تدريباتنا

النساء ومعاركهن المتجددة

by | Dec 19, 2024

 يتم تسويف قضايا النساء بذرائع متعددة على الدوام، مرة بذريعة الحرص على الأخلاق العامة، ومرة أخرى بذريعة عدم المواجهة مع قوى الأمر الواقع، ومرات بذرائع تنبع فجأة من خبايا السنين وتصير حاضرة بقوة مثل طبيعة المرأة البيولوجية، أو التشريح الوظيفي لدماغ المرأة، وصولاً إلى عدد حبات الدموع التي تذرفها النساء بسبب ضعفهنّ العاطفي وطبيعتهنّ الهشة والرخوة في مواجهة تفاصيل الحياة.

النقطة الجوهرية والأكثر عنفاً، هو أن كل ما سبق وسواه الكثير لا يقال على ألسن النساء، ولا يذاع على منابرهن أو في جلساتهن النسائية الخاصة. كل ما سبق وأكثر منه سوءاً وتمييزاً يُقال بالنيابة عن النساء! تخيلوا أن نحبس كائناً في الزاوية المعتمة، ثم، نسمي أنفسنا ناطقين باسمه، ثم قائدين لصمته وانكساره لنصل إلى لحظة الانكشاف الحقيقية وهي إعلان عنفنا المباشر، مصادرتنا الحصرية لحقوق النساء حتى في التعبير عن أنفسهن! إنها وببساطة حلقة متكاملة من العنف المكرس، المدار بخبث، والمعمم بصلافة وإنكار همجي.

بعد فرار طاغية سورية، بدأ عهد جديد، تمناه السوريون والسوريات عهداً للحريات والمساواة، لكن الواقع انكشف عن واقع مستجد أجهض أحلام السوريين وخاصة السوريات ببزوغ فجر حرية جديد، فجر يعترف بالشراكة بل وينشدها لتكتمل دورة الحياة الإنسانية بين النساء والرجال وبين دولة مؤسسات، تحمي ولا تظلم، تمنح ولا تحرم، تبسط الأمان كما السيادة، وتؤسس لغد حر وكريم لكافة أبناء وبنات البلد.

فجرت المقابلة مع الناطق الرسمي بإدارة العمليات العسكرية عبيدة الأرناؤوط سيلاً جارفاً من الانتقادات والرفض المباشر الفردي والجماعي، ومازال يتردد صداه، ويمكن اعتبار الردود الجماعية الحادة وغير المستكينة وكأنها المعركة الأولى والأكثر شراسة مع العهد الجديد.

إن كل تصريحاته وأقواله التي قدمها بصورة التفافية، بطريقة تبدو لطيفة لكنها تسويفية أجلت ما هو مطلوب إعلانه بصورة واضحة وحاسمة. كما كانت تصريحات رخوة و قاضمة لحقوق النساء، تصريحات أشعلت معركة لن تخسرها النساء أبداً. والأهم أنه تعرض وبأذى مباشر إلى كرامات النساء السوريات عبر إنكاره لكل التراكم المادي والفكري والعلمي والثوري الذي أسسته وراكمته السوريات وخاصة بعد اندلاع الثورة السورية سنة 2011. إن إنكاره للقوة الحية للنساء السوريات وادعاءه بحقيقة مزيفة تماماً وهي، أن الطبيعة البيولوجية للنساء تعيق تمتعهن بالعمل إلا في مجالات محددة مثل التعليم والخدمة الاجتماعية، تُعد انكشافاً علنياً وحقيقياً لآراء وتوجهات العهد الجديد حيال النساء السوريات. لقد مثلت هذه التصريحات إقصاءً معلناً وواضحاً للنساء السوريات. إن الرفض الإقصائي لحضور السوريات الفعلي في المجالات العامة بكافة أشكالها، قد استنهض قوة النساء، لم يتركن حرفاً دون شرحه، دون الاعتراض عليه، وتفنيده وتقديم خيارات بديلة مع أدلة من خبرات النساء السوريات وإنجازاتهن رغم كل الظلم الذي عانين منه. طالبن بإقالة المذكور عبيدة الأرناؤوط واعتبرن أن تصريحاته قد دقت ناقوس الخطر.

إن الإرث الواسع من تهميش النساء يحتاج إلى قلب بنيوي وقطيعة مع كل أدوات الاستبداد القديم والجديد، والحقيقة التي يجب إعلانها دوماً أن النساء السوريات لطالما سبقن القوانين والأعراف وتجاوزن بإرادة ذاتية معلنة وخفية، كل العثرات والتحريمات القطعية لانطلاقتهن نحو مجازاتهن المرادة والمطلوبة بقوة، بل والممارسة بصلابة منقطعة النظير.

 لا تنتظر النساء المكافأة على صبرهن على الاستبداد الطويل، ولا على بقائهن وحيدات في مواجهة تغييب الشركاء من الرجال آباء وأزواج وأبناء وأخوة. لا تطلب السوريات تمجيداً عاطفياً فارغاً على ثورتهن وانخراطهن في تفاصيل الساحات العامة والخاصة بوضوح وغيرية نبيلة، متظاهرات، معتقلات، طبيبات وصحفيات وكاتبات، معيلات لعدة أسر ومدافعات عن الرجال. المبدأية في طرح قضايا النساء لا تنتظر شكراً من أحد، لكنها تتطلب اعترافاً واضحاً وعلنياً تبنى عليه شراكة متساوية، شراكة وطنية من أجل بناء البلد حراً كريماً لجميع أبنائه وبناته.

يبدو المشهد العام جلياً وواضحاً اليوم، هناك سعي حثيث وفج لخطف كل القيم التي ناضلت النساء من أجلها مع بعض الشركاء الرجال الداعمين لتثبيتها ونيلها، لكن المواجهة اليوم فعلياً هي مواجهة صادمة وحقيقية، لأن النساء السوريات لن يتخلين عن إرثهن النضالي العظيم، عن سعيهن المعلن والواضح لقطع الطريق أمام قوى الظلام والتعنت والإقصاء. المواجهة اليوم ليس فقط من أجل تثبيت الحقوق لكن من أجل استعادتها طالما باتت مهددة بالخطر.

تطالب النساء دوماً بالعدالة وبالمساواة، ويؤكدن دوماً على أن مستقبل أي بلد برجاله وأولاده وبناته لن يكون حراً وكريماً دون حضور النساء الفعال. إن المظاهرات الضخمة التي طالما تعطش لها السوريون والسوريات هي أكبر دليل على أن الخيارات معلنة واضحة تحت سقف الشعار الوطني الأول (سوريا للجميع).

 بعد كل إنجاز مهما كان بسيطاً تراكم السوريات قوة مستجدة لتكسر حلقات الهشاشة المراد تثبيتها وبالتالي يتم عبرها لجم النساء عن الحضور العام. بعد أن أسقطت نضالات الشعب السوري أقسى نظام طغيان لن يعجزوا عن إبقاء جذوة الثورة والأمل بالغد الكريم، الغد الحر، الرحب، الديمقراطي، المدني، الآمن للجميع، ستواصل النساء طريقهن الطويل رغم كل الانحرافات المفروضة بلطف وادعاء واهن ومزيف، لن تسلم النساء الراية حتى تحصيل الحقوق من أجل أن يحيا جميع السوريين والسوريات بحرية وكرامة. 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا