تدريباتنا

 ما الهدف من خطف النساء في سوريا؟

by | Aug 17, 2025

ارتبط الشرف في مجتمعاتنا العربية بالأنثى وصار معيار شرف الرجل هو التزام الأنثى التي تصله بها رابطة الدم بما يفرضه المجتمع وعاداته وتقاليده عليها وما زالت جرائم الشرف تنتشر في مجتمعنا وتعتبر رمزاً لغسل العار،  سواء أكانت المرأة هي السبب أو حتى كانت ضحية. وتعرف جرائم الشرف حسب  هيومن راتس بأنها :” أعمال العنف التي يرتكبها أفراد الأسرة من الذكور ضد أفراد الأسرة من الإناث باعتبارهن قد جلبن العار إلى الأسرة”. ويدخل تحت هذا البند، الخروج عن إرادة الأهل في اختيار الزوج، أو عند الشك بقيامها بسلوك أو تصرف مخزي  أو تعرضها لاعتداء جنسي. وبينما انهارت مجموعة القيم الأخلاقية بالتزامن مع التدهور السياسي الحاصل،  بقي المجتمع حرفياً في مواقفه من مفهوم الشرف وكأنه يلجأ بذلك للتعويض عن  الانهيار الأخلاقي العام وارتكاب المزيد من جرائم الشرف التي يخففها القانون وغالباً ما تتم قبل التأكد من سلوك المرأة المشين بينما ينجو الرجل الشريك أو المعتدي غالباً . فكثير من النساء تم إثبات عفتهن والتي تتلخص بالمحافظة على غشاء البكارة بعد أن قتلن. كما في حادثة قتل الفتاة ليليان أبو سرحان على يد والدها في مدينة السويداء في كانون الثاني الماضي والتي أثبتت التقارير الطبية عذريتها بعد قتلها. 

وتعتبر الإهانة الكبرى لأي رجل أن يتم شتمه بنساء عائلته أو التعرض لهن بألفاظ مسيئة أو السب بالأعضاء الجنسية النسوية وقد يجر ذلك إلى جريمة حقيقية. 

ولهذا عمدت الأنظمة الديكتاتورية إلى إلصاق التهم الأخلاقية بالسجينات والناشطات السياسيات ليتم نبذهن مع أفكارهن من قبل المجتمع وإنكارهن من قبل الأهل وأقرب المقربين. يقول غياث الجندي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان والمستشار لدى جمعيات حقوقية دولية عن إلحاق تهمة الدعارة بالناشطات: “تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في دول عربية عديدة من أجل تشويه سمعة ناشطات ومعارضات، وأحيانا قتلهن، مع تحميل المسؤولية للأب أو الأخ أو الزوج، على أساس أن الجريمة كانت غسلا للعار”.

هل المقصود بخطف النساء إلحاق العار بجماعة أو طائفة معينة؟ 

قضية خطف النساء في سوريا لم يعد بالإمكان إنكارها ولا التستر عليها ورغم أنها قد تكون بدأت رغبة بالثأر، لكنها الآن تخطت ذلك، لتظهر كفعل إجرامي ممنهج ينال النساء ويندرج تحت استباحة الأعراض بعد أن تمت استباحة الحياة. بات القتل سهلاً ومبرراً كردة فعل كما حدث في جرائم الساحل والسويداء وحوادث قتل متفرقة في المدن الأخرى أو الاعتداء على أشخاص وانتهاك كراماتهم والأشياء الرمزية التي تخصهم، وترافق مع ظهور طريقة تفكير بدائية تم النكوص إليها تدعم سلوكيات من عصور سالفة وتدعو إلى الاستقواء ضد الآخر وخاصة نسائه.

يقودنا هذا كله إلى تساؤل: ألا يتعدى ما يجري من أعمال الخطف حالة الانتقام الفردي  إلى الاذلال الجماعي للنيل من مجموعة أو طائفة خاصة بعد تصوير كل امرأة تختطف على انها قد ذهبت بإرادتها أي  أنها خارجة عن المعيار الأخلاقي العام  مع ما تتعرض له من اعتداءات؟

  تدعم ذلك الأصوات التي تعج بها صفحات التواصل الاجتماعي والتي تنكر الخطف وترمي التهم على النساء وتبرير اختفائهن بعلاقات غير شرعية ويأتي ضمنها تصريح أنس عيروط عضو لجنة السلم الأهلي وهو يقسم قائلاً:” والله لا توجد أي حادثة خطف للنساء في الساحل والحادثة التي سمعنا بها كانت مزورة ومفتراة”. يبدو هذا الانكار اللامسؤول مكشوف إعلامياً واجتماعياً وهو فصام صارخ بين المسؤولية الاجتماعية والإنكار غير المثبت لما يحدث ولحقوق الضحايا من النساء المغيبات قسراً والصامتات خوفاً.

ومن هنا تبدو خطورة عمليات الخطف هذه التي تحدث دون توقف بما تحمله من إحداث شرخ جديد في النسيج السوري وهو الإذلال الموجه والإهانة بتدنيس الشرف.

 وقد يسبب هذا فقدان الثقة ورفع جدار بين الأقليات  والدولة القائمة الملزمة بحماية كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم  فالعائدات من الخطف كن يصرحن أن السيارة التي حملتهن لم يتم توقيفها على أي حاجز للأمن العام .وفي تقرير منظمة اللوبي النسوي السوري أن أهل إحدى الفتيات قمن بتسليم الأمن رقم هاتف المختطف الذي يتواصل مع الأهل لكن لم يسفر ذلك عن تلقي أي معلومات بشأن الفتاة . 

يتم الخطف عبر القوة أو استخدام التخدير برش مادة في وجه المرأة المقصودة حسب ما صرحت به إحدى النساء.  ويتوافق هذا مع تقرير منظمة العفو الدولية الذي يقول إن حالات الخطف تتم في وضح النهار ويقابلها التقاعس من قبل أجهزة الدولة وإلقاء اللوم على الضحايا وعائلاتهم والاتهام بالاهمال وسوء التعامل مما يدل على تجاهل منهجي للأدلة القاطعة. 

ويشير تقرير اللوبي النسوي السوري إلى مؤشرات موثوقة على أن بعض المختطفات قد تعرضن للزواج بالإكراه أو الاستغلال أو الاحتجاز في ظل ظروف تهدد السلامة والكرامة ” كما تؤكد الشهادات والأدلة الموثقة فهناك حالة تزويج لفتيات قاصرات تم اختطافهن وهناك إشارات استفهام كثيرة حول بعض القضايا (كقضية مي سلوم) مثلاً أو الفتيات اللواتي يعلن زواجهن بعد الخطف مع طلب الطلاق من أزواجهن.

 لا يمكن تفسير هذا إلا في سياق الاتجار بالنساء ومهمة السلطة القائمة إيقاف ذلك. فما يحدث يجب أن يسبب إحراجاً حقيقياً لها دولياً ومحلياً وتحدياً داخليا حقيقياً.

ومع استمرار حالات الخطف في الساحل تم مؤخراً تسجيل حالات اختطاف جماعية لنساء من السويداء وأكد ناشطون أن العدد يتجاوز ال80 ويبدو لقاء مراسل محطة تلفزيونية مع شباب مسلحين يقومون بنقل نساء درزيات في سيارتهم بدعوى الحماية فاضحاً ومريباً فالشخص الذي يقتادهن قام بتوثيق مشاركته بإعدام ميداني لمجموعة من الشباب الدروز العزل وهو ما تؤكده الناشطة سوسن أبو رسلان قائلة أن العديد من المختطفات ظهرن أمام الإعلام برفقة عناصر مسلحة ولا يعرف حتى الآن مصيرهن.

عصابات تستغل التفكك الاجتماعي 

 لا يمكن أن نتغافل عن حوادث في دمشق وحلب ففي نيسان الماضي تم خطف امرأتين في ريف حلب من قبل جماعة تعمل بتجارة المخدرات وللأسف فقد تم قتل الفتاتين من قبل أهلهما بعد الإفراج عنهما بدافع غسل العار. 

كما تم دفع الفدية في حالات خطف أخرى ولم تتم إعادة النساء مما يؤكد دخول عصابات أيضاً تعمل على استغلال الوضع لأهداف متنوعة لا أحد يعرف حدودها تبدأ من طلب الفدية إلى الاتجار بالنساء أو الأعضاء أو المخدرات.

هكذا تدفع النساء الأثمان من حياتهن ومن وجودهن الإنساني، و الموقف تجاه قضية المختطفات إنسانياً على المحك ويجب عدم الاستهانة بخطره على النسيج السوري، سواء أكان  حالات انتقامية أم أعمال عصابات تمتهن الأفعال الخارجة عن القانون، فالدفاع عن كل إنسان هو واجب السلطة والدفاع عن كل امرأة هو واجب كل شخص بغض النظر عن انتمائها الطائفي أو السياسي ولنتوقف عن الإنكار والاهتمام الحقيقي بكل قصة لأنها تمس قيمنا الإنسانية.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا