تدريباتنا

سوريا بين خطاب الماضي وأوهام المستقبل

by | Mar 7, 2025

تطفو اعلى سطح المشهد السوري ثنائية متضادة: واقع معيشي متردٍّ، والتكيف مع سلطة جديدة. فالنظام السابق، الذي طالما صاغ سردية تبسيطية عن المعارضة بمختلف أطيافها، تستخدمها اليوم موالاته في تفكيك سلوكيات الإدارة الجديدة، متجاهلين طبيعة البلاد كدولة متآكلة، لا سيما على المستويين السياسي والاقتصادي. هذه المخاوف ليست وليدة اللحظة، بل تعكس تراكمات من التفكك الاجتماعي الذي عزّزه النظام السابق عبر التفرقة المناطقية، وأدى إلى ترسيخ الخوف من السياسة والسلطة، حتى بين من لم يكونوا جزءاً من منظومته.

لكن، هل كان السوريون يعرفون بعضهم البعض حقاً؟ ربّما على المستوى الظاهري، من خلال اللهجات والملامح الدينية، لكن هل امتلكوا وعياً كافياً بمستقبل البلاد بعد سقوط الدولة الأمنية؟ منذ اندلاع الثورة السورية وحتى سقوط النظام، ظل الهدف الأسمى هو الإطاحة بالأسد، دون إدراك أن جزءاً كبيراً من السوريين-قد يصل إلى بضعة ملايين لم يكونوا يرغبون في سقوطه، إما خوفاً من الفوضى، أو بسبب استفادتهم منه أمنياً واقتصادياً. في المقابل، كان هناك كثيرون لم يدركوا تماماً تبعات انتصار الثورة، ليس فقط من حيث نشوة التغيير، بل من حيث ضرورة البحث عن بدائل واضحة وصياغة رؤية متماسكة لشكل الدولة القادمة، وهو نقاش لم يُفتح بجدية خلال سنوات الثورة. فهل يحلّه النضال السياسي السلمي في المرحلة القادمة؟

بين السلطة الجديدة وأزمة الثقة

اليوم، بعد سقوط النظام، يواجه السوريون معضلة إعادة بناء الثقة فالحكّام الجدد يمتلكون تصورهم السياسي لإدارة البلاد، بينما الشارع السوري يتملّكه القلق، محاصراً بأسئلة واحتجاجات حول هذا التصور. وبدل أن يكون الحوار الوطني عملية ممتدة، تستكشف المخاوف والمجاهل، اقتصر على لقاءات محدودة لم تشمل جميع المناطق، ولم يستمر سوى يومين انتهيا ببيان فضفاض، لم يحدد آليات التنفيذ، بل أجّل البتّ في قضايا لا تقلّ أهمية عن العدالة الانتقالية ووحدة سورية، مثل قوانين الأحزاب والعمل الثقافي (راجع مقالتي “قراءة في بيان الحوار الوطني السوري” المنشورة في في صالون سوريا، 28  فبراير 2025).

بعد مرور ثلاثة أشهر على سقوط النظام، تزداد أزمة الثقة وضوحاً، حيث يقف السوريون بين جوع خانق وأمل مرتجف، بين الحاجة إلى الخبز والحاجة إلى المعنى. فالنظام السابق لم يكن مجرد كيان سياسي، بل ممارسة ممتدة من القهر، حيث تحوّلت السياسة إلى مزيج من الخوف والفساد والانتهازية. واليوم، في ظل انهيار الاقتصاد، تترسخ قناعة شعبية بأن خطابات التغيير وحدها لا تكفي، وأن الحكم الجديد سيُختبر بقدرته على استعادة السياسة بوصفها أداة لإنقاذ الوطن، لا مجرد إعادة إنتاج للسلطة.

ما الذي يجب أن يحدث؟

الخطوات الأولى يجب أن تبدأ بكسر احتكار القرار وإعادة تعريف السياسة كأداة لإعادة توزيع الموارد، لا كوسيلة لتثبيت النفوذ. لا يمكن لأي سلطة جديدة أن تؤسس شرعيتها دون مواجهة أزمة الثقة بشفافية، عبر سياسات اقتصادية تُنصف الفئات الأكثر تضرراً، وقنوات تواصل تعيد للناس الإحساس بأن أصواتهم مسموعة، وخطوات ملموسة تُخرج السياسة من دوامة الشعارات إلى ميدان الفعل.

لكن وسط هذا المشهد، يفاقم غياب إعلام وطني مستقل الأزمة، إذ يترك الباب مفتوحاً أمام سيل من الأخبار المتضاربة، ما يؤدي إلى خلط الحقائق وضياع القضايا المحقة وسط انتشار الشائعات. هذا الفراغ الإعلامي يسمح للقوى الموالية للأسد حتى اللحظة بمواصلة نشر الخوف والتضليل، غير آبهة بمستقبل البلاد، بل ساعية إلى تفتيت المجتمع وتعميق الانقسامات عبر الدعاية الرقمية. في ظل هذا الواقع، لا يمكن إعادة بناء المشهد السياسي دون إعلام مسؤول يواكب اللحظة بصدق، ليكون جسراً بين الشارع والإدارة، بدل أن يُترك المجال لمنصات الفوضى التي تخلط الأوراق وتبدد إمكانات التغيير.

الإرث الثقيل للنظام

لم يكن النظام السوري مجرد سلطة ديكتاتورية، بل شبكة اجتماعية وأمنية زرعت في المجتمع ثقافة سياسية قائمة على الخوف والاصطفاف الأعمى. ليس غريباً إذن أن نجد اليوم من كانوا جزءاً منه –من العسكريين والموظفين والمخبرين يُعيدون تموضعهم، متباكين على انهياره وكأنهم ضحاياه. هؤلاء الذين استفادوا من سلطته ليقتلوا معنوياً ومجازياً، بلا حساب، وحين لم يُعاد إنتاجهم في النظام الجديد، قرروا لعب دور الثوريين، ولم يكن هذا انتقالاً سياسياً، بل محاولة لإعادة إنتاج أنفسهم.

في قلب هذا الخراب، يظهر إرث حافظ الأسد، الذي زرع في الأذهان أن الطوائف لا أمان لها دون سلطة قمعية تحميها، فبقي هذا الوهم مترسخاً حتى بعد سقوط النظام. فبين من يرى أن زوال الأسد هو نهاية الوطن، ومن يظن أن أي سلطة جديدة هي استمرار للاستبداد، تضيع إمكانية التفكير بمسار مختلف، حيث لا تعني السياسة مجرد ولاءات، بل إعادة بناء المعنى نفسه بعد عقود من التزييف.

هل يمكن تجاوز هذه الأزمة؟

إن الدول الضعيفة تنتج شعوباً هشّة سياسياً، لكن لا يوجد شعب عقلاني بالفطرة، ولا عاطفي بالفطرة. هناك ظروف تخلق ثقافة سياسية معينة، والمجتمع السوري بحاجة اليوم إلى تجربة سياسية حقيقية، وإعلام مسؤول، وتعليم جيد، واقتصاد مستقل، ونخب غير شعبوية. لا تتغير الشعوب بالكلام، بل بالممارسة والتجارب. واليوم، بعد سقوط النظام، فإن الرهان ليس على مجرد تغيير الحكام، بل على تغيير مفهوم السلطة نفسها، بحيث تصبح السياسة فعلاً جماعياً، لا أداةً لاحتكار القرار، ولا منصةً لتصفية الحسابات.

يهزم الإنسان حين يسلّم بسرديات الأنظمة الساقطة، دون أن يختبر حريته بنفسه أو يعبّر عن ذاته بصدق ومسؤولية. وحده الصدق المسالم والحضاري يصنع المعنى الحقيقي للحرية. سورية اليوم ليست في صراع على بناء الدولة، بل على من يملك الحق في الحديث باسمها. وحتى يُحسم هذا الجدل، سيبقى الوطن معلقاً بين خطاب الماضي وأوهام المستقبل، في انتظار من يعيد بناء الثقة التي فُقدت بين الجميع.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا