تدريباتنا

المعول بدل القلم… شعار المعلمين في ادلب

by | Nov 24, 2021

“أصبح صوت بكاء أطفالي من الجوع، أعلى من صوت حبي لمهنة التعليم”. بهذه الكلمات عبر معلم في ادلب شمال غربي سوريا، عن معاناته وقسوة الظروف التي أجبرته على ترك مهنته الأساسية، بعد اضطراره للعمل بشكل تطوعي لأكثر من عام، ما تسبب بتراكم الديون والالتزامات على عاتقه. ويقول لـ “صالون سوريا” في ادلب: “وجدت عملاً كبائع في متجر لبيع المواد الغذائية، مقابل راتب شهري يؤمن مصاريف معيشتي اليومية مع أولادي الخمسة ووالدتي المريضة بالضغط والسكري.”
سليم الاسماعيل (35 عاماً) من مدينة إدلب، لم يكن ينوي التخلي عن مهنة التدريس، بعد أن أمضى أكثر من 10 سنوات فيها، لكنه اضطر لتركها بسبب انقطاع راتبه جراء قلة الدعم المقدم لقطاع التعليم. يقول: “لم تعد مهنة التدريس تعود علي بأي مقابل مادي، وإن كانت “الأحب” إلى قلبي، ولكنني معيل لأسرة كبيرة، وعلي أن أتوجه لعمل يوفر لقمة عيشهم .”
والاسماعيل واحد من مئات المعلمين في إدلب وريفها تأثروا بوقف دعم المؤسسات التعليمية في إدلب، وما ترتب على ذلك من انقطاع رواتبهم، ما دفعهم للابتعاد عن التعليم، والبحث عن فرص أخرى للعمل حتى وإن لم تكن ضمن اختصاصهم، بسبب عدم القدرة على تحمل أعباء المعيشة، بينما فضل آخرون العمل الإضافي، لتحسين أوضاعهم في ظل الفقر والنزوح والغلاء.
مدرسة التاريخ نورة السماحي (33 عاماً) تركت مهنة التعليم بشكل نهائي، والتحقت بوظيفة في إحدى المنظمات الإغاثية العاملة في إدلب، وتقول: “تركت المهنة بسبب الظلم والإجحاف وتباين الأجور من مدرسة لأخرى، فبعض المدارس الخاصة أو المدعومة من قبل المنظمات تمنح لمدرسيها راتباً يصل لأكثر من 250 دولار أميركي، فيما لا يتقاضى الكثير من المدرسين أي مقابل مادي مقابل عملهم .”
وتشير الى انه وقعت على عاتقها مسؤوليات كبيرة فرضها النزوح وإصابة زوجها وقعوده عن العمل، اذ ” تعرض زوجي لحادث سير منذ ستة أشهر، وبات عاجزاً عن العمل جراء إصابته بكسور في ظهره، فأصبحت مسؤولة عن تأمين احتياجات أولادي الثلاثة، إلى جانب دفع إيجار المنزل بعد نزوحنا من مدينة سراقب إلى مدينة أطمة الحدودية مع تركيا .”

مهن شاقة
استبدل المعلم عبد الكريم الخضر (29 عاماً) النازح من مدينة معرة النعمان إلى بلدة حربنوش بريف إدلب الشمالي، الأقلام والكتب والوسائل التعليمية بالمجرفة والمعول والعربة، وتوجه لمهنة البناء لتأمين مصاريف أسرته. ويوضح: “حين أصبحت أدخل الصف وأنا أفكر برغيف الخبز وآجار المنزل تركت المهنة والتحقت بمهنة البناء”. ويؤكد أنه لم يكن يتصور أن يلجأ لهذا العمل الشاق في يوم من الأيام، ولكن انقطاع الرواتب وشح الدعم عن قطاع التعليم أجبره على ذلك .”
ويضيف الخضر أنه معيل لزوجته وولديه، ووضعه المادي المتردي لا يحتمل الانتظار في العمل التطوعي لفترة طويلة، حيث بدأت الديون والفواتير تتراكم عليه، الأمر الذي دفعه للعمل في البناء لتغطية مصاريفه ونفقاته، لكنه وجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع مشقة المهنة. ويشير الخضر الى انه يجني من عمله 50 ليرة تركية يومياً (ما يعادل نحو 150 دولاراً شهرياً)، بالكاد تكفي لتأمين المستلزمات الأكثر ضرورة لأسرته، ولكنها تبقى أفضل من لاشيء، وانتظار راتب قد لا يأتي .

مهنة إضافية
من جهته، لم يتخل المعلم سامر الكنش (31 عاماً) عن شغفه في مزاولة مهنة التعليم رغم توجهه لمهنة أخرى إضافية لتحسين وضعه الاقتصادي، وهو يفضل “مهنة التعليم على باقي المهن، لذلك أحافظ عليها إلى جانب مزاولة مهنة تصليح الدراجات النارية بعد الانتهاء من دوام المدرسة”.
ونزح الكنش من ريف معرة النعمان الشرقي نهاية عام 2019 إلى مخيم في بلدة كللي بريف إدلب الشمالي، وأحزنه حال أطفال المخيم الذين خسروا فرصهم بالتعلم لعدم وجود مدرسة ضمن المخيم، وبعد المدارس الأخرى في ظل عدم توافر وسائل نقل، الأمر الذي دفعه لإنشاء خيمة تعليمية والبدء بتعليم الأطفال وتعويض ما فاتهم، وضمان عدم نسيان ما تعلموه سابقاً .
يؤكد الكنش أنه لم يحصل حتى اليوم على أي راتب شهري، سوى حصوله على مبلغ 100 دولار أميركي إلى جانب سلة غذائية من إحدى المنظمات الإنسانية العاملة في إدلب، الأمر الذي أدى لسوء أحواله المعيشية بشكل كبير في ظل النزوح والغلاء، ففكر بالعمل مع أخيه في ورشة لتصليح الدراجات النارية، لتحصيل مصروف أسرته، دون أن يتخلى عن تعليم الأطفال.
أمام هذا الواقع أطلقت مديرية التربية والتعليم في محافظة إدلب في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) حملة بعنوان “ادعموا تعليم إدلب” لأن من حق المعلمين تقدير خبراتهم وتحسين أوضاعهم المادية وتوفير دخل منتظم .
وتجدر الإشارة أن عدد المدرّسين في المنطقة بحسب “مديرية التربية والتعليم” في محافظة إدلب 20 ألفاً، بينهم 5707 مدرسين يعملون بشكل تطوعي، وبالنسبة لمديرية التربية في حماة، فلديها 18 مدرسة موزعة في مناطق شمالي إدلب، ويعمل فيها 159 معلمًا ومعلمة، بينهم 25 يتقاضون راتباً و124 متطوعاً منذ بداية العام الدراسي الحالي.
ودفع الغلاء والنزوح الكثير من المعلمين المتطوعين للتخلي عن المهنة والتوجه لمهن أخرى تساعدهم على كسب العيش، ما يؤثر سلباً على العملية التعليمية في إدلب، ومستقبل أجيال بات على حافة الضياع.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا