تدريباتنا

أحمد م. أحمد: الكتابة المُنفلتة من المدارس والأشكال السائدة

by | Mar 16, 2026

في تجربته الإبداعية يبدو “أحمد م. أحمد” وكأنه ينطلق من مقولة النفّري: “العلم المستقر جهل مستقر” ليسقطها إبداعياً؛ فالإبداع الحقيقي لا ثبات فيه. نلمس ذلك في منجزه الإبداعي الذي تمثّل بأربعة إصدارات إبداعية: مجموعة قصصية بعنوان “جمجمة الوقت”، ونصوص “أحرق سفنه إلا نعشاً”، و**”الطريق إلى الموت يعجّ بالأحياء الخطرين”، و“أصيد طائر كوليريدج”**، وهناك كتاب قيد الصدور بعنوان “مَنِ الزّول”، وأخيراً منجزه الإبداعي في مجال الفن التشكيلي.

إضافة إلى ترجمته للعديد من الكتب الهامة في مجالات مختلفة، منها: “العالم لا ينتهي” لتشارلز سيميك، و**”لعل الخريف هو اللحد”** لروبرت بلاي، و**”1234″** لبول أوستر، و**”المكتبة في الليل”** لألبرتو مانغويل، و**”زومبي”** لجويس كارول أوتس، و**”التحريم والتقديس ونشوء الثقافات”** لمارفن هاريس، و**”شاه إيران وأكراد العراق وشيعة لبنان”** لآراش رايزنجاد.

في الحوار التالي حاولنا أن نقارب مجمل نشاطه الإبداعي:

1- بدأتَ بالقصة القصيرة، مجموعتك “جمجمة الوقت” أتت مختلفة، خالصة من رتابة السرد الحكائي، وشكّلتْ نقلة حداثية في مواضيعها وبنائها الفني، هل انتهى الهاجس الذي يدفعك لكتابة القصة؟

• كتبتُ “جمجمة الوقت” في الصف التاسع. وفي سنتي الجامعية الأولى أو الثانية، أضفتُ إلى إحدى قصصها سطراً واحداً فقط، هو: “نحمل مركبتكَ على الأكتاف”، حين شاهدتُ من نافذة مطعم الجامعة رجالاً لبسوا ثياب العامة يحملون سيارة الديكتاتور الأسد على جسر (الرئيس)، وهم من الحرس الجمهوري، وكنتُ قد عرفتُ قبل الموكب بأسابيع بأنهم يتدربون على ذلك. ثم قرأها المعلِّم سعد الله ونوس، ونشر لي بعض قصصها في الهدف. ومن هنا بدأتُ.

في “جمجمة الوقت”، كنتُ والألم خلّين: ضيق الحال، والشعور بعسف السلطة، مقابل رؤيا تتسع، وتمردٍ متنامٍ، وكائنٍ أخافه يسكنني ولا أعرف إلى أين يأخذني.

لم يرضِني ما كنتُ أقرؤه في ذلك الحين. في كل مجموعة قصصية أو رواية، رأيتُ فيها من بساطةٍ تولِّد المزيد من الحاجة إلى كتاب يملؤني ويرويني، الأمر الذي لم يحدث حتى اللحظة. وهذا ما أنتج لغتي التي تشبهني: اللغة المشحونة، الممسوسة، المسعورة، بل المتطرّفة التي لا تركن إلى حال، وإنما تُجرِّح داخلي وتطلب المزيد من الجهر والاختلاف. ولم تكن اللغة وحدها كذلك، بل عوالمُ وبنائيةُ القصة، ليصل الأمر إلى أن تتخذ اللغة من تحت السطح تكوينَ بطلٍ من أبطال النص، حيث يتنمّر السرد ويتجاوز نفسه مع كل مقطع، بل مع كل سطر. وهنا أُفرغ شيئاً من غلواء عالمٍ يتبلور في داخلي، فأزداد تمرداً على نفسي، وخوفاً من ذاتي.

ومن أهم قصصها كانت “متاريس الرجل القابع في الفكرة”، المنشورة في مجلة (ألف) التي شاركتُ في تأسيسها مع محمود السيد وسحبان سواح وخالد خليفة؛ خالد الذي زارني ذات مرة ليقول محتجاً إن محمود أمين العالم كتب مقالةً في الأهرام القاهرية عن (مجلتنا)، ولم يفصّل في الحديث إلا عن قصتك التي أفرد لها ثمانين في المائة من حجم المقالة، وذكر شيئاً عن “الحداثة التي نريد في القصة العربية”. وكان خالد سعيداً، وبريق المحبة يطل من عينيه.

في ذلك الوقت، وبعد قراءة سعد الله ونوس للمجموعة، قرأها حيدر حيدر، ولم يعد ينظر إليّ كصديق لابنه وافد، بل عاملني بشيء من القسوة، لأسأله فيما بعد: “لماذا اختلف هذا التعامل بعد قراءتك للمجموعة؟” فقال: “أنتَ كاتب موهوب…”

بعد ذلك، حظيتُ بمعرفة ناظم مهنا وأحمد إسكندر سليمان وأسامة إسبر وأحمد جان عثمان وعهد فاضل وعلي عبد الله سعيد، الذين قرؤوا المجموعة. وقد تعلمتُ منهم الكثير، ومَدين لهم بصقل تمرّدي وتوجيهه نحو العوالم الأعمق.

2- قلتَ في أحد الحوارات إنك بدأت عملك في الترجمة بترجمة نصوص للاستمتاع بقراءتها، هل ما زالت المتعة قائمة إلى الآن، وما دور النشر في الكتب التي تختارها للترجمة؟

• النصوص والكتب الشعرية التي ترجمتُها تُشعرني بمتعة لا حدود لها. وقد ينسحب ذلك على كتبٍ أخرى غير شعرية، لكن نشوة الترجمة للشعر العالي لم تفارقني. ومشاريعي القادمة تتركّز على ترجمة الأعمال الكاملة لكثير من الشعراء الذين أحبهم.

في الفترة التي كنتُ أنشر خلالها في ملحق (ضفة ثالثة) الذي يرأس تحريره الشاعر الراحل أمجد ناصر، تحدّث أمجد معي صوتياً على الماسنجر: “ممكن أعرف لماذا تُعطي الشعراء الذين تترجمهم أكثر مما يستحقون؟” قلتُ: “لا أظن ذلك”، وبدأ يسرد لي أسماء الشعراء الذين نشرتُ قصائدهم في الملحق، وأنا أجيب وأبرر… إلى أن جاء على ذكر شاعرٍ كنتُ قد قلتُ لأمجد، حين التقينا في إيطاليا، إني أراه إنساناً عالياً ومبدئياً، لكن شعريته “بسيطة وفقيرة”، وكانت إجابتي: “طيب إذا ترجمتُه كما هو، فماذا سأقدّم للقارئ العربي؟” وهنا ارتفع صوت أمجد: “الشعر العالي ترجمه ترجمة عالية، والسيئ أعطه حجمه. ولا تهرق شعريتك فتعطيها لمن لا يستحق…”

وذلك كان من أهم الدروس في حياتي. ولا أعرف إن كنتُ لا أزال وفياً لهذا الدرس.

وأشير إلى أن ترجمة الشعر هي ملعبي الأوسع والألذ. لكن (سوق) الشعر المترجَم ضاق وانحصر بنقل أعمال الفائزين بنوبل وبقية الجوائز إلى العربية، لأتحول بعد ذلك إلى (احتراف) الترجمة كمصدر للعيش، والعمل على ترجمات فكرية لا أختارها، كعلم النفس، والجغرافيا السياسية، والفيزياء الكمومية، والميثولوجيا، ودراسات أخرى في حقول معرفية متنوعة.

3- تردد دائماً مقطعاً من كتاب سيميك (فندق الأرق)، وهو “ماذا قال الغجر لجدتي عندما كانت صبية”. ما الذي جعل المقطع حاضراً في ذهنك، وهل أثرت الترجمة في نتاجك الإبداعي من ناحية الكم ومن الناحية الفنية؟

• ترجمتُ هذه القصيدة في 2007. ومع رؤياي المتشائمة لمستقبل المنطقة العربية، والعالم أيضاً، (رأيتُ في رؤيا) سيميك ما يوافق نظرتي، فقرأتُها مرة واثنتين… وعشراً، حتى تلبّستُ القصيدةَ وتلبّستني، فلم أكتفِ بترجمتها كلمةً إثر كلمة، بل نفساً إثر نفس، وغصةً إثر غصة، وموتاً إثر موت، وبكل طبقاتها ودلالاتها وأصواتها ونذيرها، وبأقصى درجة من الأمانة. مع ذلك، لم أقرأها أمام أحد إلا قال: “أعرف أنها ترجمة، لكنها قصيدتك”. نعم، ترجمتُها بكل ما بان وما خفي من مشاعري ومخاوفي ومعرفتي بمآل المنظومة البشرية التي لم أوقن يوماً في عدالتها ونزاهتها. لذلك بقيت نشيدي الذي اقشعرت له خلاياي. وما يحدث الآن، وسيحدث، يؤكد أنها الرؤيا الأصدق، لشاعرٍ شهد الحرب العالمية الثانية، ومترجمٍ سيشهد الحرب الثالثة.

وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فإن جوابي الدائم: لا، لم تُطوِّر ترجمة الأدب كتابتي الإبداعية على الإطلاق، إلا من خلال كتابٍ واحد هو (العالم لا ينتهي)، الذي شحنني بالجرأة وحفّزني على ارتكاب النص المفتوح، فقبل قراءتي لهذا الكتاب كانت الكتابة المنفلتة من المدارس والأشكال السائدة هاجسي الأكبر الذي يسكنني منذ بدأتُ كتابة ما يسمى بـ(الشعر)، الذي لم أُجنِّس به كتابتي أبداً، بل حملت أغلفة كتبي الثلاثة كلمة (نص)، و**(سرد ممسوس متقطع)، و(نص واحد متقطع)** على التوالي. مع التذكير بأن الانعتاق لديّ وُلد منذ مجموعتي القصصية الأولى، فهناك الكثير من المقاطع التي تحوّلت إلى تداعٍ حرّ شعريّ الطابع، كما في (قصة) “متاريس الرجل القابع في الفكرة” التي وضعتُ جنسها الأدبي بين قوسين، لأنها أقرب إلى “النص” منها إلى القصة. وفي هذا السياق أرى أن الشعرية العربية تفوق الأمريكية والأوروبية بكثير. لكنني لا أنكر الجرعات المعرفية والفكرية العميقة التي تشرّبتها نصوصي واغتنت بها، وأخص بالذكر ترجمتي لبعض المؤلفات في حقل الأنثروبولوجيا.

4- في مجموعتك (أصيد طائر كوليريدج) يبدو نصك أقل توتراً من المجموعات الأخرى: (أحرق سفنه إلا نعشاً) و(الطريق إلى الموت تعج بالأحياء الخطرين). هذا لا يعني مفاضلة جمالية، فلكل كتابة عندك أثرها الجمالي المختلف، ما مرد ذلك؟

• أستعير شيئاً من رأي أدونيس في (أصيد طائر كوليريدج)“.. هنا التقنية..”، وفيما يخص (أحرق سفنه إلا نعشاً)، قال: “.. هنا الطبيعة..”، و**(الموهبة هي الطبيعة، والتقنية هي الثقافة)**. وأما (الطريق إلى الموت تعج بالأحياء الخطرين) فلم أجرؤ على إرساله إلى أدونيس. فهذا الكتاب يُخيفني شخصياً، لكنه يشدني بقوة إليه أحياناً، فأضطر إلى العودة لقراءته، لأشعر بالندم لأنني ظلمتُ الكتاب وصاحب الكتاب. وهو يحتاج إلى عملية (إعادة كتابة) أعرف أنها لن تحدث أبداً.

أكتب لكي أداوي نفسي. ولستُ ضليعاً في النقد عموماً، وفي نقد ما كتبتُ على وجه الخصوص. لكنني أقوم بـ(تشغيل) الذائقة لأجد أن أول هذه الكتب (النصوصية)، “أحرق سفنه..” هو الذي يشفيني ويُريحني. والثاني، “الطريق إلى الموت..” يؤرقني. والثالث، “أصيد طائر..” يقولني فكرياً ضمن قالب شكلاني منفلت ومُرضٍ، ومتسق مع مقولاته. رغم أنني أعتبر هذا الكتاب، الثالث، صرخة أخرى في وجه الحرب، لكنها صرخة أكثر تأملاً وشفافيةً من السخط الذي غلّف كتابيَّ الآخرين. مع ذلك، أُسرّ لنفسي بعبارة ندم طفيف: “ألا ليتني تأخرتُ في نشره…”. مع ذلك، أعتبره المنصة التي انطلقتُ منها إلى الكتاب الرابع الجديد، (مَنِ الزول)، الذي لم يُنشر بعد، والذي ينهض على النص الأول الكثيف في “أصيد طائر..”، فينفتح هذا النص عمودياً ضمن قالب لغوي متقشف للغاية. اللغة فيه، كما في الكتب الثلاثة السابقة، سلكُ توصيلٍ دقيق ومتين، لكنه يعكس رؤيتي لذاتي الخربة، وللعالم مذ تفرع خط الثقافة عن خط الطبيعة الأم، وصولاً إلى عصر التفاهة و**”الحمض الإيديولوجي”** الفاسد، عصرنا الراهن، ويُختتم برؤيا سوداوية تُحيل “الأمل” إلى كتاب أصفر في متحف الغبار.

5- لم يقتصر الإبداع عندك على الكلمة، فقد اتجهت أخيراً إلى الفن التشكيلي؛ هل ضاقت الكلمة بما تريد التعبير عنه؟

• ضاقت الكلمة، نعم. وضقتُ بي. ضقتُ بالاكتئاب العيادي كامل الأوصاف. اختنقتُ في هذا (الوطن) السوري الخؤون. أُصبتُ باليأس والقنوط من هذا العالم. فقدتُ أغلى الأصدقاء. وقعتُ في فاقة موجعة لم يوجعني فيها جسدي فحسب، بل الأشياء والأسماء والمشهد البحري، فعقدتُ صفقة بيني وبيني عنوانها: “غادر الزمكان”. وفي لحظة الوشوك، سمعتُ ما دفعني إلى التوقف. التفتُّ فرأيتُ قطعة كرتون، وريشة لتغرية الكتب، وعبوة حبر صيني أسود. رسمتُ عليها أجواء نصٍّ لسيميك: “الرجل الميت يترجّل عن منصة الإعدام متأبطاً رأسه…”، وهذيانات أخرى. ثم مضيتُ في الرسم.

أرسلتُ صور ثلاث لوحات إلى أدونيس، معتذراً عن رداءة اللوحات، مع سطور قليلة تقول: “أنا أميّ في الرسم. إنها المرة الأولى التي أرسم فيها”. ليرد أدونيس بعبارة تشجيع لا ريب في صدقها. وفيما بعد، قال لصديق مشترك بيننا: “ما لم يستطع أحمد قوله بالكتابة، قاله باللون”. ومع كل لوحة أرسلتها إلى أدونيس، كنتُ أشفى، حتى تخلصتُ من مضادات الاكتئاب، إلى الأبد. وهنا أشكر شاعرنا الكبير، لأنه إنسان كبير. وسأكون ممتناً له ما حييت، لأسباب كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.

6- من يتأمل لوحاتك يرى كولاجاً بصرياً جمالياً مدهشاً، يحيلنا إلى ما يسمى “الفن المفاهيمي”، وهو فن ما بعد حداثي يقوم على الأفكار والمفاهيم، ويستخدم تقنيات مختلفة ومواد متنوعة لإنجاز العمل الإبداعي، لِمَ لم تُقم معرضاً إلى الآن؟

• لستُ مثقفاً في الفن التشكيلي. ولا أعرف المدارس الفنية، باستثناء انطباعية فان غوخ، وسوريالية سلفادور دالي، وخوان ميرو، وبعض الفنانين العالميين والعرب. وكما أنا غير (متمدرس) في الكتابة، كذلك أنا في الرسم. قال لي صديقي الفنان نعمان عيسى، وهو يتفحص لوحاتي الخمسين: “إن لوحاتك تقترب من كاندينسكي”. قلتُ: “من هو كاندينسكي؟” ففغر فاه وقال: “ألا تعرفه؟” أجبتُ بالنفي. وفي المساء، بحثتُ عن كاندينسكي، ولم يدهشني.

قد أبدأ بـ(ترجمة) فكرةٍ إلى مساحات لونية وخطوط منكسرة ومائلة، مع ظلال، وبقع وقحة، ثم يخطر لي أن أضع ضمادة جرحٍ في يدي، أو أطبع نصف ثمرة شوندر مسلوق، أو فتات قشر البيض، وربما جلد سمكة متيبساً قديماً. ثم تتشعب الفكرة، وتتغاير، فأتوقف، ضائعاً، عاجز الأدوات، لينجدني العقل الباطن، وتتحول أصابعي إلى ما يشبه أنابيب الحبر في الطابعات النقطية القديمة. وتأتي بعد ذلك الرتوش، والإضافات التي تستكمل كولاجاً جمالياً ينطق بصوتي الداخلي العميق. إنها تجربة آسرة، عرفتني بي أكثر، وأدخلتني في صفاء لم أشهده من قبل.

معظم اللوحات (لُطشت) أمام عيني، وبعضها أُهدي، والقليل الذي تبقى منها لا يكفي لإقامة معرض. مع أني لن أقيم معرضاً أبداً ما لم أثق في نفسي، وهذا ما لم أصل إليه بعد.

7- نصوصك “نشوة الرمل” متميزة ومتفوّقة إبداعياً، إضافة إلى تجربتك الحياتية وذخيرتك المعرفية، وهذا ما يؤسس لكتابة روائية. علمتُ أن الروائي الراحل “خالد خليفة” عرض عليك أن تكتبا سوية رواية تستمد أحداثها من هذه التجربة، لكن الأمر لم يتم، هل تنوي أن تفعل ذلك؟

• (نشوة الرمل) كانت مجرد منشورات فيسبوكية كُتبت على عجل، وهدفت إلى الإضحاك لتخفيف الأجواء الكئيبة التي كنتُ أُثقل بها رؤوس الأصدقاء. وبعد عدة (نشوات)، نبّهني الصديق الشاعر عاشور الطويبي وخالد خليفة ونبيه نبهان وأصدقاء آخرون إلى أنها تصلح لأن تكون رواية. وكان أكثرهم إصراراً على صياغتها كرواية هو الغائب الحاضر أبداً خالد خليفة، الذي لم يعرض عليّ كتابة رواية مشتركة، بل بقي لسنوات يقول لي بلهجته الحلبية المحببة إلى قلبي: “بدنا نعملها رواية، وبَشتِغِل عندك عسكري.. وبَحَطها بقالب روائي…”، فقلتُ له: “أنت شو إلك علاقة بحي الرمل الطرطوسي؟”، ليرد: “أنا بَفهم بالرواية.. وبَساعدك كتير”.

وفي طريقه من اللاذقية إلى دمشق، قال إنه سيمر بي ويأخذني إلى بيته الدمشقي للاشتغال على “نشوة الرمل”، فتحججتُ بترجمة كتاب تأخرتُ في تسليمه، ووعدته بأن أذهب إلى دمشق بعد أسبوع. لكنه سافر إلى العالم الآخر، ولم يأخذني معه.

8- إدارتك لدار نشر “إرواد” تشكل جانباً آخر من علاقتك بالكتاب، أسستَ هذه الدار منذ أكثر من ثلاثة عقود، كيف ترى هذه التجربة؟ خاصة وأنك نشرتَ منذ فترة على صفحتك في “الفيس بوك” بأنك تنوي إغلاق الدار، وحسناً أنك لم تفعل.

• الترخيص نلتُه في 19/4/1993. وخلال أسابيع قليلة بدأنا النشاط في الدار، ثم اضطررنا للعمل في ورديات على مدار الـ24 ساعة، وكنا نستقبل مطبوعات تجارية استُخدمت أرباحها لدعم كتب لكتّاب موهوبين لا يستطيعون الطباعة على نفقتهم. وهذه (السمعة الطيبة) كانت وبالاً على الدار وعائلتي التي تعمل معي، فالكم المهول من الكتب التي تنتظر التنضيد والإخراج ثم الطباعة على آلة (الريزو) فاق إمكانياتنا، ولم يتسع المكان الضيق لاستيعاب شحنات الورق والأغلفة، ثم عمليات التجليد والقص.

ولأسباب خاصة يعرفها المقرّبون، أغلقتُ الدار وسافرتُ إلى أمريكا، وبقيت هناك مدة 11 عاماً. ثم عدتُ في نهاية سنة 2010 وافتتحتُ الدار، وسرعان ما عادت إلى سابق مجدها. لكن، مع بدء الحراك في سوريا وتحوّله إلى ما يسمى (ثورة)، تراجع العمل، وحوّلتُ اسم الدار رسمياً إلى اسم صديق، وعدتُ إلى الترجمة.

ورغم إغلاقها لمدة تجاوزت 12 عاماً، فإن ما استطعتُ إحصاءه من المنشورات تجاوز الـ2000 كتاب.

أجرى الحوار
مفيد عيسى أحمد

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب "أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة" لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27...

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

تدريباتنا