أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
سرديات المذكرات السياسية
ليست سردية نائب الرئيس فاروق الشرع السياسية هي السردية الأولى لرجالات النظام البائد، فقد سبقتها السردية المتلفزة لسلفه، النائب الرئاسي السابق عبد الحليم خدام، وكذلك السردية المكتوبة منها، والتي بدأت الصحافة العربية تنشر أجزاءً منها الآن، قبل صدورها المتوقع عن دار “دوف”. كما سبقتها سرديات أخرى كتبها رجال من أركان السلطة وأعمدتها عن حياتهم، من أمثال مصطفى طلاس الذي شغل منصب وزير الدفاع لأكثر من ثلاثين عاماً في حكومات الأب والابن، وأصدر كتابه المعروف باسم “مرآة حياتي”، الذي توزع على عشرة أجزاء، وقد خلت تلك السردية من أية قيمة تاريخية، كما خلت من أية إضافة مهمة للذاكرة السورية. ويتشابه الحال مع سردية عبد الله الأحمر، الأمين العام المساعد لحزب البعث (لمدة 36 عاماً)، المسماة بـ”خواطر وذكريات في سيرتي الذاتية”، المنشورة عام 1998، والتي تم توزيعها على نطاق ضيق.
تتقاطع جميع هذه المذكرات السياسية، بغض النظر عن القيمة التوثيقية في بعض فقراتها، عند طهرانية أصحابها العالية، فلا زلات في سيرهم، ولا نقائص لهم، فهم أنقياء من “جنس الملائكة”، لم تأخذهم السلطة إلى غواية الفساد، ولم يرتكبوا أخطاء سياسية، سواء على صعيد سلوكهم الفردي أو في إطار توجهاتهم السياسية. وفي هذا الحال، لا يبدو أن ندماً من نوع ما يتسلل إلى دواخلهم بشأن الماضي الذي كانوا جزءاً منه وساهموا في صناعته.
وهكذا، تنتفي الحاجة إلى مراجعة الذات، إذ إن المراجعة تستلزم الإقرار بوجود خلل أو سوء تقدير، أو حتى اعتلال في بنية النظام ذاته. وينطبق هذا الغياب على أولئك الذين اضطروا، مكرهين، إلى مفارقة النظام في لحظات حرجة، كعبد الحليم خدام الذي أُقصي عن السلطة عام 2005 لأسباب تتعلق بانتفاء الحاجة إليه ضمن ترتيبات بشار الأسد لسلطته الداخلية، أو كفاروق الشرع الذي تباين مع النظام عام 2011 لأسباب تتعلق بطريقة معالجة النظام للاحتجاجات الشعبية. وفي كلتا الحالتين، لم يتطرق صاحبا السيرتين إلى أحداث تدل على أي انتقاد بنيوي لطبيعة النظام، واكتفيا بتحديد الإشكالية في شخصية الرئيس، بعيداً عن جوهر النظام الذي شكّلا جزءاً منه.
فعلى سبيل المثال، اكتفى فاروق الشرع في الجزء الأول من مذكراته المعنونة بـ”الرواية المفقودة”، على أهميتها للباحثين المختصين، والمنشورة عام 2015، والتي غطت ذكرياته حتى عام 2000، بالتركيز على تفاصيل المفاوضات السورية الإسرائيلية المرتبطة بالسلام واستعادة الجولان. كما اكتفى في الجزء الثاني، الذي صدر عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في إبريل/ نيسان الفائت، بتغيير نظرته إلى بشار الأسد، باعتباره شخصاً سيكوباتياً ومتوحشاً أكثر من المغول، في حين كان قد رحّب في الجزء الأول بارتقاء بشار إلى الرئاسة، ولو ضمن إجراءات التوريث.
وللأسباب ذاتها التي جعلت من المذكرات السياسية في “عهد البعث” أشبه بمبانٍ من رمال مشادة على سطوح متحركة، لا يمكن الركون إليها ولا البناء عليها، فإن ثيمة أخرى لازمت تلك المذكرات وامتصت منها القيمة التوثيقية الجادة، وجعلتها خالية من رصيد إضافي للسردية السياسية، وهي الانتقائية في ذكر الأحداث. فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم إغفال فاروق الشرع لواقعة شديدة الأهمية في تاريخ سورية، وهي (مقتل أو انتحار) رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي، الذي حدث قبل وفاة حافظ الأسد بشهر واحد، وهو حدث تأسيسي في فهم سيرورة النظام وسردية التوريث.
وفي واقع الأمر، فإن طوقاً من السرية والكتمان حكم الفترة الممتدة من صعود البعث إلى السلطة حتى سقوطه في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول عام 2024، وافتقدت المكتبة السورية أية سرديات سياسية حقيقية، واقتصرت على سرديات هزلية كسرديات مصطفى طلاس وعبد الله الأحمر، التي لم ترق إلى مصاف الصدقية، وبقيت ضمن عجز السياسي السوري عن الإفصاح والاعتراف الشبيه باعتراف مسيحيّ أمام كاهنه، وذلك وفق تعبير السياسي سامي الجندي في كتابه المعنون بـ”البعث”، والمنشور عام 1969.
ويحيل هذا الاعتراف من جديد إلى التساؤل عن مدى إشباع مذكرات فاروق الشرع المنشورة حديثاً لنهم القارئ المتعطش لمعرفة خبايا السياسة السورية وكواليسها الدائرة في الغرف السوداء وممرات القصر الجمهوري، خصوصاً بعد الثورة السورية وانتصارها اللاحق. كما يحيلنا إلى التساؤل عن مستوى الإضافة أو الترميم لسرديات الذاكرة السورية، التي أسستها أعوام الثورة، وتراوحت بين سرديات الطغيان وسرديات الحرب السورية.
سرديات الحرب السورية
في موازاة المعارك المحتدمة على الأرض، شكّلت السرديات المتحاربة للأطراف السورية جبهة أخرى لا تقل ضراوة عن مثيلتها العسكرية. فبينما بدت تلك السرديات كمرايا ثقافية لخطوط الدم والنار المتشكلة في أتون الصراع، فقد عملت على بناء سواتر عالية تحميها من تسلل السرديات النقيضة لها، بالتوازي مع الحفر في خنادق وعيها الجمعي لتكريس ذاتها كسردية أحادية تُعبّر عن منظورها السياسي والاجتماعي، دون أن تنسى، في سياقها العام، الزخم الهجومي على السرديات النقيضة، ومحاولة إثبات تهافتها والعمل الدؤوب على تفكيكها.
لكن التنوع الكبير الذي ذهبت إليه السرديات السورية المتحاربة لم يمنعها من الاصطفاف الكبير بين نسقين مهمين؛ مثّل النظام السابق إحدى ضفتيه، فيما شكّلت المعارضة بأطيافها المتنوعة ضفته الأخرى. وانطلق النظام في سرديته من تصوير “الدولة/ النظام” كهرم مقدس يشكّل المساس به أعلى درجات الخيانة والكفر الوطني، مكثّفاً في سرديته التركيز على المفاهيم المرتبطة بحقوق الجماعة، وعلى تلك المفاهيم الأقل قابلية للتحديد والقياس؛ كمفهوم الدولة، والوطنية، والسيادة. أما المعارضة فقد جنحت سردياتها إلى مفاهيم أكثر ملموسية وأقل عمومية، واتجهت صوب حقوق الأفراد المتصلة بالحرية، والعدالة، وحق الحياة، وشروطها المرتبطة بسبل العيش المباشرة، كالأمان، والسكن، والمخيمات، وأسئلة الحياة اليومية.
وبالتوازي، عبّرت السرديات السورية، في مستوياتها الثلاثة: الإعلامية، والثقافية، والشفوية، عن ذاتها بمنظومة من المفاتيح اللغوية والمفردات الدالة عليها. فغدت مفردة كـ”المؤامرة”، على سبيل المثال، البوابة الأوسع لسردية النظام، وبدت مفردة “الأزمة السورية” كتوصيف ملطّف أو غير يقيني لما حدث بعد عام 2011 في سورية، في مقابل مصطلح “الثورة” الخاص بسردية المعارضة، أو مصطلح “الحرب السورية” الذي بات أكثر دلالة، وشاع استخدامه بعد مضي زمن طويل من التقاتل. وربما تشاركت السرديات المختلفة في هذا المصطلح، أسوة بمصطلح “الشهيد” الذي استخدمه الطرفان، وإنْ كان لكل طرف تعريفه ودلالاته الخاصة.
وشكّلت القصة والرواية الفضاء الأوسع لتجسيد السردية الثقافية الخاصة بالأطراف المتحاربة، والحامل الرئيس لها. وفي تتبع السرديات الثقافية الأولى للنظام، يتكشف عدم خروجها عن سياقها التاريخي المعروف بحب الوطن، والشهيد، والفداء، ولم تستطع تجاوز هذا المنحى في إطارها اللاحق، الذي اختزلته “يوميات الحرب السورية” لنبيل صالح، والتي اعتُبرت توثيقاً لبشاعة الإرهاب والحرب على سورية. وكذلك حاولت “وثيقة وطن”، التي انطلقت عام 2016 وأشرفت عليها المستشارة الرئاسية السابقة بثينة شعبان بالتعاون مع الجامعة السورية، كتابة “تاريخنا بيدنا”، كما جاء في معرفاتها، وأطلقت جائزة سنوية للقصة القصيرة منذ عام 2019، وسعت إلى “العناية بالتأريخ الشفوي لحفظ الذاكرة في مناحي الحياة المختلفة وتوثيقها”، وفق منظور النظام البائد وسرديته الخاصة.
وفي المقابل، توجهت السرديات الثقافية الأولى للمعارضة نحو التوثيق لحدث يتشكل بعنف وسرعة أعلى من وتيرة الكتابة. لكنها سرعان ما تجاوزت التوثيق المباشر، ليتشابك الحدث في مجرى الزمن الروائي ضمن توظيفات السرد، كما في روايتي روزا ياسين حسن: “الذين مسهم السحر” و”أيام في بابا عمر”. ولم تكتفِ السرديات الروائية بالوقوف عند حدود الحفر في زمن الثورة، بل توغلت في أزمنة سابقة لها، وامتد الحفر في بعضها لعقود خلت، كما في رواية فواز حداد “السوريون الأعداء”، حيث تظهر الثورة فيها كحتمية تراكمية لأزمنة من الطغيان والفساد والاستئثار.
ومع التشرد والنزوح ومسارات اللجوء المتعددة، تذهب الروائية مها حسن في روايتها “مترو حلب” إلى سؤال الهوية وعلاقته بالمكان، بينما يؤكد الروائي هيثم حسين، في روايته “قد لا يبقى أحد”، تداعيات الكارثة الكبرى التي حلّت بالسوريين في رحلة العذاب والتشظي بحثاً عن ملاذ آمن، دون أن ينسى الاحتفاء بالحب والحياة، جنباً إلى جنب مع الكتابة عن الاغتراب والهوية.
اضمحلال أم ولادة سرديات جديدة؟
لم تتوقف السرديات المتباينة والمتناقضة، رغم انزياحها الكبير بعد سقوط النظام واندحار سرديته بشكل نهائي. لكن شظايا تلك السردية لم تتفكك بشكل نهائي، بل أعادت الكثير من خلاصاتها السابقة، مستفيدة من الانفلات الأمني في بعض المناطق، وما نجم عنه من مجازر في الساحل والسويداء وأجزاء أخرى من البلاد، بالإضافة إلى التجاوزات المتفرقة التي طاولت الحريات الاجتماعية والدينية. الأمر الذي أفسح الطريق لمزيج جديد من السرديات المتداخلة والمتناقضة بآن معاً، لكنها ما زالت في إطارات التشكل الأولى على المستويين الإعلامي والشفوي، وسيكون اضمحلالها أو ارتقاؤها إلى المستوى الثقافي رهناً بحصيلة المتغيرات الاجتماعية والسياسية في الأيام، وربما الشهور، المقبلة.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






