تدريباتنا

الدِّمشقي: دروب الضّوء

by | Aug 8, 2025

 يرد اسمه باليونانية: Δαμάσκιος  أو Damascius وفق الترجمة الإنكليزيّة عن اليونانيّة أو الدِّمشقي بالعربيّة. ولد عام 462 م في دمشق لعائلة عريقة، ويمكن أنَّ يكون والده أسماه الدِّمشقي حُبًّا بمدينة دمشق، لكن يُرجَّح أن يكون اسمه لقب أُطلق عليه لأنَّه دِمَشقي المولد، ورغم انتشار الدِّيانة المسيحيّة في سوريا قبل أمد طويل من ولادة الدِّمشقي وخضوع دمشق في حياته لحكم الإمبراطوريّة البيزنطيّة المسيحيّة، إلا أنَّه لم يعتنق المسيحيّة، إذ يبدو أنَّ أبويه لم يكونا مسيحيين، وقد أرسلا ابنهما مع أحد أشقائه إلى الإسكندريّة للدِّراسة وهذا الاهتمام من قِبَلِ هذه الأسرة بتعليم أبنائها دليل على عراقتها. 

    درس الدِّمشقي البلاغة في الإسكندرية في مدرسة حورابولو الذي كان يُلقَّب بـ “مُدَمِّر الأرواح” لأنَّه كان يدفع طلابه إلى اعتناق الهلينيّة بدلًا من المسيحيّة. وحورابولو (اسم مجموع من حورس وأبولو) أحد آخر الكهنة المصريين الكبار، وكانت مدرسته تضمّ أشهر البُلغاء والخطباء والفلاسفة في الإسكندرية الذين كانوا يدرِّسون جمهورًا مختلطًا من غير المسيحيين والمسيحيين.

    تعرَّف الدِّمشقي في مدرسة حورابولو على فلاسفة مرموقين مثل إيزيدور الفيلسوف اللامع الذي ألَّف الدِّمشقي نفسه كتابًا عن حياته بعنوان “التَّاريخ الفلسفيّ” ومثل أمونيوس وهو فيلسوف مثير للجدل، لكن اللافت أنَّ أم أمونيوس هذا أيديسيا، كانت سيدةٌ من الطبقة الراقية، وتوصف بأنها من “أجمل وأنبل نساء الإسكندرية”، كما كانت أرملة الفيلسوف هرمياس واختير الدِّمشقي بعد وصوله إلى الإسكندرية بأمد قصير لإلقاء خطبة جنازة أيديسيا، وهذا يدل على المكانة الكبيرة التي حظي بها بسرعة في تلك المدرسة التي ضمت نخبة مثقفي ذلك العصر.

    شُنَّت حملة شعواء على المدارس الفلسفيّة في الإسكندريّة أدت إلى إغلاقها ومن بينها مدرسة حورابولو حيثُ اعتُقل حورابولو نفسه عام 489 م وتمَّ التضييق عليه لإغلاق مدرسته وللتراجع عن أفكاره، ولذلك لم تعدْ الإسكندريّة مكانًا صالحًا للحياة الفلسفيّة، فهربَ الدَّمشقيّ برفقة صديقه وأستاذه إيزيدور الغزَّاويّ Isidore of Gaza الذي يرجع أصله إلى غزَّة في فلسطين، وشاءت الأقدار أن تكون غزَّة إحدى محطاتهما الأولى، حيث التقيا، بأنطوني الإسكندري، الذي استقبلهما أحسن استقبال، وسيبقى الدِّمشقي حتى أواخر حياته يستذكر الفضل العظيم لهذا الرجل عليه، ومن غزَّة انطلق الدِّمشقي وإيزيدور إلى مدينة بصرى في حوران، حيث استقبلهما أحد تلاميذ إيزيدور وقاما بعدة رحلات إلى الأماكن الفلسفيّة المقدَّسة في حوران. امتلأ الدِّمشقي عند زيارته لنهر ستيكس المعروف الآن بنهر اليرموك برهبة ميتافيزيقيّة عند رؤية مشهد مهيب ومرعب في آن واحد لمياه هذا النَّهر.

    اتجه الصديقان بعد إقامتهما في بصرى إلى مدينة هليوبوليس المقدسة (بعلبك) في فينيقيا، لكن رحلتهما الفينيقيّة لم تكن موفَّقة، إذ اعتُقِل إيزيدور وأُلقي في السجن وعُذِّب، بينما كان الدِّمشقي يحاول تحرير معلمه. ونجح في النهاية في إطلاق سراح إيزيدور. وتابع الفيلسوفان رحلتهما فوصلا إلى أفسس ومنها إلى ساموس ثم إلى بيرايوس وهي مدينة يونانية في منطقة أتيكا تقع على بعد 9 كيلومتر جنوب أثينا ثم دخلا إلى أثينا على الأرجح في نهاية عام 489 م. واستطاعا الانضمام لحلقة الفيلسوف الأفلاطوني المحدث مارينوس وهو من مدينة نابلس في فلسطين، وكان مارينوس قد أصبح رئيس المدرسة الأفلاطونية المُحْدَثة في أثينا بعد موت أستاذه بروقلوس، فشاءت الأقدار أن يتتلمذ الدِّمشقي على مارينوس رئيس أهم صرح فلسفيّ في العالم آنذاك، أعني أكاديميّة أفلاطون.

    أصبح إيزيدور بعد مارينوس رئيس الأكاديميّة في أثينا ثم استطاع الدِّمشقي بموافقة من إيزيدور نفسه أن يتولّى رئاسة هذه الأكاديميّة وأُرجِّح أنَّ إيزيدور تخلّى من تلقاء نفسه عن رئاسة الأكاديميّة للدِّمشقيّ، وتجلّى مشروع الدِّمشقيّ في إلغاء فلسفة بروقلوس من التدريس في الأكاديميّة، وإعادة ربط الأكاديمية بشكل قاطع بفلسفة مؤسِّسها الأوَّل أفلاطون (427 قبل الميلاد-347 ق.م) وكذلك بمؤسِّسها الثاني يامبليخوس العربيّ السوريّ (245 بعد الميلاد-325 بعد الميلاد).

    استطاع الدِّمشقي أن يرفع من شأن أكاديميّة أفلاطون وأن يعيد إليها أمجادها القديمة كما لو كانت في عهد أفلاطون نفسه، وبقي الدِّمشقي رئيسًا للأكاديميّة إلى تاريخ 16/نيسان/ 529 م، أي إلى التاريخ الذي أصدر فيه الإمبراطور البيزنطي جستنيان أمرًا بإغلاق المدارس الفلسفيّة في أثينا، فأُغلقت أكاديميّة أفلاطون التي كانت قد استمرت منذ تأسيس أفلاطون لها عام 387 قبل الميلاد إلى ترك الدِّمشقي لرئاستها نحو 916 عامًا. 

     شعرَ الدِّمشقي بمرارة إغلاق أعظم صرح فلسفيّ في تاريخ البشريّة، لكنه لم يستسلم فقرر البحث عن بلد آخر لتشييد أكاديميّة أفلاطون فيه من جديد، وفي تلك الأيام الحرجة فكّر الدِّمشقيّ بما سمعه عن ملك ملوك إيران الساسانيّ خسرو الأول وكان معروفًا بأنه راعٍ كبير للفلسفة والفلاسفة، وفكَّر الدمشقي أن يبني أكاديميّة لأفلاطون في مدينة قطسيفون (Ctesiphon) في العراق القديم، وكان اليونانيون قد بنوا هذه المدينة في العصر الهلينستيّ، ثم أصبحت عاصمة الإمبراطورية البارثية ثم الساسانية. تقع هذه المدينة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق بغداد. وعندما عزم الدِّمشقي فعلًا على الرحيل إلى بلاط ملك الملوك الساسانيّ خسرو الأوَّل كان في أواخر الستينيات من عمره فقام بجمع التماثيل والرموز والأشياء المقدسة وأخفاها بعناية فائقة في الآبار المحيطة بالمنزل الذي كان مخصّصًا له في الأكاديميّة حيث كان هناك منازل مخصصة لسكن رؤساء الأكاديميّة المتعاقبين منذ زمن أفلاطون، وحزم الدِّمشقي مخطوطاته، وعلى رأس مجموعة من ستة فلاسفة آخرين من أصدقائه اتجه في رحلته إلى خسرو الأول، ولقد ذكر المؤرِّخ والشَّاعر اليوناني أغاثياس (530 م-582 م) أسماء هؤلاء الفلاسفة بعبارة شاعريّة رائعة:

“الدِّمشقيّ، سيمبليقيوس الكيليكي، يولامياس الفريجي، بريسكيانوس الليدي، هيرمياس وديوجينيس كلاهما من فينيقيا، إيزيدور من غزَّة -أجمل زهرة، إذا أردنا أن نكون شعراء، من الفلاسفة في زماننا-اعتراضًا على الإيديولوجية السائدة بين الرومان فيما يتعلق بالإله، اعتقدوا أن المُناخ السياسي للفرس سيكون أكثر ملاءمة”. 

    خرج هؤلاء الفلاسفة السبعة من أثينا -واللافت أنَّ خمسة منهم كانوا من سوريا التي كانت رقعتها الجغرافيّة تمتدّ من كيليكيا إلى غزَّة-مُعتقدين أنَّهم سيتخلصون من اضطهاد الإمبراطور البيزنطيّ، ولكن وهُم في طريقهم إلى بلاد فارس قرّروا التوقّف في مدينة حرَّان السوريّة لزيارة معابدها وفحص مخطوطات مكتباتها. ثم تابعوا طريقهم إلى بلاد فارس، لكن عندما وصلوا إلى بلاط خسرو الأوَّل شعروا جميعًا بخيبة الأمل والخذلان من إمكانيّة دعمهم من ملك الملوك الساسانيّ، وعرفوا أنَّه لا مكان للفلسفة في فارس، فقفلوا راجعين وعلى الأرجح أنّهم استقروا في حرَّان. 

     كان الدِّمشقي رغم استقراره في حرَّان يزور مدينته دمشق، وكان دائمًا يزور أيضًا حمص مسقط رأس الفيلسوف السوريّ يامبليخوس الذي يصفه الدِّمشقيّ في مؤلَّفاته بالعظيم من أجل إحياء ذكراه، ويؤكد ذلك أبيات شعريّة كتبها الدِّمشقي نفسه وعُثِرَ عليها في ما يُعرف بمختارات بالاتين  Palatine Anthology ( مجموعة من القصائد والمقاطع والشذرات اليونانيّة التي اكتُشفت عام 1606 في مكتبة بالاتين في هايدلبرغ ترجع إلى مجموعة قسطنطين كافيلاس من القرن العاشر وتضم مختارات يونانية ترجع إلى أزمنة أقدم) وقد نُقشت أبيات الدِّمشقي على مسلة في إيميسا (=حمص)، سوريا، في عام 538 م. 

    اقترح المؤرِّخ الفرنسيّ ميشيل تارديو Michel Tardieu وهو باحث متخصص في الأفلاطونيّة المحدثة وصاحب كتاب “مناظر طبيعية أثرية. طرق ومحطات سوريا من إيزيدور إلى سمبليقيوس، تحرير فرين، (1990 م)”.-أقول: اقترح تارديو أنَّ وجود داماسقيوس في سوريا يقدم دليلًا على خط نقل الأفلاطونية إلى الإسلام، حيث ترسخت التقاليد الأفلاطونية المحدثة في حرّان. تعتمد أطروحة تارديو بشكل كبير على تفسير لرواية عن زيارة المؤرِّخ العربيّ الشهير المسعودي إلى حرّان. في هذه الرواية، يصف المسعودي مكان تجمُّع للصابئة، حيث يرى مطرقة باب منقوشة بالسريانية بشعار أفلاطونيّ: “من يعرف نفسه يصبح إلهيًا.” 

 مات الدِّمشقي عام 538 م، أي في العام نفسه الذي نُقشت فيه أبياته الشِّعريّة على مسلَّة في حمص، لكن تشاء الأقدار بعد مدَّة طويلة من الزَّمن أن تجذب سوريا أكبر مجدِّدي الفلسفة الأفلاطونيّة بعد الدِّمشقي، أعني الفارابي الذي قضى شبابه في بغداد يتتلمذ على الفلاسفة السريان ثم انتقل إلى حلب ليقيم في كنف سيف الدولة الحمدانيّ، وسافر مع سيف الدّولة إلى دمشق، فقرر الإقامة فيها، وكان يمضي الليالي في غوطتها، حيث ذَكَرَ كُتَّاب السِّير أنّه كان يقضي الليالي فيها يضع مؤلَّفاته مستضيئًا بقناديل حُرَّاس البساتين. 

   لا يوجد أيّ دليل من مؤلَّفات الفارابيّ على أنَّه كان مطلعًا على مؤلَّفات الدِّمشقيّ، لكنَّ الرَّوح الفلسفيّة الغامضة والمجهولة لمدينة دمشق جذبته إليها ليموت فيها عام 950 م.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا