبكرة العام المقبل، علما بأن ولاية الأسد تنتهي في 2021.

قلق دي ميستورا من أمرين: الأول، أن يشعر النظام أنه «انتصر ولا داعي لتسوية سياسية». لذلك لجأ المبعوث الدولي إلى طهران وموسكو لممارسة ضغوطات على دمشق لإبقاء الخيار السياسي، خصوصاً بعد تصريحات الأسد الأخيرة في مؤتمر وزارة الخارجية. ويعتقد أن طهران أوفدت بعد استقبالها دي ميستورا مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية حسين جابر الأنصاري إلى الأسد لإقناعه بإجراء مفاوضات «جدية» في جنيف. وقال دي ميستورا أمس: «لا أعتقد أن أي طرف بإمكانه حقيقة إعلان الانتصار».

الثاني: أن تشعر المعارضة بـ«الهزيمة» وتخلي حلفائها عنها عسكرياً وسياسياً مع بقائها بالتمسك بمواقف «غير واقعية» ومبادئ لا تعكس ميزان القوى على الأرض وعمق دعم روسيا وتفاهمها مع أميركا. وتساءل دي ميستورا أمس: «هل ستكون المعارضة قادرة على أن تكون موحدة وواقعية بالقدر الكافي لإدراك أنها لم تفز بالحرب؟».

كان المبعوث الدولي، الذي اشتغل في العراق خلال تصاعد تنظيم «القاعدة»، حذر من أن الارتكان إلى حلول سريعة ومؤقتة لا تضمن «حكماً تمثيلياً»، قد يؤدي إلى ولادة نسخة أكثر عنفاً من «داعش» بعد بضعة أشهر، أو تقسيم أمر واقع في مناطق «خفض التصعيد».”

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»
[This article was originally posted on Aawsat.]

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا