تدريباتنا

يوغا في سجن للنساء بدمشق

by | Oct 12, 2022

“لم أعرف يوماً معنى العناق، ولم يعانقني أحد بحياتي، فمنذ طفولتي وجدت نفسي بدون أم، ومجبرة على تلقي إهانات زوجة والدي، ثم الناس في الشارع. المكان الوحيد الذي عرفت فيه العناق هو هنا مع زميلاتي السجينات”، تقول أحلام المُقيمة في معهد خاص بالفتيات السجينات دون سن الثامنة عشرة بدمشق.

أحلام (اسم مستعار) بدأت قبل عدة شهور بتعلم اليوغا بفضل جهود متطوعات من “المركز السوري للتأمل واليوغا”، وبعد أن استغربت الأمر في البداية، وتعاملت معه بعدم اهتمام، عشقت تمارين اليوغا، وأصبحت تنتظر الحصة بفارغ الصبر.

تقول أحلام لـ”صالون سوريا”: “هذه الرياضة تدخل الراحة إلى قلبي، وتجعلني أنسى الكثير من اللحظات السيئة التي مررت بها، وأحلم بالاستمرار بها لو ساعدتني الظروف بذلك”، وعن علاقتها مع المدربات تؤكد أحلام بأنها تشعر بالأمان معهن، وبفضلهن تغير تعاملها مع المحيطين بها وأصبحت أكثر هدوءاً وقدرة على تحمل الآخرين.

علا زينة مدربة اليوغا المسؤولة في هذا المشروع تقول بأن البحث عن الفرص لمساعدة الاخرين دون توقف هو من فلسفة اليوغا وقوانينها، وتضيف “لأننا مؤمنات بالتغيير الذي تحققه ممارسة اليوغا، اتجه المركز لكل فئات المجتمع، وخاصة الأطفال والمراهقين، ووجودنا مع فتيات المعهد هو جزء من خدمات مركزنا، لأن هؤلاء الفتيات ضحايا المجتمع الذي ورطهن بمشاكل وجرائم أكبر منهن”.

وتختلف التهم وفترات الأحكام في المعهد المخصص للفتيات، ولكنهن جميهن يتشاركن المكان وأوقات الفراغ التي قررت متطوعات المركز ملء جزء منها بجلسة أسبوعية، تنتظرها العديد من الفتيات بشغف، وقد غير هذا الشغف شخصية فداء (اسم مستعار) التي توقفت عن إيذاء نفسها كما كانت تفعل بالسابق.

وتوضح علا بأن الأثر الذي تتركه دروسهم يعتبر فردي نوعا ما لعدم وجود ثبات بالأعداد، فكل اسبوع تقريبا يوجد فتيات جديدات، كما تغادر فتيات مقيمات، ولكن بشكل عام “الأثر موجود وجميل جداً” بحسب علا، فبعض الفتيات غيرن سلوكهن مع النفس، وإحداهن كانت تفكر بالانتحار في السابق لكنها عدلت عن ذلك، وأخرى كانت عنيفة في ردود أفعالها وبدلّت هذا، كما تعلمت الفتيات القيام بالتأمل مع بعضهن بمهاجعهن قبل النوم، إضافة لممارسة تمارين التنفس.

وتعمل المتطوعات على خطة تتضمن عدة محاور منها التنفس الذي يخلق تغييراً حقيقياً عن طريق التأثير بموجات الدماغ وتحويلها للموجات الأكثر هدوءاً، ما يوفر راحة لكل من الدماغ والجملة العصبية، أما الفكرة الثانية في البرنامج، فهي التأمل.

وتشرح علا “أهمية هذه الخطوة هي مساعدة الدماغ على التخلص من الصدمات والنزعات، وبعد هاتين الخطوتين تأتي مرحلة التمارين الجسدية التي تريحهن من الألم والتعب، خاصة وأن هذا النشاط مترافق مع وجود مدربة يوغا اخصائية بالصحة العامة، تشرح لهن عن الغدد الهرمونية وافرازاتها، وكيف يمكنهن مع التنفس والحركات التحكم بأجسادهن، كما تقدم لهن شرحاً عن خلايا الدماغ وتأثير الأوكسجين على صحة الخلايا وصحة الجهاز العصبي”.

ويُقدّم البرنامج للفتيات أسئلة يومية لتتمكن من فهم أنفسهن مثل: “هل أنا عنيفة؟ كيف أرد عندما أغضب؟”، بحيث يراقبن ردود أفعالهن وحركاتهن وألفاظهن، “ومع التنفس تبدأ الأفكار السلبية بالمغادة بالتدريج، ومع الوقت يصلوا لفكرة أن بداخلهن سلام، ولهذا كرسنا مفهوم العناق، وعلمنا الفتيات معانقة أنفسهن وبعضهن” تقول علا.

ولتعزيز هذه النتيجة تأتي مرحلة “التوكيدات الإيجابية” تجاه أنفسهن أولاً، ثم تجاه الآخرين، فيتعلمن قول :”أنا لطيفة ودودة، أنا استحق الحب، أنا استحق ان اعتني بجسدي واحترمه”، كما يتعلمن خلق عادة ايجابية ونوايا ايجابية جديدة تجاه أنفسهن، أما الخطوة الأخيرة في النشاط فهي العمل الجماعي، من خلال جمعهن بألعاب وحوارات ونشاطات مثل تحضير الطعام وغيرها.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا