تدريباتنا

نداء الظُّلمات: هل يمكن استعادة مدرسة أفاميا؟

by | Jun 22, 2025

غزا الإسكندر الأكبر سوريا عام ٣٣٣ قبل الميلاد، وبعد موته في عام 323 قبل الميلاد، تنافس خلفاؤه على السيطرة على البلاد حيث استولى سلوقس الأول نيكاتور على الجزء الشمالي، وبطليموس الأول سوتر على الجزء الجنوبي (سوريا الجوفاء). لكن في نحو عام 200 قبل الميلاد استطاع الملك السلوقيّ أنطيوخس الثالث دحر البطالمة وبسطَ سيطرة السلوقيين على سوريا كلّها.

أسس السلوقيون العديد من المدن والمستعمرات العسكرية-من بينها أنطاكيا ولاودكية وأفاميا وأنشأوا فيها أحياء للمستوطنين اليونانيين الذين نقلوا معهم لغتهم وعباداتهم وثقافتهم.

استطاع الرومان في ما بعد هزيمة السلوقيين وتمكَّن القائد الروماني بومبيوس من ضمِّ سوريا إلى الجمهوريّة الرومانيّة في عام 64 قبل الميلاد، وعيَّن بومبيوس ماركوس أميليوس سكورس في منصب حاكم سوريا. وبعد انهيار النظام الجمهوري في روما وتحولها إلى النظام الإمبراطوري أصبحت سوريا مقاطعة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها مبعوث رومانيّ.

تعاقب الأباطرة الرومان على حكم سوريا وصولًا إلى ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقيّ والإمبراطور الروماني السادس عشر الذي حكم من عام 161 م-إلى عام 180 م. ولا بدَّ أنَّ هذا الإمبراطور الذي يوصف بأنَّه “الفيلسوف على العرش” قام بتشجيع التعليم الفلسفيّ في مختلف أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة وفي مرحلة حكم أوريليوس ظهر فيلسوف سوريّ مرموق من مواليد أفاميا يُعَدّ مؤسس مدرسة الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة في أفاميا ويرد اسمه في المصادر اليونانية هكذا: Νουμήνιος ο ἐξ Ἀπαμείας نومينيوس الذي من أفاميا، لكن لاحظ الباحث أحمد بيضون وبحقّ أنَّ اسم نومينيوس هو ترجمة يونانيّة لاسم عربيّ هو “النُّعمان”.

شاءت الأقدار أن تزدهر مدرسة أفاميا العربيّة فقد عُنيَ نومينيوس (=النعمان) بإعادة إحياء فلسفة بيثاغوراس وأفلاطون وإيجاد صيغة توفيقيّة أفضت إلى وضع قواعد تفكير بيثاغوريّ/أفلاطونيّ، ولقد تحوَّل منهج في هذه المدرسة إلى غاية للمتعلّمين العرب في ذلك العصر، وحظي برعاية كبيرة طيلة القرن الثالث الميلادي ويمكن إرجاع ذلك إلى أنَّ القرن الثالث شهدَ صعودًا ملحوظًا للقوى السياسيّة العربية، فأصبح العرب عاملًا مؤثرًا في التاريخ الروماني طوال ذلك القرن. إذ في ما يتعلق بمنطقة إميسا (حمص الحالية) التي تتبع لها أفاميا، كانت جزءًا من مما يُسمَّى تسوية بومبيوس الذي لم يضم إميسا مباشرة إلى الإمبراطورية الرومانية، بل تركها كدولة تابعة يحكمها كهنة-ملوك عرب من سلالة محلية، مع الاعتراف بالسيادة الرومانية. هذه السلالة التي تنحدر منها جوليا دومنا، استمرت في حكم إميسا حتى أواخر القرن الأول الميلادي تحت الحماية الرومانية. علاوة على أنَّ جوليا دومنا تزوجت من الإمبراطور الرومانيّ سيبتيموس سيفيروس (حكم من 193 -211 م) فظهرت سلالة السيفريين Severan dynasty وكانت جوليا دومنا هي التي قدمت العنصر العربي لهذه السلالة، بصفتها زوجة للإمبراطور سبتيموس سيفيروس وأم لابنه الإمبراطور الآخر كاراكالا، لكن ما يميّز جوليا أنَّها كانت مقبلة للغاية على الفلسفة. حتى خلال حياة زوجها الإمبراطور، وتشكلت حولها دائرة من الشخصيات الأدبية والمهتمين بالفلسفة. وكان من بينهم الفيلسوف السوفسطائيّ فلافيوس فيلوستراتوس Flavius Philostratos (170-249 م)، الذي كتب -بناء على طلب من جوليا نفسها-سيرة ذاتية للفيلسوف البيثاغوري الجديد أبولونيوس من تيانا Apollonios of Tyana (15 م-98 م)، وهذا يدلّ على اهتمامها بالتعليم البيثاغوريّ الذي وضع أسسه نومينيوس في مدرسة أفاميا.

لكن في النصف الثاني من القرن الثالث الميلاديّ في ظل حكم أذينة وبعده زوجته زنوبيا ملكة تدمر أُعيد إحياء مدرسة أفاميا، فقد كلَّفت زنوبيا الفيلسوف السوريّ أميلوس Amelius وهو من مواليد أفاميا، مسقط رأس نومينيوس بإعادة إحياء المدرسة البيثاغوريّة الأفلاطونية في أفاميا.

لكن حتى نفهم الأمر على نحو أكثر دقة يجب أن نعرف أنَّه بفضل نومينيوس المؤسس الأوَّل لمدرسة أفاميا انتقل تأثير المدرسة إلى الإسكندريّة، وظهر فرع ثان سكندريّ لمدرسة أفاميا يُعرف بمدرسة الإسكندرية للأفلاطونية الجديدة، وتولّى زعامتها أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas (175-243 م)، ولقد تتلمذ الفيلسوف الشهير أفلوطين (204-270) في الإسكندريّة على أمونيوس ساكاس ثم سافر أفلوطين إلى روما وأسس فرعًا ثالثًا لمدرسة أفاميا في روما، واشتهرت هذه المدرسة هناك في روما حتى إنَّ إميلوس نفسه قبل أن تكلّفه زنوبيا (240-275 م) بإعادة إحياء مدرسة أفاميا سافر إلى روما وتتلمذ على أفلوطين وبقي معه لأكثر من عشرين عامًا، حتى عام 269 م، ثم قفل راجعًا إلى مسقط رأسه في أفاميا. ويُرجَّح أنَّ زنوبيا كلَّفته بعد عودته بإعادة إحياء مدرسة أفاميا. هذا إلى أنَّ إمليوس كان قد التقى في روما بأحد أهم فلاسفة الأفلاطونيّة الجديدة وهو الفيلسوف السوريّ مالك الذي من باشان المعروف بين مؤرِّخي الفلسفة بلقبه بورفيريوس Πορφύριος ومعناه باليونانيّة “الأرجوانيّ”، وكان قد أعطاه إياه أستاذه كاسيوس لونغينوس حينما كان يتتلمذ عليه في أثينا، وإميلوس هو الذي دفع بورفيريوس إلى أن يأخذ فلسفة أفلوطين على محمل الجِدّ، لأنَّ استهتر بمحاضرات أفلوطين عندما سمعها لأوَّل مرَّة معتقدًا أنّه يكرر الكلام الوارد في مؤلَّفات نومينيوس السوريّ.

لكن كاسيوس لونغينوس نفسه عاد إلى مسقط رأسه في حمص بعد أن قضى معظم حياته في أثينا فسمعت به زنوبيا هذه الملكة المُحبّة للفلسفة، فاستدعته وطلبت منه أن يعلّمها الآداب اليونانيّة. غير أنَّ لونغينوس سرعان ما تحوّل إلى مستشار لزنوبيا فنصحها بالاستقلال عن الحكم الروماني وأن تصبح مملكة تدمر ذات سيادة مستقلة، وفعلَا طالبت زنوبيا الإمبراطور الروماني آنذاك أوريليان باستقلال مملكتها عن الإمبراطورية الرومانية، لكن كانت النتيجة استيلاء أوريليان على تدمر وتدميرها، وعندما واجه أوريليان زنوبيا بذنبها تنصّلت من التهمة وألصقتها بأستاذها لونغينوس الذي نفَّذ فيه أوريليان حكم الإعدام، فتقبَّله بشجاعة منقطعة النظير.

لم تنتهِ مدرسة أفاميا بعد موت زنوبيا 275 م، لأنَّ فيلسوفًا عربيًّا سوريًّا آخر هو يامبليخوس Ἰάμβλιχος (245-325 م)، ينحدر من السلالة الحمصية أو آل شمسيغرام أعاد إحياءها، وكان يامبليخوس قد تتلمذ على بورفيريوس في روما، ذلك أنَّ بورفيريوس أصبح رئيس مدرسة روما بعد موت أفلوطين؛ لكن يامبليخوس عاد من روما إلى سوريا عام 304 م ليعيد إحياء مدرسة أفاميا.

تتلمذ على يامبليخوس عدد من الفلاسفة من أهمهم الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ Sopater of Apamea (مات قبل عام 337 م) وسافر إلى القسطنطينيّة ليؤسس هناك فرعًا رابعًا لمدرسة أفاميا، وعُقدت عُرى الصداقة بينه وبين الإمبراطور قسطنطين العظيم لكن انقلب قسطنطين العظيم عليه وأعدمه بسبب مكيدة حاكها قنصل رفيع المستوى في الإمبراطورية الرومانيّة هو فلافيوس أبلابيوس. وتتلمذ على يامبليخوس أيضًا أيديسيوس Aedesius (مات قبل عام 355 م) وأسس أيديسيوس فرعًا خامسًا لمدرسة أفاميا في بيرغامون Pergamon التي تقع الحافة الشمالية لسهل كايكوس في منطقة ميسيا التاريخية في شمال غرب تركيا.

كان من بين المتأثرين بتعاليم مدرسة أفاميا سوريانوس Syrianus (مات 437 م) الذي لا نعرف شيئًا عن نشأته، لكن يبدو واضحًا من كتاباته أنَّه درس مؤلفات يامبليخوس، وهذا دليل على أنَّه من أصل سوريّ، كما إنَّ اسمه يُفصح عن ذلك. سافر سوريانوس إلى أثينا وتتلمذ على الفيلسوف اليونانيّ الأفلاطوني المحدث بلوطرخوس الأثينيّ الذي كان رئيس أكاديميّة أفلاطون، وبعد أن مات بلوطرخوس الأثيني عام 430 م أصبح سوريانوس هو رئيس أكاديمية أفلاطون، ثم جاء بروقلوس (412-485 م) الذي ولد في القسطنطينية لعائلة ذات مكانة اجتماعية عالية من ليقيا، ويُرجَّح أنَّه اطلع على فلسفة مدرسة أفاميا، من تأثيرات المدرسة التي كان قد أسسها الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ في القسطنطينيّة. ثم سافر بروقلوس إلى أثينا وتتلمذ على سوريانوس، وأصبح رئيس الأكاديميّة بعد سوريانوس. وخلف بروقلوس على الأكاديميّة مارينوس من نيابوليس Marinus of Neapolis (45-500 م) وهو من مواليد نابلس في فلسطين، ثم يظهر دامسقيوس Damascius المولود في دمشق عام 462 م وتأثر هو كذلك بمدرسة أفاميا، وسافر إلى أثينا وتتلمذ هناك على “مارينوس” نفسه الذي أصبح-كما ذكرنا-رئيس أكاديمية أفلاطون، وشاءت الأقدار أن يخلف دامسقيوس مارينوس بعد موته ليصبح آخر رئيس لأكاديميّة أفلاطون بسبب مرسوم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الذي قضى بإغلاق المدارس الفلسفيّة ومن بينها أكاديمية أفلاطون في أثينا، فكان دامسقيوس أو الدِّمشقي آخر رئيس لها حين أُغلقت في عام 529 تحت حكم جستنيان. وهكذا شاءت الأقدار أن يكون سوريٌّ آخرَ الفلاسفة العظماء، آخر فيلسوف انبثق من روح مدرسة أفاميا ليصبح آخر رئيس لأعظم أكاديمية فلسفيّة في العالم القديم.

[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين موقع صالون سوريا وجدلية].

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا