تدريباتنا

زيت الزيتون… بالقطارة

by | Dec 9, 2021

في سوريا تبدلت عادات الناس الشرائية خلال سنوات الحرب، إذ أفقد الانهيار المستمر لقيمة الليرة الكثير من السوريين أمنهم الغذائي وسط أزمات اقتصادية ومعيشية وضعتهم تحت نار اللجوء للاستدانة أو الاقتراض مما توفره مؤسسات الحكومة من قروض حياتية. 

“لم نشتر زيت الزيتون هذا العام” تقول هدى صافي، الخمسينية التي تعيش مع عائلتها في العاصمة دمشق.  “وصل سعر صحيفة الزيت لحوالي الــ 300 ألف ليرة (88 دولار أمريكي) وهو ما يفوق دخل أي موظف في سوريا سواء كان عاملاً في القطاع الحكومي أو الخاص”، تضيف هدى. خصوصاً في ظل انفلات الأسواق المحلية من أية ضوابط حكومية وتدهور الوضع المعيشي للسكان.

يلاحظ سكان مدينة دمشق أن سعر زيت الزيتون لهذا العام ارتفع أضعافاً عن العام الماضي، ما يحرم الكثير من الأسر القدرة على شرائه، إذ سجل السعر حوالي 100 ألف ليرة للصحيفة السنة الماضية بحسب عدد من السكان التقاهم “صالون سوريا”. وكشف “خطار عماد” رئيس مكتب التسويق في الاتحاد العام للفلاحين أن إنتاج الزيتون للعام الحالي أقل من العام الماضي، لافتاً إلى وجود انخفاض في الإنتاج لا يقل عن 20 % عن الموسم الماضي.

وقدرت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في الحكومة السورية إنتاج سوريا من الزيتون بأكثر من 645 ألف طن لهذا الموسم مقابل أكثر من 850 ألف طن إنتاج الموسم الماضي. أما كمية إنتاج الزيت فقدرت بــ 103 آلاف طن علماً أن مردود الزيت يمكن أن ينخفض في حال استمرت درجات الحرارة بالارتفاع عن معدلاتها الطبيعية.

أسعار مرتفعة 

تشهد مناطق سيطرة الحكومة السورية ارتفاعاً في أسعار السلع والمنتجات الغذائية ومنها زيت الزيتون الذي وصل سعر الصحيفة منه (16 ليتراً) لحوالي الـ 300 ألف ليرة للنوع الممتاز، وبحدود 250 إلى 200 ألف للنوع العادي.

وفيما اعتاد السوريون على أن يكون زيت الزيتون من أهم المواد الغذائية على موائدهم، قررت هدى وعائلتها الاستغناء عنه لهذا العام والاستعاضة  بالزيت النباتي الذي تحصل عليه من إحدى الجمعيات الخيرية التي تؤمن لها كرتونة مساعدات شهرية تتضمن مادة الزيت النباتي.  وتقول لــ “صالون سوريا”: حتى الزيت النباتي لم نعد نستطيع شراءه نظراً لسعره المرتفع، إذ يبلغ سعر العبوة واحد ليتر 8500 ليرة.

أما عائلة أبو خالد التي كانت تشتري زيت الزيتون بكميات كبيرة في السنوات السابقة، فقررت هذا العام اقتصار الشراء على 16 لتراً فقط، وتقنين استهلاكها بالحد الأدنى، واستخدام الزيت لصنع سندوتشات الزعتر للأولاد في المدرسة.

يقول لــ “صالون سوريا”: كتر خير الله استطعنا شراء بيدون واحد هذا العام بعد استدانة ثمنه من عدة أقارب. مضيفاً أنَّ أسعار الزيت لهذا العام غير منطقية نهائياً.

قروض لشراء الزيت

فيما استدان أبو خالد ثمن صحيفة زيت الزيتون، قررت سامية (44عاماً) الموظفة الحكومية الحصول على قرض لشراء 16 ليتراً من زيت الزيتون.  صرّح رئيس مكتب التسويق في الاتحاد العام للفلاحين في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أن الاتحاد سيقوم باستجرار زيت الزيتون من المحافظات المنتجة خلال مدة شهر تقريباً بعد الانتهاء من عصر الزيتون بهدف بيعه لموظفي القطاع العام بالتقسيط.

تقول سامية لــ “صالون سوريا”: قررت التوجه نحو القرض الحكومي كي أستطيع تأمين زيت الزيتون لأسرتي وقمت بإجراء معاملة القرض بضمانة راتبي للحصول على 16 ليتر من زيت زيتون بثمن 150 ألف ليرة.  وتضيف أن قرض شراء الزيت مدته ثلاثة سنوات مع فوائد. “تخيل صرنا نقترض لحتى نشتري زيت زيتون!”.

أما سامر (33عاماً) وهو موظف حكومي أيضاً فقرر وعائلته شراء زيت الزيتون لهذا العام حسب حاجته الشهرية وحسب ما يتوفر لديه من نقود، ويقول لــ “صالون سوريا”: نشتري نصف كيلو من الزيت وأحياناً نشتري بــ ألفين ليرة فقط. ويرفض سامر التقدّم بطلب قرض من مؤسسته لشراء زيت الزيتون، معتبراً أن هذا القرض “مسخرة”، إذ يحتاج لمعاملة طويلة كي يحصل عليه وإحدى شروطه هو رهن الراتب لمدة ثلاث سنوات. “ناهيك عن أنك لا يمكن أن تثق بأن يكون هذا الزيت غير مغشوش”.

المزارع غير راضٍ

يشتكي مزارعو الزيتون من ارتفاع التكاليف السنوية للعناية بحقولهم، إذ تصل كلفة الهكتار الواحد سنوياً إلى ثلاثة ملايين ليرة، إضافة إلى تكاليف السقاية ومواد مكافحة الحشرات والأسمدة والأدوية الزراعية الأخرى التي أصبحت تكاليفها عشرات الأضعاف عما كانت عليه قبل الحرب.

يقول خالد (55عاماً) وهو مزارع من ريف دمشق لــ “صالون سوريا”: إنَّ موسم هذا العام تعرض لآفة الذبابة البيضاء ما أدّى لإسقاط زهر الشجر قبل أن تنتقل لمرحلة النمو التالية.  ويضيف أن الظروف المناخية كالجفاف ساهمت في تخفيض نسبة نضج ثمار الزيتون.

ويشرح لــ “صالون سوريا” أن أجور اليد العاملة في الزيتون وأجور عصره، كلها ارتفعت بشكل كبير ما ساهم في رفع سعره. ويشير إلى أنه رغم ذلك لا زالت أسعار بيع الزيت لا تغطي كافة مستلزمات إنتاجه  وفي بعض الأحيان لا تغطي التكاليف التي ينفقها المزارع في حقله.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا