تدريباتنا

“حبة بركة” على سفوح قاسيون

by | Feb 11, 2022

بقع مبعثرة من ضوء الشمس، تغطي أحجار اللبون العتيقة على امتداد شارع يفيض عن رواده، وتزاحمهم “بسطاته” على خطواتهم، حيث لا بد للعابر فيه من أن يجتاز مسالك صعبة، حفرتها أقدام المارة وعربات الباعة.
من جامع الركنية إلى جادة العفيف، يمتد سوق “الشيخ محيي الدين” على سفح قاسيون في قلب دمشق، مذ أنشئ في القرن التاسع عشر حين كانت البضائع تفترش الأرض أيام الجمع فقط، لبيعها للمصلين الخارجين من الجوامع ولشهرته ورخص أسعاره تحول إلى سوق دائم وإن حافظ على اسمه “سوق الجمعة”.
تتباين الروايات حول أصل تسمية السوق، فالبعض ينسب التسمية لشيخ الصوفية محيي الدين بن عربي، فيما ينسبه آخرون للقاضي محي الدين بن زكي الدمشقي. وبين بن عربي وبن زكي، يترنح الفقراء على جدران الجوامع الممتدة على طول السوق بانتظار “رزقتهم” من النذور والحسنات.
يطلق على السوق أيضاً اسم “سوق البركة” نسبة إلى الزيادة الطفيفة التي كان بائعو السوق يضيفونها على الميزان ويقولون للزبون هذه “حبة بركة”، وهذه الغرامات القليلة الزائدة التي يضيفونها على كفة الميزان كانت تسعد الزبون وتشعره بالثقة بهذا السوق، كما أسماه البعض سوق “النواعير” نسبة إلى “الناعورة” الأثرية القديمة المقامة على نهر “يزيد”، وهي الأولى التي صممت للاستفادة منها في توليد الطاقة.
يستقبل السوق رواده – باختلاف طبقاتهم الاجتماعية – بمحلات الألبسة النسائية التي عرفت قبل الحرب باسم محلات الـ 350 ليرة سورية، حيث كانت تباع أي قطعة فيها بسعر 350 ليرة، ثم تليها محلات بيع الأدوات الكهربائية التي قد تدفع المارة للارتياب بسبب تزاحمها بمحاذاة بعضها دون تأثر أي منها “برزقة الآخر”.
وبين ازدحام المارة، تتنافس بسطات الخضار والفواكه الطازجة مع كل من “التكية السليمية”، “البيمارستان القيمري” و”المدرسة العمرية” على استحواذ اهتمام رواد السوق، دون أن تقلل أي منها أهمية الأخرى.
تمتزد المشربيات البديعة المطلة على الشارع مع صوت الآذان المنبعث من جامع “عبد الغني النابلسي”، فيما تحاذيه حوالي 300 مدرسة تؤرخ للعصرين الأيوبي والمملوكي، ومن أهم الأوابد الأثرية في السوق جامع “الحنابلة” الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 598 هجري، ويعد الجامع الأقدم بعد المسجد الأموي، إلى جانب “التكايا” التي أقيمت في العصر الأيوبي، وعدد من البيوت القديمة المتميزة بطرازها العتيق.
ومن خمسينيات القرن الماضي حتى الآن، لا يمكن للمارة تجنب رائحة الفول والحمص التي يعبق بها السوق من محل “بوز الجدي” المتخصص ببيع الفول والحمص، والذي استبدلت طاولته الرخامية الزرقاء اليوم أطباق الحمص المسلوق وبخار أواني الفول الممزوج برائحة الطحينة والمخلل، بطباخ كهربائي لا ينال من الحظ والكهرباء ما يكفي لإعداد طبق “مسبّحة”!
تتداخل متاجر الملبوسات النسيجية والجاهزة والداخلية والنسائية وألبسة الأطفال ومحلات الأحذية والقرطاسية والسلع الاستهلاكية بكافة أنواعها مع محلات البن والمكسرات والعطارة والبهارات ومحلات الأدوات المنزلية والصمديات، لتشكل مزيجاً ساحراً مع المحال القديمة للحرف التي شبه اندثرت مثل “المبيض” الذي يقوم بتبييض الطناجر النحاسية، و”البوابيري” مصلح بوابير الكاز، والقباقيبي من يصنع القباقيب الخشبية ويصلحها.
هنا يعم ما تبقى من البركة على الجميع، بدءاً من قطط الشوارع التي لا يهشّها أحد عن محلات القصابين، إلى أطباق “الحبوب” من القمح المطبوخ التي توزع على الجوعى من العابرين، وليس انتهاءً بمناهل مياه السبيل التي يروى المارة عطشهم بها.
وإذا أتيحت الفرصة للمرء بأن يمعن النظر في الوجوه بين الزحام، سيشهد في هذا المكان ولادة الأشياء: خيوط الصباح الأولى، الأحرف الأولى لصوت الآذان، براعم الخضار والفواكه على البسطات، بسمات تعلو وجوه الأطفال، والبركة!

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا