تدريباتنا

شوارع دمشق تفيض بدموع أطفالها

by | Apr 5, 2022

“الله يحميك بدي حق أكل لولادي. الله يخليلك شبابك بدي ثمن دوا لإمي. أبي بحاجة عملية ساعدني. الله يخليك بدي حق خبز. منشان الله اشتري مني. عمو اشتريلي سندويشة. عمو بس بدي ميتين ليرة. الله يخليك بدي ثمن حليب لإبني. اجبور عني الله يجبر بخاطرك”. تلك بعض عبارات “الاستجداء” التي سمعتها من نحو عشرين متسولا ومتسولة (نصفهم من الأطفال) صادفتهم خلال جولةٍ قصيرة في بعض شوارع دمشق، وهم ليسوا سوى قلة من المتسولين الكثر الذين يظهرون في وجهك أينما اتجهت، بل ويتبعونك في كثيرٍ من الأحيان وهم يستعطفونك دون ملل. ولو أردت تلبية طلباتهم فستحتاج لميزانيةٍ ماليةٍ خاصة.
ولا يكتفي المتسولون باستجداء المارة في الشوارع بل كثيراً ما يدخلون إلى المطاعم والمقاهي ليستجدوا الزبائن أو ليعرضوا بضاعتهم البائسة التي يخفون تسولهم خلفها. فخلال جلوسي مع صديقي في أحد مقاهي الرصيف اقتحم جلستنا، التي استمرت لساعة، أكثر من عشرة متسولين، قاطعوا حديثنا بعبارات تسولهم، من بينهم: عجوز تجمع إيجار منزلها، طفلٌ يبيع العلكة، رجلٌ مُسنٌّ يردد بعض الأدعية، سيدة تتسول ثمن دوائها، أُخرى تجرُّ عربة شابٍ مُقعد، طفلٌ يريد ثمن وجبة طعام، طفلة تبيع الورد، أُخرى تبيع البسكويت.. الخ. وطوال الوقت كان النادل يحاول طرد المتسولين الذين كانوا “يتطفلون على زبائن المقهى” بحسب تعبيره، لكن جميع محاولاته كانت تبوء بالفشل، فما أن يذهب أحدهم حتى يعود الآخر في مشهدٍ يُدمي القلب ويستجلب الحزن إلى جلستك التي تحاول من خلالها أن تُرفِّه عن نفسك.
وعند أبواب بعض المطاعم الفاخرة، ستجد من يمسحون السيارات وينتظرون من أصحابها أن يدفعوا لهم أي مقابلٍ لقاء عملهم، الذي قد لا ينالهم منه حتى كلمة شكر، بل كثيراً ما يتعرضوا للطرد والتوبيخ.
وإلى جانب شكله المعتاد بات التسول يتخذ أشكالاً جديدة، إذ كثيراً ما يستوقفك بعض المارة العادين، الذين لا تبدو عليهم مظاهر التسول، ليطلبوا منك، بكل لباقة واحترام ودون أي توسل أو استجداء، ثمن علبة دواء أو وجبة طعام أو أجرة وسيلة مواصلات أو حتى سيجارة. وقد يقترب منك أحدهم، وأنت تقف أمام محلٍ لبيع الفطائر أو الحلويات، ليطلب منك أن تُطعمه شيئاً مما اشتريته.

جزء من الشوارع
منذ نحو أربع سنوات وبشكل شبه يومي يُشاهد أبو محمد (60عاما) جالساً على ذات الرصيف في ساعات المساء، واضعاً أمامه بضعة علب أدويةٍ فارغةٍ ليتسول من المارة ثمن الأدوية التي يُعالج بها مرضه المزمن. وعلى بعد مئات الأمتار منه يجلس رجلٌ خمسيني لساعاتٍ في مكانه، الذي اعتاد الجلوس فيه منذ نحو خمس سنوات، كاشفاً عن ساقه المقطوعة التي خسرها نتيجة الحرب ليستجدي استعطاف المارة.
وبين حين وآخر، تظهر في أماكن مختلفة إمرأة مُسنّة ذات ظهرٍ مُقوَّس، تسير بخطى متثاقلة مستعينةً بعكاز يسند جسدها المتهالك، وقد تجدها أحياناً جاثية على ركبتيها أو جالسة على قارعة الرصيف مسندة ظهرها إلى جدار ما, فيما يصدح صوتها الشجي والقوي ببعض الأدعية والابتهالات الدينية التي تستعطف قلوب المارة الذين اعتادوا وجودها خلال السنوات الماضية.
وبشكلٍ شبه دائم اعتاد ثلاثة مراهقين أن يظهروا في عدة مناطق، بهيئات ومظاهر مختلفة، فأحياناً تراهم يتسولون وهم حفاة، أو تراهم يبيعون العلكة والورد، أو يقفون على أبواب المطاعم والمقاهي، وقد تراكمت على ثيابهم أوساخ الشوارع التي ينشطون فيها، مذ كانوا أطفالاً، وكأنها منزلهم الوحيد، فيما ترى ملامحهم تتبدل يوماً بعد يوم، وهم يتحولون من الطفولة إلى المراهقة.
هؤلاء الأشخاص هم بعض من آلاف المتسولين الذين حفظهم الناس مذ أصبح حضورهم مشهداً مألوفاً واعتيادياً في الشوارع التي باتوا جزءاً من تفاصيلها، حتى يمكن ملاحظة غيابهم عنها في بعض الأحيان.

مع ساعات الصباح الأولى، تنشط حركة النساء الفقيرات القادمات من الأرياف واللواتي أصبحن جزءاً من المشهد اليومي للأرصفة التي يفترشن عليها بضاعتهن المرتجلة ليكابدن عناء العمل الشاق، فيجلسن لساعات طويلة في ظروف البرد ويتحملن مجادلة الزبائن ليتدبرن لقمة عيشهن المريرة بعد أن أصبحن المعيل الأساسي لعوائلهن. ذلك المشهد لم يكن مألوفاً لدى الشارع فيما مضى، وتعتبر هذه الأعمال غريبة على نساء المجتمع الريفي، بل كانت سابقاً حكراً على الرجال.
وتتنوع أنواع البضاعة المباعة وفقاً للإمكانيات الاقتصادية المتاحة، حيث تبيع أم محمود، القادمة من إحدى قرى غوطة دمشق، الأجبان والألبان ومشتقاتها، التي تُحضِّرها من الحليب الذي تشتريه يومياً من بعض المزارعين، فيما تبيع البيض البلدي الذي تجمعه مما تنتجه دجاجاتها ودجاجات جيرانها. وعلى رصيف آخر تبيع أم خالد، التي تجلس وسط أجواء الإزدحام الخانق، بعض منتجاتها المنزلية كالزيتون والمخللات والمربيات والخل، بالإضافة للزبيب والتين المجفف وورق العنب. فيما تبيع سيدةٌ مسنّة تجلس على مقربة منها بعض أنواع الحشائش والخضار الورقية، التي تزرعها في أرضها الملاصقة لمنزلها.
وإلى جانب البسطات المعتادة، ظهرت في الآونة الأخيرة بسطات بائسة وغريبة تفضح حجم معاناة من يقف خلفها ليبيع أي شيء يمكن بيعه، من بينها بسطات تبيع المعونات الغذائية (بقوليات، حبوب، معلبات، زيوت، منظفات، شاي، أرز وغيرها) التي تقدمها بعض الجمعيات الإغاثية والخيرية. فيما تنشط عربات صغيرة تبيع بعض أنواع الخضار والفاكهة بكمياتٍ قليلةٍ ومحدودةٍ تكشف حجم رأس المال البسيط لدى البائعين. وإلى جانب ذلك ستجد من يفرد على الرصيف مجموعة ثياب وأحذية مستعملة يبدو أنه جمعها من بعض المتبرعين أو من أناس تخلوا عنها، أو تجد أيضاً من يفرد بعض الأواني المنزلية المستعملة بما فيها الصحون والكاسات والفناجين والملاعق، بالإضافة لبعض التحف القديمة، والتي يبدو أنها جُمعت من بيوتٍ عدة.

في ساعات الليل، بات من المألوف أن ترى من ينام على الأرصفة وداخل الحدائق في معظم أحياء دمشق والمناطق المحيطة بها. وفي كثير من الأحيان قد تعبر أقدام المارة محاذاة جسدٍ ما حتى تكاد تتعثر به. وسنكتفي هنا بذكر بعض المشاهدات التي رُصدت ليلاً في مدينة جرمانا.
على أحد الأرصفة ومع ساعات الليل الأولى يفرش رجلٌ ستيني تحت جسده بعض الكراتين وأكياس الخيش، يتغطى ببطانيتين ويضع حقيبته كوسادة تحت رأسه ويَغطُّ في نوم عميق، غير عابئ بما حوله. أخبرنا بعض المارة أنه لا يمتلك منزلاً ويعمل في أعمال متفرقة ليتدبر قوت يومه.
على بعد نحو مئتي متر منه، أوقفني صوت فتى خلال سيري في الشارع: “عمو قديش الساعة”. اتجهت لمصدر الصوت، فوجدت الفتى ممدداً على الرصيف قرب فتىً آخر، في جو من العتمة الدامسة التي تحجبهما عن أعين المارة، وقد كانا يستعدان للنوم.
مشهد آخر لثلاثة أطفال يفترشون رصيفاً آخراً ملتحفين بعض البطانيات المهترئة. يتسامرون ويضحكون قبل أن يخلدوا إلى النوم وكأنهم جالسين في غرفة نومهم. وحين مررت بجوارهم أوقفني أحدهم ليطلب بعض السجائر.
وفي الشارع ذاته، كان طفلان يداعبان بعض الكلاب الشاردة، يطعمانها بقايا الفطائر التي اشتراها لهما بعض العابرين. وعلى الجهة المقابلة للطفلين، يجلس شابان قرب حاوية قمامة ويشعلان داخل تنكة فارغة بعض الأخشاب والكراتين ليحظيان ببعض الدفء، فيما يأكلان بعض حبات البطاطا والبصل التي يقومان بشوائها داخل التنكة.
وليس ببعيد عنهما صادفت طفلاً يبكي بحرقة ومراراة. لقد سرق بعض الأطفال المتسولين منه ما جناه طيلة اليوم ولا يمكنه العودة إلى بيته خالي الوفاض. ذلك حدثٌ كثيراً ما يتكرر مع أطفال الشواع. بعض المارة الذين تعاطفوا مع الطفل جمعوا له مبلغاً من المال حتى توقف عن البكاء وعاد إلى بيته.
مشاهد درامية تَحفَل بمئات التفاصيل المؤلمة والمؤثرة، تجرح بصرك وتُمزِّق قلبك وأنت تعاينها كل يوم. شوارع وأرصفة وحدائق باتت مسرحاً لحكايات الفقراء والمتسولين والهائمين على وجوههم، تعكس سيناريو الواقع المرير الذي خلفته آثار الحرب وما تبعها من ظروف اقتصادية مزرية جعلت أغلبية السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا