تدريباتنا

الناجيات من الاعتقال في إدلب ..الأصفاد المزدوجة

by | Jul 16, 2022

ورشة للناجيات من الاعتقال في ادلب

“أنام لأهرب من الواقع والذكريات، فتلاحقني الكوابيس حتى في أحلامي” بهذه الكلمات تختصر علية الأحمد (26 عاماً) معاناتها بعد خروجها من ظلام سجنها الذي ذاقت فيه كافة أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وتضيف متحدثة عن معاناتها لـ“صالون سوريا“: “أثناء عودتي من جامعتي في مدينة حلب تم اعتقالي من قبل أحد حواجز النظام بتهمة التعامل مع الإرهابيين والخروج في المظاهرات، إضافة للرغبة بالانتقام من أخي الذي انشق عن صفوف الجيش وانضم لفصائل المعارضة .”

وتؤكد الأحمد أنها كانت في طريق عودتها إلى محافظة إدلب مع غيرها من الركاب حين تم إنزالها من السيارة، واقتيادها إلى فرع المنطقة في مدينة حلب ثم إلى السجن المركزي، وهناك تم التحقيق معها عدة مرات، كما تعرضت للضرب والشبح والحرق والصعق بالكهرباء، لإجبارها على البوح بمعلومات عن أخيها وغيره من المقاتلين في فصائل المعارضة.

قضت الأحمد في السجن حوالي سنة ونصف قبل أن تخرج بتاريخ 5 من شهر ديسمبر من عام 2019 ، وبعد خروجها من السجن لم تعاني الأحمد من مطاردة ذكريات الاعتقال فحسب، وإنما لم تجد الرحمة في مجتمعها أيضاً. فما إن أصبحت خارج أسوار السجن وافق أهلها على تزويجها من رجل مسن يكبرها بأكثر من ثلاثين عاماً بدافع “السترة”، وحين رفضت الزواج قامت والدتها باصطحابها إلى تركيا، للعيش مع أسرة أخيها، هرباً من نظرات الناس وأسئلتهم المتكررة، فيما إذا كانت قد تعرضت للاغتصاب داخل السجن .

ليست الممرضة حنان (31 عاماً)، التي رفضت الكشف عن اسمها، أفضل حالاً، فقد واجهت ظلم زوجها والمجتمع، وعن ذلك تتحدث بالقول: “تم اعتقالي من فرع الهجرة والجوازات بمدينة حماة، وبقيت في السجن لمدة ستة أشهر بتهمة العمل في مشافي الإرهابيين، ثم خرجت مقابل مبلغ مالي دفعه أهلي لأحد ضباط النظام، وحين  تنفست الحرية كنت في شوق كبير لرؤية ولدي وزوجي، ولكني تفاجأت بأنه تخلى عني وتزوج من امرأة أخرى، كما حرمني من تربية طفلي حرصاً عليه من كلام الناس و نظرة المجتمع التي ستلاحقني بقية حياتي.”

تصمت قليلاً لتلتقط أنفاسها وتستعيد حروفها وتضيف: “لم أدخل السجن بإرادتي، وبعد نجاتي من المعتقل، لم أنج من غياهب الأعراف الاجتماعية التقليدية الظالمة، ولم أجد يداً حانية تعينني على الحياة، وتجنّبني شعور الخذلان وخيبة الأمل.”

وفوق التعب النفسي وظلم المجتمع، تقع أيضاً الكثير من الناجيات فريسة الأمراض التي تحرمهن من تجاوز مرحلة الاعتقال والعودة للحياة الطبيعية، وتضعهن أمام حاجة كبيرة لتلقي الرعاية الطبية.

وئام العثمان (29 عاماً) النازحة من بلدة التمانعة إلى مدينة إدلب، اعتقلت عام 2018 في مدينة دمشق أثناء ذهابها للحاق بزوجها الذي يعمل في لبنان، ومنذ خروجها من المعتقل تعاني من مرض الصرع، وعن ذلك تقول لـ“صالون سوريا“: “تعرضت خلال فترة اعتقالي للضرب على رأسي وسائر جسدي بالأنبوب البلاستيكي الأخضر، فأصبت بمرض الصرع وآلام حادة ومستمرة في الرأس، ولا أزال أعاني منه حتى الآن، كما أعاني من ارتفاع في الضغط وتسارع في نبضات القلب نتيجة الضغط النفسي، وما عشته من ترويع وإهانة .”

وتشير العثمان أنها تتلقى العلاج لدى طبيب مختص، لكنها تعتقد أن حالتها النفسية والجسدية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم .

وتلفت العثمان أن النساء المعتقلات في سجون النظام يتعرضن للإهانات والضرب والتحرش والاغتصاب وشتى أشكال التعذيب، ومن يكتب لهن حياة جديدة خارج غياهب السجون يعشن بأمراض وعاهات مستديمة مدى الحياة .

المختصة بالإرشاد النفسي سلام كرامي (36 عاماً) من مدينة سرمدا شمال إدلب، تشير أن الأضرار النفسية التي تلحق بالناجيات قد تستمر لمدة أطول من الأضرار الجسدية، وزوالها أكثر صعوبة، وعن ذلك تتحدث بالقول:”اتخذ النظام السوري من اعتقال النساء وسيلة وسياسة ممنهجة لقمع المنخرطين بالثورة، ولكن بعد خروجهن تواجهن سجناً أكبر ومجتمعاً قاسياً يحاول تهميشهن .

وتؤكد كرامي على أن أغلب الناجيات يعانين من الاكتئاب والإحباط والانعزال عن المحيط، إلى جانب الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة والشعور بعدم الرغبة بالحياة، ومنهن من يصارعن الأفكار الانتحارية  . 

وتشير أن النجاة الحقيقية للنساء تتطلّب دعماً كبيراً من قبل المجتمع المدني والمنظمات، فضلاً عن ”تسليط الضوء على معاناتهن ونظرة المجتمع الدونية لهن، والتأكيد على كونهن ضحايا لا ذنب لهن، ومساعدتهن على الاندماج مجدداً في المجتمع المحلي والانخراط في مجالات الحياة، وتوعية المجتمع لتغيير الصورة السلبية الاجتماعية التي تعصف بهن“.

وتقدّر “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إن 9774 امرأة ما زلن قيد الاعتقال والاختفاء القسري في سوريا، ومنهن 8096 مغيبات في سجون ومعتقلات النظام. وتعاني العديد منهن عند الخروج من السجن من وصمة المجتمع الذي يمعن في ظلمهن، فتلاحقهن تداعيات الاعتقال اجتماعياً وأسرياً في ظل مجتمع تحكمه عادات وتقاليد تختصر شرف العائلات في أجساد النساء، وتربط الانتهاكات ضدهن بما يسمى “العار” .

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا