تدريباتنا

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

by | Aug 25, 2025

القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”

يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.

في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.

القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.

قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.

الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا