تدريباتنا

سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

by | Nov 16, 2025

“الشعب” تلك الكلمة المقدسة التي ناءت بما حُمّل عليها من معان ومسؤوليات، وما يقابلها من مفردات بذات المعنى، “الشعب الذي يعرف طريقه”، الحشد الجماهيري أو “الجمهور”، البوصلة التي تنتهي عندها غايات السياسيين والمفكرين وما يتغنى به البعض من أنه نبض الحقيقة وصوت الشارع الصارخ بالحق وما إلى ذلك. هـذه الكلمة تُعالج بشكل مختلف في كتاب جديد  لنبيل ملحم صادر هذا العام يأتي بما يناقض هذا المفهوم ويفكك بنية وسلوك الجمهور” ذاك الحشد الذي لا يرى ويحلل عميقًا تحولاته متنقلاً بين الأدب والسياسة وعلم الاجتماع بروح الروائي الذي يستحضر ما ثبت في ذاكرته الخصبة من نتاجات سابقيه. 

يستند بداية إلى كافكا في نص “المحاكمة” ففي قلعته تكون السلطة غير مرئية ويكتشف وجودها من آثارها وسطوتها غير المباشرة وحتى الأدوات التي تستخدمها لا تدرك الغاية من سياساتها ومع ذلك تلتزم هذه الفئة بالتعليمات لأنها تكون بحسب ظنها من واقع الضرورة أو دافع البقاء فحالة الغياب للسلطة يخلف هالة من القداسة حولها. 

منذ البداية يحاول تفكيك نظام الطاعة الذي يحكم الألوف المؤلفة من الناس، بسؤال حساس ما لذي يجعل القطيع قطيعاً من دون سوط، فالطاعة هنا ليست نقيض الحرية بل يمكن أن نسميها استراتيجية البقاء، فهذا الحشد يعمل كداعم قوي للسلطة غير المرئية حيث الاغتراب والعزلة والخوف يمهد الأرضية للطاعة والصمت واللامبالاة ما يجعله تربة خصبة لمفهوم “الجمهور القاتل”، وقبل أن يوضح مفهوم هذا الأخير يستعرض بعض النماذج من النازية للفاشية وصولاً للتطرف لدى الإسلام السياسي تلك التي حملت خطاب الكراهية مما أعطى شرعية للعنف الاجتماعي في مراحل صنع العدو فقد صعدت النازية الكراهية ضد اليهود والسلاف والغجر وكذلك الفاشية حين نفت أي صفة حضارية عن الأفارقة  والتمجيد العنصري للذات عبر الأسطرة التاريخية لجد ماثل بالأذهان للعصر الآري الذهبي وأيضاً إحياء التاريخ الإمبراطوري لروما، فخطاب الكراهية يأتي من خلال شيطنة الآخر عبر الدعاية والبروباغندا، فالدعاية النازية هي التي حشدت الشعب وراء الفكرة القاتلة خلف مشروع عنصري قاتل وقول وزير خارجيتها الشهير غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” حيث اللعب على العاطفة لا العقل فالحشود تعامل بالشعارات لا بالعقلانية، ومن خلال هذه المقارنة يحاول تفسير متى يتحوّل الجمع إلى وحش؟ ومتى ينقلب التصفيق إلى أداة قتل؟ 

إن خطورة التماهي مع السكوت والإجرام بوصفه أمراً طبيعياً تكمن في أن الجمهور القاتل لا يكتفي بالطاعة بل يتماهى مع الطاغية طارحاً السؤال المتجدد لماذا يقدس الناس طاغية مثله، ماهي دوافعهم! 

في بيئة الخوف المزمن يبرز الناس ميلاً للتعاطف مع الجلاد الذي يحب أن يطرح نفسه كأب ورمز للاستقرار، ففي حالة الفراغ الأيدلوجي السياسي يميلون للتشبث بمن يظنونه منقذاً. وهناك البعض منهم ممن يعتبره تجسيداً لرغباتهم المكبوتة في الانتقام والسحق، إذ إن سورية تحولت بالقوة إلى ماهي عليه، فهي كانت دولة ناشئة فيها أحزاب وحياة سياسية ونقابات في فترة الخمسينات، والطغمة مسخت الوطن على صورة الزعيم، ففي عهد هتلر كان الطبيب النازي جزءًا من منظومة نازية لها فلسفة بينما الطبيب السوري الذي مارس التعذيب والتنكيل والقتل في زنازين الأسد كان يدور في فراغ أيدلوجي قوامه الطاعة والامتثال لقوة عليا، ولم يكن المقتول معارضاً دائماً بل يمكن أن يكون سورياً صامتاً عن التمجيد، وبين القاتل والمقتول امتدت سورية في خرابها.

يؤكد صاحب “خمارة جبرا” بأن السوريين لا يعرفون بعضهم وهو يربط ما سبق  مع الحالة السورية اليوم وقد فشلت دولة الأسد في بناء مواطنة صحيحة، إذ يجري الآن أسلوب شيطنة العلويين فهم ” نصيريون  كفار”؛ والدروز” زنادقة وكفار باطنية” والأكراد “انفصاليون وعملاء للغرب، وحتى يشكك بانتمائهم لسوريا بالتالي إعادة إنتاج خطاب الكراهية من خلال التحريض الطائفي في خطب الجوامع  والدروس الدينية بل هناك مشاهير من الدعاة والقنوات مثل “صفا والوصال” تبث سمومها باستمرار ويصبح تدريجياً الخطاب المتشدد سلطة تشريعية وإقصائية تبرر وتمنهج القتل ويصبح العنف والقتل واجباً شرعياً  يجند لها وسائل الإعلام كافة من تلفزة وسينما وصحافة ومناهج دراسية للأطفال وخوارزميات الفيس بوك واليوتيوب تنتصر للفعل المثير مما جعل مشاهد القتل تنتشر بسرعة كبيرة، مع ما يقابلها من تفعيل الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني،مثال الدرزي الذي سب النبي وتبين بعدها  إنه مغرض ولكن ما يراد منه قد تم، كما يتم الترويج لدعاية مضللة كتهجير الكرد للعرب أو تصوير الدروز كعملاء لإسرائيل دون أن يشار للأسباب التي دعت البعض لذلك وتكبير المشهد دون حاجة لإعمال العقل والتفكير. والغريب أن يشهد الجوار علاقات سمحة مع إسرائيل رغم الموت في غزة ولا يستفز المشهد أحداً  ومن هنا تفسر مجازر العلويين ومجازر الدروز وخطف النساء، ومن الغريب أن يستغرب البعض هذه الحالة والشروط مستوفاة لوجودها، وحالات سبي الايزيديات وسبيهن ماثلة للاعين بذات الايدلوجية.

هناك شخصيات قاتلة لها جمهور قاتل دون أن تمسك بالسلطة ممثلة بالحركات الراديكالية خارج الدولة مثل الإسلام الجهادي الـذي يمثل الإله عبر القتال والتكفير في خطاب تزييني للموت (أسامة بن لادن) مما أسس لسيكولوجية الانتحاري الذي يموت لأنه يحب فكرة التمجيد المرضي للموت الاستشهادي.

كذلك شهوة العنف لدى “أبو مصعب الزرقاوي” الذي وصف بأنه “شخصية حدية ذات نزوع سادي” حيث يبرز القتل والذبح والتصوير وكأنه فعل تطهري والتكفير هوية له، ففي حين اعتمد الزعيم الجهادي على سلطة العقيدة والانتماء العقائدي الأممي والجمهور كمنفذ لواجب إلهي في حين اعتمد الزعيم القومي على سلطة الدولة والجهاز الأمني وعلى الانتماء الوطني وعلى الشعب كمطيع.

وقد صنع “بن لادن” جمهوره القاتل باعتماده على مظلومية إسلامية كونية  (فلسطين والبوسنة- العراق الحجاز) واستثمر في الرموز العاطفية الكبرى (القدس كربلاء الأندلس) في تمثل فكرة الولاء والبراء حيث التقارب والمودة مع إخوة الدين وإعلان البراءة والتنصل من أعداء الدين، لأن توجيه الغضب ضد العدو له ميزتان إحداها جنسية حيث الحور العين والثانية روحية تأمل برضا الرب، ولكن الزرقاوي  أنتج جمهورًا أشد دموية وتطرفًا لأنه يقوم على قتل الشيعي والعلماني والمسيحي والمسلم المرتد ومسرحة القتل عبر التصوير والنشر والتلذذ بالقتل وهذا ما كان في سلوك تلامذته في مجازر الساحل والسويداء وعشرات المجازر قبل استيلائهم على السلطة.

يعرف غوستاف لوبون الجمهور في ثلاث حالات الجمهور الغبي والقاتل والمهدور فالأول جمهور تحكمه العاطفة لا العقل. يقول لوبون: “الجماهير لا تفكر بل تقاد” فهي عفوية وساذجة وتصفق وتهتف وتستجيب لرموز السلطة ولكنها قابلة للتحول السلمي وتحتاج لمن يقودها ومن هذه المقارنة يحلل لوبون أن الساذج عندما يعطى شحنة لاهوتية أو أيديولوجية دموية يتحول من جمهور غبي إلى جمهور قاتل.

فالجمهور القاتل معبأ ومؤدلج دينياً لأن يفجر ويذبح متحولاً إلى أداة سلطة وموجه للعنف ويخلق من نفسه قائداً أو قاتلاً. 

وهناك تفصيل آخر هو الإنسان المهدور: فالإنسان العربي يعيش مهدور الكرامة والحق والرأي متعرضًا للقمع السياسي والإفقار الاقتصادي وإلى التهميش النفسي، لهذا يتحول إما لسلبي خانع أو ينفجر في عنف هدام قد يكون عنفًا دينيًا أو ثورة، فالإنسان المهدور يعيش اغتراباً وخوفاً وفقدًا للكرامة لأنه ضحية منظومة هدر مستمرة لذا فهو قابل للانفجار أو للانسحاب مما يهييء لتحوله إلى جمهور قاتل، يتجاوز وضعه عبر القتل في إثبات الذات مستعيداً كرامته فيها، حيث العنف عقيدة لا أداة والخلاصة في ذلك أن الجمهور القاتل هو الإنسان المهدور حين يتحول من ضحية إلى جلاد حيث  يقضي بضربة واحدة عدوه وتاريخه وماضيه،  وهو جمهور لا فرادة له فهو بلا عقل يقوده يقين وكل يقين قاتل لأنه على الضد من فكرة المواطنة، فالهدر والتعبئة يقودان إلى الجريمة المقدسة.  

يعود الملحم إلى واقع الحراك الذي انفجر بسوريا في 2011 وكيف تناسل الرد الطائفي من بعضه مع دعم وتهيج الجوار لجزء من هذا وجزء من ذاك، بين الخليج العربي وتركيا وبين إيران وروسيا، فالطائفية لم تدمر اللحظة الثورية بل أنتجت السوريين كغرباء عن بعضهم وبات أنتم ونحن صيغة متداولة بين أصدقاء الأمس. فالطائفية وظفها النظام والمعارضة وقعت في فخها ودول الجوار صبت الزيت على نارها وعليه سقط شعار الشعب السوري واحد. 

كل ضحية مهيأة لتقوم برد فعل عنفي وتتحول من ضحية إلى جمهور قاتل فهي تعيد إنتاج نفسها من عقدة المظلومية، والأمر ليس محصوراً بالراديكالية الإسلامية بل هناك تحول للأقليات الضحايا إلى جمهور قاتل مثلاً مشاركة الميلشيات الدرزية بالحرب اللبنانية،–هجوم الأرمن على قرية الأذريين في قرة باخ، وبعض المجازر بحماة قام بها علويون من منطلق طائفي.

ولهذه الأقليات شروط لتحولها إلى القتل الجمعي تأخذ شكلها عندما تتحول المظلومية إلى خطاب سياسي يومي إذ سرعان ما تتحول إلى ماكينة لإنتاج جمهور قاتل وأحياناً يلعب الخوف من الإبادة للقيام بفعل استباقي وخاصة عند تشكل ميليشيات لحماية الأقليات قد تتحول لأدوات قتل خارج سياق الحماية وخاصة إذا استقوت بالتحالف مع دولة قوية. 

لقد نشأت سورية عمارة هشة كنتاج للقوى العالمية ووريثة فشل الدولة العثمانية وتاليها فشل الدولة الوطنية، والسؤال هل يمكن لسورية أن تبنى على أساس غير طائفي؟

نبيل الملحم في كتابه يلامس مفاصل حساسة ويفكك واقعاً حلوله شائكة ويطرح أسئلة حرجة مثل كيف نتجنب هذا السقوط في فخ الكراهية والقتل، ربما نقارب ما قالته حنا أرندت:” إن ما يحمي الإنسان من الانخراط في القتل ليس الخوف من القانون بل القدرة على التفكير الأخلاقي” لذا هل نستطيع إعادة تربية المجتمع على الأخلاق؟ 

أسئلة صارخة برسم الضمير الأخلاقي لمن يريد لسورية أن تنهض من جديد.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا