تدريباتنا

إنهاك الاقتصاد والشعب بسياسات ليبرالية جديدة أكثر توحشاً

by | Apr 22, 2021

تصرّ الحكومة السورية على الاستمرار في انتهاج سياسات اقتصادية ليبرالية جديدة، والتي كانت ضمن الأسباب العميقة لاندلاع الاحتجاجات الشعبية في 2011، وذلك رغم الحصار الاقتصادي الخانق لعجلة الاقتصاد السوري، وكأنها لا تملك أي استراتيجية لتقليص آثار العقوبات الدولية على سوريا؛ بل هي تفعل العكس، أي تستثمر في اقتصاد الحرب لمصلحة حفنة من داعمي النظام من مافيات الحرب والاقتصاد الجدد. فقد أبقت الاقتصاد ريعيا، متمحورا في قطاعات العقارات والخدمات (المطاعم والمقاهي) والاستيراد، واستمرت في إنهاء دعمها للسلع الأساسية، وتجاهلت التوظيف المالي في الزراعة والصناعة، مما زاد من خلل الميزان التجاري، وبدأ الاعتماد على المديونية تحت حجة عجز الميزانية.

انخفض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي في شهر آذار الماضي إلى قرابة الخمسة آلاف ليرة، ثم تحسن سعر الصرف قليلاً، حيث استفاد من ذلك مضاربو سوق العملة السوداء. ورغم اعتراف النظام بتدهور قيمة الليرة السورية، حيث يلقي باللائمة على المؤامرة والعقوبات الخارجية، لكنه ما زال يرفض رفع سعر دولار الحوالات ليقارب سعر الصرف في السوق السوداء، وهو يفضل تغذية دوائر الفساد المرتبطة بشركات الحوالات، حيث تذهب عمولات التحويلات إلى جيوب منتفعين من مافيات رجال الأعمال والشبكات الأمنية، بدلاً من خزينة الدولة، والتي كانت ستساهم في تحسين سعر الصرف، باعتبار أن قيمة حوالات السوريين القادمة من الخارج معتبرة.

والحكومة السورية لم تقدم دعماً للمنتوج الزراعي والحيواني، للحفاظ على الأمن الغذائي، بل هي تصعّب عودة الأهالي إلى المناطق الزراعية، في المدن والبلدات التي استعاد السيطرة عليها، عبر عدم الاهتمام بترميم بنيتها التحتية، بقصد معاقبتها، ولضرب تماسكها الاجتماعي؛ كما في الغوطة الشرقية، التي كانت رئة العاصمة وخزانها الغذائي، حيث ما زال يمنع إصلاح شبكة الكهرباء اللازمة لاستخراج مياه السقاية.

الحكومة لا تأبه بتحقيق الأمن الغذائي؛ حيث نشط قطاع تصدير المنتجات الزراعية والحيوانية، للحصول على القطع الأجنبي، أو مبادلتها بالمشتقات النفطية.

انعدام الحلول الناجعة للنظام دفعه إلى الاتجاه إلى جيوب مواطنيه؛ حيث رفع الدعم عن البنزين للمرة الثانية خلال أقل من ثلاثة أشهر، وكذلك الغاز المنزلي بنسب تجاوزت ال50%، وابتدع ضريبة عقارية جديدة عالية على بيع وشراء العقارات.

السياسة الاقتصادية التي يتبعها النظام لمواجهة أثر التضخم الاقتصادي هي التمويل بالعجز، بتكبيس الأزرار وطباعة أوراق العملة. في حين أنه مستمر في سياسة التشدد في الإجراءات التقشفية؛ واضطر بداية نيسان إلى اتخاذ قرار بتخفيض نسبة دوام العاملين في قطاعات الدولة، حيث لم يعد لديه وقود كافٍ لنقل موظفيه إلى مراكز عملهم.

هذه السياسات الاقتصادية الرديئة زادت من أثر العقوبات الاقتصادية على السوريين؛ حيث بات 2.4 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في أسوأ حالة أمن غذائي شهدتها سوريا على الإطلاق، وفقاً لتقييم الأمن الغذائي الذي  أجري أواخر عام 2020 (تقرير لبرنامج الأغذية العالمي (WFP)) نشر في شباط الماضي (1)

السياسات الليبرالية الممزوجة بالفساد، والمجحفة بحق السوريين، ليست وليدة السنوات العشر الأخيرة؛ فقد رافق الانفتاح الاقتصادي مسيرة حكم حزب البعث إلى جانب الإصلاحات الاشتراكية الطابع. وتوسع القطاع الخاص في 1991 بالمرسوم رقم 10(2)، إرضاء لطبقة رجال الأعمال بعد انتصار النظام على جماعة الإخوان المسلمين في حرب الثمانينات. لكن الانفتاح اكتمل في 2007، في عهد الأسد الابن، وبصيغة ليبرالية جديدة، بعد الانتهاء من إصدار سلسلة مراسيم أحدثت تحولاً في بنية الاقتصاد.

النتائج كانت كارثية؛ حيث انهارت الزراعة مع رفع الدعم عن المازوت والبذور والأسمدة، وحدوث هجرة كبيرة من أهم المناطق الزراعية (منطقة الجزيرة)، إضافة إلى خصخصة مشاريع في القطاع العام والتعليم والطباعة وانهيار صناعات أساسية كالنسيج والصناعات الغذائية والأدوية.

كما أدى الانفتاح وفقاً لمفهوم السوق الاجتماعي إلى تشكل اقتصاد ينشط في (القطاع الثالث) كما يسمى في الفكر الاقتصادي، أي اقتصاد ريعي يقوم على تجارة الاستيراد والخدمات والبنوك والسياحة والعقارات (بالتشارك مع الرأسمال الخليجي ) تديره طبقة من رجال الأعمال الجدد المرتبطين بالسلطة، وأدى استيراد المنتجات الصينية والتركية بتسهيلات جمركية، إلى ضرب الكثير من الصناعات الوطنية، كالموبيليا، وكل ذلك على حساب إفقار الغالبية العظمى من الشعب وارتفاع معدل البطالة؛ وهو ما كان في الأسباب الخلفية لاندلاع الاحتجاجات ضد النظام في 2011.

طيلة سنوات الحرب، استمر النهج الليبرالي الجديد للسلطة القائمة في دمشق؛ إذ أعادت هيكلة الاقتصاد تشريعيا بما يخدم أمراء الحرب الذين صنعتهم كواجهة، بهدف الالتفاف على العقوبات والتخفيف من الضغوطات وعجز الميزانية المرافق  لظروف الحرب، وبما يؤسس للنهب المرافق لإعمار ما بعد الحرب.

فاستمرارا في نهج الخصخصة، أعلنت الحكومة السوريّة في شباط من عام 2016،  عن خطّة التشاركيّة الوطنيّة”(3)، بوصفها استراتيجيّتها الجديدة، والتي اعتبرتها بديلاً لنموذج “اقتصاد السوق الاجتماعيّ” المُطوَّر في 2005؛ وقد سمح هذا القانون للقطاع الخاص بإدارة وتطوير الأصول الحكومية في جميع قطاعات الاقتصاد بوصفه الشريك أو المالك الرئيسيّ، باستثناء قطاع استخراج النفط.

كما أصدر النظام جملة قوانين تتيح إعادة التوزيع العمراني، بتحويل أراضٍ زراعية إلى أبراج عقارية، والاستثمار العقاري لرأسمالييه في المناطق التي عادت إلى سيطرته، كالمرسوم رقم  66 لعام 2012 ، والقانون رقم 10 لعام 2018 (4) (5)، الذي يشرع سرقة الحكومة للأراضي من ملاكها وإعادة إعمارها بعقود توقعها مع شركات خاصة ومستثمرين.

وبالتوازي مع ذلك وافقت الحكومة عام 2015  على قانون يسمح بتأسيس شركات قابضة خاصة لإدارة الأصول العامة، وخدمات مجالس المدن والوحدات الإدارية الأخرى، مما يتيح مجالا جيداً للمقربين من النظام لاستخدام الأصول العامة في توسيع تجاراتهم العقارية؛ ومنها شركة (دمشق شام القابضة) عام 2016 المسؤولة عن تنفيذ إعادة إعمار مشروع “ماروتا سيتي” لتطوير العقارات الفاخرة في بساتين الرازي وتنظيم كفرسوسة في دمشق بالاستفادة من المرسوم 66، كما أنشئت شركة قابضة في حمص لإحياء مشروع حلم حمص بأبراجه العالية، وشركة قابضة في حلب عام 2018. وفي  2018، تم السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في مشاريع البنية التحتية (6).

عمل النظام على تنشيط قطاع التجارة لتأمين حاجاته من منتجات معيّنة كالموادّ الغذائيّة والأدوية والمشتقّات البتروليّة، معتمدا على وسطاء اسميين للالتفاف على العقوبات الغربية ، أو وسطاء محميين بشبكاته الأمنية،  لتسهيل عملية تبادل المنتجات بين مناطق النفوذ المتعددة، كمجموعة القاطرجي، سيما وأن أكثر من 90 بالمائة من الاحتياطي النفطي، ونصف الغاز السوري، ومعظم الثروات الزراعية تقع خارج، سيطرته.

لقد كان الأهم بالنسبة للنظام الإنفاق على آلته العسكرية، لتمويل توسيع نطاق نفوذه مدعوماً بحليفيه الروسي والإيراني ومقابل ذلك كان عليه توقيع اتفاقيات استراتيجية، مع كل من روسيا وإيران لاستثمار الثروات الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات، وموانئ ومطارات، لآجال طويلة (7)  لتعويض قيمة مساهمتهما في  العمليات العسكرية.

هذا الإصرار الحكومي على السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، لتغذية النهب عبر العلاقة مع السلطة ومشاركتها، وإصرار النظام على الحل العسكري، بكلفته الدموية والتدميرية، حيث قدرت الكلفة الاقتصادية للحرب السورية ب 1.2  تريليون دولار أمريكي وفقا لتقديرات تقرير مشترك لمنظمة “الرؤية العالمية وورلدفيجن” وشركة “فرونتير إيكونوميكس”(8)، كل ذلك أعطى العقوبات الخارجية فاعلية حقيقية، حيث ارتفعت نسبة الفقر إلى أكثر من 90%، وفقاً لتقرير صدر في آذار عن صندوق الطوارئ الدولي للأطفال (يونيسيف)(9)، وارتفعت معدلات البطالة، مع تدني الأجور وإرث ضخم من الدين الخارجي سيلاحق الأجيال القادمة ويقيد استقلالية الدولة ومستقبلها.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا