تدريباتنا

الإعلام المسموم    

by | Aug 21, 2024

لا أبالغ إذا قلت إن كثيراً من البرامج التي تقدمها فضائيات العالم العربي إعلام مسموم غايته ترسيخ المعلومات المزيفة، وزرع أفكار ومعتقدات خطيرة ومؤذية في عقول ونفوس المشاهدين. غير أن مُقدم البرنامج ليس وحده المسؤول عن هذا الانحطاط، بل هناك شبكة ذات نفوذ كبير توجه الإعلام إلى الانحطاط، معتمدة على أشخاص ارتضوا أن يكونوا خدماً لأصحاب وممولي تلك البرامج.

في الواقع ترددت أن أكتب عن تلك البرامج لكن لاحظت أن الكثيرين يتابعونهم ويتأثرون بها بل يطلبون رأيهم في مشاكل شخصية جداً (مثلاً زوجة تسأل مقدمة البرنامج السيدة ياسمين عز التي تقدم برنامج – كلام الناس – على MBC مصر): “هل زوجي يحبني؟” ياسمين عز سيدة جميلة جداً تملك كاريزما بسبب طريقتها في الكلام إذ تبدو واثقة جداً من نفسها ودوماً تقول إنها تعتمد على مراجع علمية – لكنها ولا مرة قالت اسم المرجع – تقدم برنامج – كلام الناس – الذي هو بإختصار تحقير لإنسانية المرأة (قبل أنوثتها)، وإعلاء كبير للرجل الذي تسميه فرعون، للأسف لديها متابعين خاصة من النساء اللاتي تقدم لهن نصائح تدعي أنها مثبته علمياً دون أي إثبات. على سبيل المثال، في إحدى حلقاتها تحدثت بحماسة أن أكبر خطر على العلاقة الزوجية أن تقدم الزوجة صحن السلطة للزوج وقد خلطت البندورة (المؤنثة) مع الخيار (المذكر)، وأن لديها مراجع علمية حديثة تؤكد كلامها لكن لا مجال لذكرها الآن. تستفيض مي عز بشرح خطورة تقديم صحن السلطة بخلط البندورة (المؤنثة) مع الخيار (المذكر). كلام لا يقبله عقل ولا منطق، ومع ذلك تلك الحسناء مي عز تدعمها شبكة إعلامية مهمة (MBC مصر)، وأفترض أن المسؤولين عن برنامجها يُعدون لها الحلقات، التي تُقدمها بحماسة معتمدة على جمالها وأنوثتها وصباها. تقول مي للمرأة: “عليك أن تطيعي فرعونك (قصدها الرجل الزوج) وتحثها من باب الواجب أن تستيقظ كل ربع ساعة في الليل لتُقبل زوجها من رأسه! لم تذكر بضرورة وجود منبه! ومن حسن الحظ أنها اختارت رأس فرعون (الزوج لتقبيله بدل عضو آخر!). مي عز تعتمد على الاستفزاز، وحده الاستفزاز يصطاد الناس ويوقعهم في شباك التفاهة والتخلف واللا منطق. وهفي كل حلقاتها تلقي اللوم على الزوجة، فمثلاً تقول للزوجة: “عيب عليك تقولي لفرعونك يكفي ما أكلت، عيب دعيه يأكل ومحل ما يسري يمري، وصحة وهنا على قلبك.” يعني مش مهم أن كان الزوج يشكو من ارتفاع الكولسترول أو سكر الدم أو أمراض أخرى، فالزوجة يجب أن تبتهج أن فرعونها يأكل حتى لو أكل خروفاً، حتى لو تسبب الأكل في موته مثلاً!

المُخزي أن كثيراً من الإعلاميين المشهورين والمعروفين بتنورهم طلبوا إجراء حوار مع (مي عز) ربما لإحراجها في المواضيع التي تطرحها أو لسؤالها عن المراجع العلمية التي تعتمد عليها دون ذكرها علناً. وكم أحسست بالخيبة حين دعاها نيشان (وهو مُعد برامج عديدة وإعلامي له تاريخ مهني مُشرف) إلى برنامجه (في دبي)، حيث احتشد الناس في القاعة لكن مي عز لم تأت! لم تحترم الجمهور ولا نيشان اكتفت بأن تحججت بوجود أسباب منعتها. هذا الغياب استفز نيشان للتحدث عن عدم احترامها للناس، وقال كلاماً عنها لا أريد ذكره؛ فرفعت مي عز دعوى تشهير بها ضد نيشان في دبي وربحت الدعوى. وأجرت حلقة خاصة تتباهى فيها أن القضاء العادل في دبي أنصفها. هنا لا يُمكن أن نتجاهل أي قضاء ينصف ويدعم دجالة ومحتقرة للمرأة، لكن القضاء الإماراتي وقف إلى جانب مي عز. وكم أحس بالذهول حين يُفتح باب الأسئلة وتبدأ السيدات بسؤال مي عز: “هل زوجي يحبني؟”، “هل أسامحه على خيانته؟” ومي عز تسامح الرجل (الفرعون على خيانته) وتقول بحماسة: “احتياجات زوجك غير احتياجاتك والزمي الصمت وإياك أن تعاتبيه كي لا يُطلقك.”

بالتأكيد لا أستطيع تغطية برامج ترسيخ التخلف والعودة إلى عصر الجواري؛ فهناك أكثر من مئتي قناة دينية واجتماعية تقدم إعلاماً مسموماً، ثمة برنامج يقدمه شيخ يبدو ورعاً ويدعو إلى الفضيلة، وفي كل حلقة يتناول موضوعاً (بالغ الأهمية برأيه). الحلقة التي قدمها لمدة ساعة لجمهوره العريض المسحور بكلامه وخشوعه المنافق كان عنوانها (القبلة) وبدأ كلامه بالأسف الشديد على الانحطاط الأخلاقي في الوسط الفني وتأثير هذا الانحطاط في جيل من الشباب والشابات ودفعهم إلى الرذيلة. واستهجن بشراسة تبادل القبل بين الممثلين وقال هذا “عهر،” وأكمل بسر خطير مدعياً أن الممثلين الرجال يقولون عن الممثلات النساء اللواتي يقبلن تبادل القبل مع الممثل الرجل (عاهرات)! وإن عادل إمام الذي تبادل القُبل مع كل الممثلات رفض أن تدخل ابنته الوسط الفني لأنه وسط عاهر يسمح بالتعري والإغراء والقُبل.

 لو يسأل أحد هذا الشيخ ما رأيه بالعظيمة فاتن حمامة أو شاديا وغيرهن ماذا سيقول عنهن! فاتن حمامة أثرت في أجيال من نساء في عمرها وحتى أثرت في المراهقين وبينت لهم معنى الكرامة واحترام المرأة. فيلمها الرائع (الخيط الرفيع) الذي أبدعت فيه في طرح تنمر الزوج وإذلاله لزوجته بعدم منحها الطلاق أثار موجة من الحماسة والفكر واستطاعت العديد من الزوجات الحصول على الطلاق بسبب الحماسة والحق الذي ولده في أنفسهن ونفوس القضاة هذا الفيلم. كانت فاتن حمامة تسمح بالقبلة مع العديد من الممثلين (عمر الشريف، محمود ياسين، أحمد مظهر..) لكنها بقيت مُجللة بكرامتها. غاية الفن التعبير الصادق عن الحياة، ليس من الطبيعي أن عاشقين لا يتبادلان الُقبل. قدم الشيخ المنافق الدجال مدعي العفة والوقار حلقة كاملة عن (القبلة)، وليته تكلم في هذه الساعة عن جوع وعطش وموت أطفال غزة وما يحصل في غزة، ليته تكلم عن البطالة لدى الشباب والفقر وعدم قدرتهم على الزواج.  

الخطورة الأكبر في الإعلام المسموم الذي يريد إعادة المرأة إلى عصر الجواري هو الذي تقدمه امرأة مثقفة حاصلة على دكتوراة في علم الاجتماع وفي الفقه الديني ثيابها أنيقة تتحدث ببراعة وخبث. سألتها شابة (البرنامج يسمح بالأسئلة) وصوتها يرتجف من الألم: “أنا مهندسة متزوجة منذ خمسة عشرة عاماً تجمعني بزوجي قصة حب، ولدينا طفلان أصبحا في سن المراهقة، حدث أن توفي زوج ابنة خالتي ففوجئت أن زوجي تزوج ابنة خالتي بعد أشهر قليلة لا تتخيلي جرح كرامتي وألم أولادي، أطلب نصيحتك؟” وكانت نصيحة السيدة الحاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع: “زوجك رجل عظيم عليك أن تشكريه فهو يحمي امرأة وحيدة أرملة من الرذيلة ويعتني بأطفال أيتام”. وتم قطع الاتصال حين صرخت الزوجة المجروحة: “وكرامتي!.”

الإعلام المسموم هدفه سحق كرامة المرأة وتشكيكها بنفسها وقدراتها، وإقناعها أنها كي تعيش بسلام وسعادة عليها أن تطيع السيد، الفرعون، الرجل وأن تتقبل خياناته كأنها نكته لأن حاجات الرجل الجنسية أقوى من حاجات المرأة. مع العلم أننا درسنا في الطب أن غريزة الرجل الجنسية مساوية تماما لغريزة المرأة، وأحب أن أشير إلى كتاب رائع كتبته الطبيبة الأميركية إيدا لوشان تُرجم إلى العربية بعنوان (أزمة منتصف العمر الرائعة) تتحدث فيه كيف أن الرجل يتأثر كثيراً بأزمة منتصف العمر حيث ينخفض هورمون التستوستيرون (الهورمون الذكري) إلى النصف، لذا يلجأ لإقامة علاقات مع شابات في العشرينات ليوهم نفسه أنه مازال في أوج الوهج الجنسي، أتمنى لو تخصص حلقات لهكذا كتاب رائع في الفضائيات بدل نماذج الحلقات الطاغية المذكورة أعلاه.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا