تدريباتنا

مسرح العرائس: خيوط تشدك إلى عالم الدهشة والخيال

by | Dec 20, 2023

يتوارى الممثل عن الأنظار خلف جدار أو ستارة، بينما يتولى صوته وأصابعه مهمة إدخالك إلى عالم كبير من الدهشة والإبهار البصري ليعيدك إلى ألفة ماضية. يتوحد الممثل مع الشخصيات الإنسانية في حركات انسيابية وتنقلات ممشوقة متماهياً مع الأداء الحركي والصوتي بخفة عالية. هذه المشاهد تدور في فلك مسرح العرائس “الماريونيت” وهو فن شعبي تتأصل جذوره في الثقافات الآسيوية القديمة، والتي ازدهرت في البلدان العربية في نهاية القرن الثالث عشر.

تمكنت الفنانة التشكيلية المختصة بفنون مسرح العرائس هنادة الصباغ من تطويع مادة الكرتون التالفة والمهترئة لتحولها إلى تماثيل متحركة في العديد من معارضها وورشات العمل التي تقيمها على الدوام. تبث هنادة الحياة في أوردة العرائس، حيث تبدو بألوانها الطبيعية الأقرب للون البشرة، وكأنها شخوص حية تتعانق وتتحاور وتعبر عن مكنوناتها الفسيحة ومشاعرها المتقدة. تتحدث الصباغ لـ “صالون سوريا” عن فن العرائس واصفة إياه بأنه: “فن قائم على المحاكاة وقد وجد منذ العصور القديمة وتطور مع تطور البشرية فدخل بالطقوس الشعبية”. تؤكد الصباغ على الدور التربوي والجمالي للدمية وعلاقتها بالممثل للارتقاء لمصافي الدول الأوربية والعودة للموروث الذي يحمل في طياته علاقتنا بالفطرة مع هذا الفن.

تُشير الفنانة التشكيلية إلى أن الحداثة تعدت على فن العرائس بوصفه موروثاً، غير أن النزعة إلى التراث والحنين للقديم باقية بالفطرة، إذ تمكن هذا الفن من إيصال الأفكار ونشر الوعي الإنساني، والاجتماعي، والديني، والسياسي. هذا عدا عن لعبه دوراً هاماً في الترفيه عن الكبار والصغار، حيث يمس الحالة الذهنية والحسية والحركية  لديهم فقد وجد منذ زمن الفراعنة وفي الأساطير الصينية واليابانية الشعبية وكذلك في بلاد ما بين النهرين وتركيا، كذلك انتشر في أوروبا من خلال المسارح الجوالة بين المدن.

تتجاوز الدمية عن كونها نسيج من الأقمشة والخيوط التي تجعلها متماسكة في مجالها الحركي، بل هي حيز حميمي يحتوي روح الممثل لتتجسد فيها انفعالاته وأحاسيسه لينقلها إلى المتلقي بأمانة وخفة ظل تجعلهما شخصاً واحداً، وعن ذلك تقول الصباغ: “أن يتفاعل الجمهور مع الدمية وكأنها إنسان حقيقي، هو دليل على حالة انسجام عالية المستوى للممثل مع الدمية.”

مسرح العرائس في سوريا

تخطو سوريا بخطى بطيئة نحو فن العرائس بالرغم من كونها كانت تخوض تجارب ثرية في حقبة الستينيات والسبعينيات، حيث كان مسرح العرائس في حالة ازدهار آنذاك أكثر بكثير من الوقت الحالي. تعلق الصباغ على حالة تراجع هذا الفن بالقول: “يعود السبب لتطور التلفزيون والسينما ومواقع التواصل الاجتماعي التي  لها تأثير كبير، إذ تغيرت نظرة الإنسان للأشياء وأصبحت مادية أكثر، كما فقد الشغف بالدمية رونقه تدريجياً وأهمل بعد ما كانت تقام له ورشات عمل”.

تلفت الفنانة التشكيلية الانتباه إلى محاولات دائمة لوزارة الثقافة السورية في الارتقاء بمسرح العرائس حيث كانت قديماً تسعى لاستدعاء خبراء من دول مختلفة كبلغاريا وجمهورية التشيك ورومانيا وسلوفاكيا بسبب ذيع صيتهم في هذا المجال، لكن تغير الحال في الوقت الراهن والوضع الاقتصادي والحرب أدوا للاعتماد على الخبرات الداخلية. ورغم الظروف الصعبة مازال مسرح العرائس والطفل زاخراً بالعروض المستمرة ممثلاً فسحة من المتعة والترفيه للأطفال والعائلة.

تُشير الصباغ إلى أن الميزانية القليلة التي ترصد لهذا الفن تُشكل عقبة أساسية في تطور فن العرائس، إضافة إلى غياب ثقافة مسرح العرائس في المناهج المدرسية كنوع من الفنون الجادة، لاسيما في ظل ظهور الألعاب الإلكترونية وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي. في المقابل، لا تنكر الفنانة التشكيلية وجود أشخاص يقفون في مواجهة هذا الكم الهائل من الحداثة في سبيل الحفاظ على الموروث والأصالة، وتشرح هنادة الصباغ بأن هناك “شعوراً بالمتعة عندما تتحرك الدمية لا تعطينا إياه الشاشة المسطحة ولا الألعاب الالكترونية، هي أشياء ملموسة تنهض بالروح وعودة بالفطرة الإنسانية لأول دمية لعبنا بها، كأنها إنسان حقيقي كالطفل الصغير الذي يصنع من وسادته دمية أو من المكنسة طائرة لها قدرة على نقل الأحاسيس”.

الغيرة الإيجابية على المهنة

تعد الصباغ من القلائل الغيورات على مسرح العرائس، لتحاول ترويض شعور الغيرة الإيجابية بإقامة ورشات العمل لزيادة وعي الجمهور به وتبادل الخبرات والمعارف مع العرائسيين بالدول العربية والأجنبية والتعرف على أعمالهم. وتشارك هنادة الصباغ ملاحظتها بأن: “هناك حالة نهوض ملحوظة على الصعيد العربي وتطوراً وغيرة إيجابية للحاق ومواكبة الدول المتقدمة بمجال مسرح العرائس، هناك مهرجانات في كثير من الدول العربية كتونس ومصر والمغرب”.

مسرح خيال الظل

تطورت أدوات فن العرائس بدءاً من صندوق الفرجة ليفسح المجال أمام ظهور مسرح خيال الظل أو ما يعرف بـ”خيال الستار” الذي كان منشأه الصين، وهو فن شعبي يعتمد على دمى من الجلود المجففة ذات الألوان المتباينة يتراوح طولها بين 30 ـ 50سم، ليتم تحريكها بعصا وراء ستار من القماش الأبيض المسلط عليه الضوء على نحو يجعل ظلها الذي يبرز للمشاهدين على يد فنان محترف يسمى “المخايل”. وكانت هذه الوسيلة لرواية الحكايات وتسلية الناس ذات دلالات إنسانية وسياسية ودينية، إذ كانت تعبر عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

تُشير الصباغ إلى أن “المخايلين” هم من برعوا برواية القصص الشعبية والتغني بالبطولات علي يد ابن دانيال ومن أشهر رواياته عنترة بن شداد التي تعاد روايتها في دمشق بشهر رمضان كتقليد سنوي. وتعد شخصية الأركوز الأشهر في مسرح خيال الظل، حيث عرف بالنقد اللاذع والساخر من الوضع الاجتماعي والسياسي للبلاد. ويندرج “كركوز وعواظ” ضمن مسرح الظل، وهو عبارة عن شخصيتين، “كركوز” الساذج و”عواظ” الذكي، وتعود أصول الفكرة إلى العاصمة السورية دمشق، حيث اشتهر هذا الفن فيها باعتباره فناً شعبياً تداوله الناس في المقاهي العامة. ونبعت أهمية مسرح “كركوز وعواظ” من كونه يتطرق إلى مواضيع اجتماعية ناقدة ولكن بأسلوب فكاهي ساخر، وتستخدم الشخصيتان في حوارهما أسلوب الشعر والنثر والغناء والموسيقى. وكدليل على أهمية مسرح الظل، أدرجت منظمة “يونيسكو” التابعة للأمم المتحدة مسرح “كركوز وعواظ” على لائحة التراث العالمي غير المادي، والذي يحتاج للحماية العاجلة.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا