أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
قد يُغري بعض السوريين الظن بأن النفوذ الروسي قد تراجع مع سقوط نظام الأسد، وأن الحاضنة الشعبية التي تشكلت رفضاً للتدخلات الأجنبية كفيلة بتحصين المستقبل السوري من أي ارتداد. لكن هذا التصور يتجاهل قاعدة راسخة في سياسات القوى الكبرى: لا تُغادر الساحات بهدوء، ولا تُسلّم بالهزيمة دون إعادة تموضع. النظام الروسي، القائم على سردية قومية واستبدادية، لا يرى في الانسحاب المعلن إلا اعترافاً لا يُغتفر بالضعف، وهو ما لا تسمح به عقيدته.
في الكواليس، ظل التنسيق الأمني بين موسكو وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قائماً منذ اليوم الأول لانطلاق “عملية ردع العدوان”، وفقاً لمعلومات الاستخبارات التركية حتى اليوم. هذا الاستمرار يُظهر رغبة روسية في الاحتفاظ بموقع فاعل داخل الخريطة السورية، ليس عبر القواعد العسكرية وحدها، بل من خلال القنوات الاستخباراتية العميقة. وقد عكس اللقاء الأخير الذي جرى في العاصمة الأذربيجانية باكو بين رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي ومسؤول أمني سوري هذا التوجه، حيث طُرحت، بحسب التسريبات، مسألة العناصر الجهادية الأجنبية، مع ضغط روسي واضح لتشديد الضبط الأمني داخل سورية، منعًا لتسلل هؤلاء إلى الداخل الروسي أو إلى دول آسيا الوسطى.
اللافت أن هذا التنسيق لم ينقطع رغم تبدّل الرؤوس السياسية في دمشق. بل ثمة مؤشرات على أن العلاقة بين الجانبين تدخل مرحلة جديدة: أقل صخباً، لكنها أكثر تقييداً. فبينما تتحدث موسكو عن “ضمان الأمن المشترك” و”احترام سيادة سورية”، يلوّح الشرع بخطاب مزدوج: يُثني على دعم موسكو التاريخي، لكنه يطالب – للمرة الأولى منذ عقدين – بعلاقات متكافئة لا وصاية فيها.
من هنا، لا بد للسوريين من التعاطي مع المرحلة الانتقالية بعين اليقظة. فالاطمئنان إلى أن ما تحقق شعبياً سيمرّ بسلاسة، دون مقاومة أو انتكاسات، قد يكون أقصر الطرق إلى الانتكاس ذاته. النفوذ لا يعود عبر الدبابات فقط، بل يجد طريقه عبر إعادة تدوير الوجوه، وشراء الولاءات، وتغذية الانقسامات. وهناك دوماً أطراف، داخل سورية وخارجها، مستعدة لفتح الأبواب من جديد أمام مشاريع الهيمنة القديمة، بدوافع تتراوح بين المصلحة والنوستالجيا المرضية لنظام القوة.
تتبدّى ملامح هذا الخطر اليوم في مشاهد متفرقة، لكن مترابطة في عمقها: دعم مؤتمرات تُروّج لتقسيم سورية تحت عناوين الفيدرالية الزائفة، وفعاليات تنسج سرديات متعالية عن الضحايا، تصنع تدرجاً في الألم الوطني، وتُعيد تدوير لغة المنتصر المهزوم. ما تكشفه هذه الديناميات هو أن المعركة على سورية لم تُحسم بعد، وأن الجغرافيا السياسية لما بعد الأسد لا تزال هشّة ومفتوحة على الاختراق.
الأخطر من ذلك أن جمهور الحاضنة القديمة – الذي ظنه البعض قد تبخّر – قد أُيقظ من سباته مع عودة شائعات إعادة تأهيل ماهر الأسد. هؤلاء لم يتلاشوا؛ بل انكمشوا، وراقبوا بصمت. وهم لم يتخلّوا عن النظام لأنه قاتل، بل لأنه خسر. ولاءهم لم يكن للمبادئ، بل للقوة والقدرة على البقاء. وهذه الطبقة الرمادية، إذا لم يتم تفكيك بنيتها النفسية والاجتماعية بخطاب سياسي ذكي، قادرة على إعادة إنتاج النظام بأشكال جديدة، أكثر دهاء وربما أكثر قبولاً في الداخل والخارج.
في هذا السياق الانتقالي، دخلت موسكو بدورها مرحلة ارتباك استراتيجي. فالرئيس أحمد الشرع – الذي بدأ عهده بخطاب سيادي متماسك – لم يمنح موسكو ما اعتادت عليه: لا تبعية مباشرة، ولا ضوءاً أخضر لمواقع نفوذ ثابتة. هذا ما يفسّر التصريحات المتوترة التي صدرت من بعض المسؤولين الروس، وأبرزها تصريح السفير الروسي في بغداد لقناة عراقية، حين قال: “مسألة مصير بشار الأسد لم تُناقش، وهو أمر غير وارد”. لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه موقفاً، بل كقناعٍ للحرج؛ محاولة لطمس سؤال الخسارة أكثر من كونه تأكيدًا على تحالف دائم.
وبينما اكتفى الكرملين بالمراوغة أمام المتغيرات في دمشق، أرسل الرئيس فلاديمير بوتين رسالة تهنئة إلى أحمد الشرع بمناسبة توليه السلطة، حينئذ. الرسالة لم تُنشر نصاً، وجرى الاكتفاء بتصريح مقتضب من المتحدث باسم الكرملين وصفها بأنها “تهنئة رسمية”. لكن التسريبات التي رافقتها عن حديث حول “استمرار التعاون” و”مكافحة الإرهاب” و”احترام خيارات الشعب السوري” بدت كأنها تعكس محاولة روسية للحفاظ على موطئ قدم، دون التورّط في مشهد قد يُحمِّلها مسؤولية الفشل السوري الكامل.
اللافت أن حكومة الشرع لم تُصدر أي رد رسمي على الرسالة، وهو صمتٌ مدروس لا يخلو من الرسائل. فقد أراد الشرع أن يترك الباب مفتوحاً، دون أن يقدّم لموسكو أوراق التطمين المجانية. وهنا تبرز المعادلة الجديدة: دمشق لم تعد ساحة خالية لمراكز النفوذ، بل حقل ألغام سياسي، يتطلّب مهارة عالية في التوازن، لا سيما حين يتعلّق الأمر بالقوة الروسية التي ما تزال تحاول إنكار لحظة السقوط.
على أن التطور الأكثر دلالة جاء من بوتين نفسه، حين أعاد التأكيد في تصريح حديث على أن التدخل الروسي في سورية كان لمنع تمدد الإرهاب، مضيفاً بعبارة مموّهة لكنها لافتة أن المعارضة السورية “قد تعلّمت خلال عقد من الصراع كيف تدير شؤونها وتحافظ على أمنها الداخلي”.
تصريح قد يبدو عابراً، لكنه يحمل في طياته تحولًا نوعياً في سردية الكرملين: من شيطنة المعارضة باعتبارها تهديداً وجودياً، إلى الإقرار، الضمني، بأنها أصبحت طرفاً قادراً على ضبط البلاد، بعد أن أنهكها الاقتتال متعدد الأطراف، من جيش الأسد إلى فصائل الثورة المتناحرة، ومن التدخلات الإيرانية إلى الغارات الإسرائيلية والضغوط الغربية.
هذا التحول لا يعني أن موسكو تبنّت شرعية حكومة الشرع، بل إنها تحاول صياغة موضع جديد لها داخل المعادلة الناشئة، انطلاقًا من مبدأ روسي تقليدي: إذا احترق الميدان، تفاوض على الرماد.
ورماد النظام السوري، الذي كان شريكاً استراتيجياً لموسكو، يتداخل اليوم مع رماد المشروع الروسي نفسه في شرق المتوسط، حيث التمدد التركي، والاندفاعة الأوروبية، وتراجع الاهتمام الأمريكي، يفرضان على موسكو إعادة نظر جذرية في أدواتها ومواقعها.
من هنا، تتعدد السيناريوهات أمام روسيا:
- الاعتراف الضمني بحكومة الشرع، من دون إعلان القطيعة مع شخصيات موالية لبشار الأسد، مع الإبقاء على صِلات عبر شخصيات تكنوقراط أو أمنيين قدامى.
- الانكفاء السياسي والعسكري النسبي، مقابل التموضع كقوة استثمارية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، حيث الدولة السورية الجديدة أكثر هشاشة، وأشد عطشاً إلى الخارج.
- اللعب على التناقضات الداخلية داخل حكومة الشرع أو بين الفصائل، لتغذية انقسامات تفتح باباً خلفيًا للنفوذ الروسي غير الرسمي.
- تفعيل أدواتها الإقليمية: مجموعات عراقية، لبنانية، أو سورية تدين لها بالولاء، كي تبقى ممسكة بخيوط المشهد دون أن تتصدر واجهته.
في كل هذه السيناريوهات، تسعى روسيا إلى الحفاظ على سرديتها الكبرى: أنها لم تُهزم، بل غيرت أدواتها فقط.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن تفهم دمشق الجديدة – حكومةً ومجتمعاً – أن هذه السردية تُصاغ الآن بهدوء، تحت قشرة الرماد، وأن إهمال مواجهتها قد يفتح الباب أمام عودة بطيئة، ماكرة، ولكن فعّالة.
فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يُلهم المتربصين بإعادة إنتاجه. والنفوذ، كما خبرناه في العقد الماضي، لا يأتي فقط على ظهر الدبابات؛ بل يتسلل إلى الاجتماعات الوزارية، وصفقات الإعمار، وتحالفات الطاقة، وابتسامات الدبلوماسيين.
يبقى السؤال الأخير: ماذا تعني الهزيمة إن لم تُعلَن؟ وماذا لو أُعيد تسويقها كـ”حكمة إعادة تموضع”؟
بقاء روسيا في سورية ليس قَدَراً. إنه احتمال. واحتمال يمكن كسره، بشرط ألا ننسى من أشعل النار أول مرة، وألا نُخدع بوهم أن الرماد قد برد.فالرماد، كما علمتنا التجربة السورية، لا يحتاج إلا نسمة خفية ليشتعل مجدداً.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






