تدريباتنا

واقع العدالة الانتقالية بعد مجازر السويداء

by | Aug 15, 2025

من جنوب أفريقيا إلى البوسنة ورواندا تبيّن التجارب أنّ العدالة الانتقالية منظومةٌ متكاملة تجمع بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، وتقتضي تفكيك شبكات المسؤولية بين من خطّط، ومن نفّذ، ومن تواطأ بالصمت. في سوريا، حيث تتشابك البنى الأهلية والدينية، لا تكفي أدوات القانون المجردة؛ إذ يلزم مواءمتها مع الموروث الثقافي، ولا سيّما مفهوم الإحسان في الفقه الإسلامي الذي يشترط الاعتراف والتوبة ويُمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد يعيد تعريف الشرعية.

بغياب ذاكرة جمعيّة متفق عليها لتوصيف الجريمة والضحية والجاني، تتلاشى الحماية القانونية لعبارة «أنا سوري» أمام اصطفافاتٍ طائفية وعشائرية. هكذا يتحوّل القانون من أداة توحيد إلى ساحة نزاع رمزي، ويُهدَّد بناء سردية وطنية للعدالة قبل أن يبدأ.

كانت مجازر تموز/يوليو 2025 في السويداء لحظةً مفصليةً كشفت انهيار العقد الاجتماعي وانسحاب الدولة من دورها كضامنٍ للحقِّ والقانون. وفقَ توثيق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قُتل خلال أربعة أيام أكثرُ من 310 مدنيٍّ، بينهم 68 امرأة وطفلاً، وأُحرِق ما يزيد على 120 منزلاً.

هذا الانتهاك الجماعي يخرق صراحةً المادة 19 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تؤكد أنّ «المساكن مصونة، ولا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون». فإذا كان الدستور يحصّن البيت بصفته آخر حصنٍ لكرامة المواطن، فإنّ إحراقه يعبّر عن نزعٍ رمزيٍّ لتلك الكرامة، ويحوّل الحماية الدستورية إلى حبرٍ على ورق. كما أنّ حرق المنازل ليس الهدف منه تهجير السكان مادياً، إنما تدمير ذاكرة المكان ويطوي إمكانية العودة، ما يجعله جريمة مركّبة: هدم مسكن، واقتلاع هوية، وتفريغ جغرافيا من ذاكرتها..

ازداد وقعُ الصدمة حين حاول بعضُ الشبان إلقاء أنفسهم من أسطح الأبنية؛ وقد أفادت شهادات محلية بأنّ عناصر من الجيش أو الأمن العام ضغطوا على هؤلاء الشبان وطلبوا منهم القفز بهدف بثّ الرعب وترهيب بقية السكان. هنا يتحوّل الانتحار من فعل احتجاجي فردي إلى إكراهٍ منظَّم، ما يرفع مستوى الانتهاك من إهمالٍ سلبي إلى تعذيبٍ معنوي مُمنهج.

يتقاطع هذا المشهد مع المادة 18 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنصّ على أنّ «الدولة تصون كرامة الإنسان وحرمة الجسد وتمنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، ولا تسقط جرائم التعذيب بالتقادم». فإذا كانت السلطات الأمنية هي مَن دفعت المواطنين دفعاً إلى تهديد أجسادهم، فإنّها لا تخرق واجب الحماية فحسب، بل ترتكب تعذيباً معنوياً يُدينه الدستور ويُجرِّمه القانون الدولي. وبذلك تُهدر كرامة المواطن مرتين: مرةً برصاص العنف، وأخرى عندما يُحوَّل جسده إلى رسالةٍ مرعبة يكتبها الأمن على جدران الخوف.

اجتماعياً، أحدثت المجازر شرخاً عموديّاً داخل النسيج الدرزي–السوري، إذ تزايدت نزعات الاعتماد على «الفزعة» العشائرية كآليةٍ للدفاع الذاتي، مقابل تراجع الثقة بأي بنيةٍ وطنية قادرة على الحماية. وقد وثَّقت منظمات محلّية موجةً من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية بين قرى مختلطة درزياً–سنّياً كانت حتى وقت قريب تتقاسم الأسواق والمدارس. كما أُعيد تشكيل الذاكرة المحلية عبر طقوس جنائز جماعية تكثِّف إحساساً بالمظلومية الجماعية وبالحاجة إلى «ثأرٍ مؤجَّل» ما لم تُحسم المساءلة.

قانونياً، تُمثّل عمليات القتل الواسع والاستهداف على أساس الهوية صفاتٍ واضحة لـ جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلا أنّ خطاب الدولة الرسمي لم يذهب باتجاه فتح تحقيقٍ قضائيّ مستقلّ، على العكس اختار شكر «هَبّة العشائر» بوصفها أداةَ ضبطٍ اجتماعي، ما يكرّس مبدأ الإفلات من العقاب ويُضعف أي مسعى لاحق لعدالةٍ انتقالية. 

إنّ التناقض بين الواجب القانوني الدولي والدستور الوطني من جهة، وخطاب السلطة العشائري من جهةٍ أخرى، يخلق معضلةً مزدوجة: الأولى تتعلّق بفقدان الثقة المحلية بإمكان تحقّق المساءلة، والثانية بتعقيد أي إجراءات جنائية مستقبلية قد تتولاها محاكم وطنية أو ولاياتُ القضاء العالمي خارج سوريا. لذلك، فإنّ المجازر حجر اختبارٍ لقدرة العدالة الانتقالية على الجمع بين إنصاف الضحايا وترميم العقد الاجتماعي دون الوقوع في فخّ الانتقام أو شرعنة العنف القبلي.

في أنظمة ما قبل الدولة، كان الصلح العشائري آليّةً لوقف القتال عبر الثأر أو «الفدية»، متجاهلاً الحقيقة والإنصاف. أمّا العدالة التصالحية الحديثة فتقوم على اعتراف المعتدي، وردّ الاعتبار للضحية، وصوغ سردية مشتركة تمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد.

يُذكِّرنا «الإعلان الدستوري» الصادر عام 2025، ولا سيّما مادته التاسعة، بأنّ الجيش «مؤسسة وطنية محترفة مهمّته حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها»، وأنّ السلاح يُحصر بيد الدولة ويحظر على أي جهة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية. على الورق، ينسف هذا النص شرعيّة «الفزعات» العشائرية ويُحمِّل الدولة كامل مسؤولية احتكار العنف. لكنّ المفارقة أنّ السلطة نفسها باركت تشكيلات مسلّحة خارج إطار الجيش ثمّ استدعتها لتحلَّ محلّه. الفجوة بين النص والتطبيق تحوّل المادة 9 من ضمانٍ لوحدة البلاد إلى شاهدٍ على ازدواجية الحكم: جيشٌ صامتٌ في الثكنات وميليشياتٌ مشرعَنة في الحقول. في مثل هذا السياق، تتعثّر العدالة الانتقالية لأنّ الدولة تتجاهل دستورها وتوكّل احتكار العنف إلى منطق العشيرة.

غير أنّ سؤالاً حاسماً يظل مطروحاً هنا: هل ستُحسَم الخلافات بين العشائر وجيرانهم الدروز وفق قانونٍ وطني يرعى العدالة التصالحية، أم سيُترك الأمر لمبادئ الصلح العشائري التي اكتسبت – بحماية الدولة أو مباركتها – شرعيةً موازية؟ فعندما تمنح السلطة مساحةً للأعراف الأهلية وتُضفي عليها غطاءً رسمياً، يبرز إلى جوار قانون الدولة نظامٌ عرفيٌّ متكتّل يهدّد بتهميش المرجعية القانونية الجامعة.

هذا التداخلُ بين الصلح العشائري وغياب المساءلة الرسمية من وجة نظري  يُعيد صياغة العقد الاجتماعي على صورةٍ معطوبة تنتقص من هيبة القانون : دولةٌ تنسحب إلى الظلّ، وعصبياتٌ تتسيّد المشهد، ومواطنٌ يهبط من موقع الشراكة إلى مقام الاستنجاد. عندئذٍ تسري في الوعي الجماعي فكرةٌ خطيرة: الشرعية يُمليها من يحمل السلاح، لا من يحتكم إلى النص، والعدالة امتيازٌ تفاوضي لا حقٌ دستوري. إذا استمرّ هذا المنحى، فنحن أمام تعاقدٍ اجتماعي يُعاد تدويره على أسس الطاعة والنجاة الفردية، لا المواطنة المتساوية.

في المؤتمر الصحفي الذي خُصِّص لاستعراض نتائج لجنة تقصّي الحقائق في مجازر الساحل، لم يكن نقص المعلومات هو المعضلة، إنما انعدام الإرادة السياسية لبناء سردية تعترف بالجريمة. كان لافتاً أن يُعلَن: «أجّلنا المؤتمر بسبب أحداث السويداء»، عبارة تُلخّص المأزق الأخلاقي للمسار بأسره؛ فالسويداء قُدِّمت كعائقٍ إداريٍّ أخّر موعد المؤتمر، لا كحلقةٍ متصلة بانفجار العنف ذاته.

اعتقد أن التنوّعات الجغرافية والطائفية في سوريا مقاربةً متعددة الطبقات للعدالة الانتقالية، من دون التفريط في المعايير الأساسية. الخطر الأكبر أن تتحول القضايا إلى ملفاتٍ منفصلة تُغلقها الدولة متى شاءت، فتنتقل من عدالةٍ تفاضلية إلى عدالةٍ مجزّأة تُدار لإخماد الأزمات لا لبناء دولة القانون. تجارب البوسنة ورواندا تبيّن أنّ الاعتراف بالتنوّع يدعم وحدة العدالة حين تكون الدولة طرفاً ضامناً لا مُقسِّماً من فوق.

لن يُقاس نجاح العدالة الانتقالية في سوريا بعدد الأحكام ولا بضجيج المحاكم، إنما بقدرتها على رأب الصدع الاجتماعي الذي ما هو إلا تركة أسدية.

لذا لا بدّ من صيغةٍ قانونية–اجتماعية تُزاوج بين آليات العدالة الرسمية وطاقات المجتمع الحيّ: هيئةٌ مستقلةٌ لكشف الحقيقة ومساءلة المذنبين، ومساحاتٌ محلية للحوار وإعادة الاعتبار، يصدّقها قضاءٌ وطني يتبنى مبدأ المسؤولية المتمايزة ويضمن تعويض الضحايا. عندها يتراجع “قانون العشيرة” إلى رافدٍ ثقافي، ويستعيد “قانون الدولة” شرعيته من رضى الناس لا من خوفهم. وإن لم يلتقِ القانون بالمجتمع في منتصف الطريق، فستتكرر الدوائر الدموية، وسيظلّ كل قتيلٍ شهادةً على عجزنا عن تحويل الألم إلى عقدٍ اجتماعي جديد.

أثبتت التجارب الحيّة أنّ الدساتير لا تصنع العدالة وحدها؛ العدالة تُصنع حين يلتقي النصُّ بالفعل. لكن في سوريا، بدا الإعلان الدستوري لعام 2025 أقربَ إلى قائمة وعودٍ كُتِبت بالحبر نفسه الذي صودر به صوت الشارع.

هكذا انقلب الإعلان إلى مرآة مقلوبة: كل ضمانٍ فيه صار انتهاكاً على الأرض، وكل حقٍّ معلَنٍ تحوّل إلى استثناء عملي. والنتيجة عقدٌ اجتماعيٌّ مهشَّم قبل أن يكتب، يتقاذفه عرفُ العشيرة حيناً وصمتُ الدولة حيناً آخر.

لحظةُ السويداء جسَّدت المفارقة بأوضح صورها: مدينة صغيرة حاولت أن تُطلق صيغة وطنية جديدة تُنهي عهد الاصطفافات، فإذا بالدولة تُعيد تشغيل ماكينة القمع ذاتها، وتُلبِسها ثوب «الفزعات» العشائرية. المشكلة ليست في غياب النصّ، إنما في خطر إرادةٍ سياسية أعادت تدوير عقد الخضوع القديم بنصٍّ جديد.

وإذا كان السوريون قد خرجوا عام 2011 بحثاً عن عقد اجتماعي يُكتب بالكرامة، فإنّهم اليوم أمام مفترق أخير: إمّا أن يُجبِروا دولتهم على مطابقة الواقع مع الدستور- فيُلغي القانون الاستثنائي، ويُحاكم من سلَّح ومن حرَّض ومن صمت – أو يظلّ الإعلان الدستوري سجلاً إضافياً للتناقض بين الوعد والوفاء، وتظلّ سوريا وطناً يتخذ شكل سؤالٍ مؤجَّل.

بكلماتٍ أُخرى: إن لم تتحوّل مواد الإعلان إلى أفعال، فسيبقى اسم «سوريا» مجرّد لافتةٍ على خرائط الخوف، وسيبقى دمُ السويداء والساحل وحمص ودرعا جزءاً من حبرٍ أسود يكتب عقد الطاعة من جديد. أمّا إن تحوّل النصُّ إلى التزام، فستبدأ صفحةٌ يمكن فيها لعبارة «أنا سوري» أن تعود درعاً لا تهمة، ووعداً لا وعيد.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا