تدريباتنا

أطفال مجهولي النسب في ادلب… معاناتهم واحلامهم

by | Dec 23, 2021

كان عبد الله الحمود (32 عاماً) من مدينة الدانا يمشي سريع الخطى وسط الظلام في 10 شباط/ فبراير من العام الحالي، حين استوفقه صوت بكاء طفل في الجوار. توقف قليلاً وأشعل كشاف هاتفه الجوال لتفقد المكان، فوقعت عيناه على طفل بعمر شهر تقريباً، بلفافة بيضاء مرمي على جانب الطريق.
يقول الحمود لـ “صالون سوريا”. “لم أكن أصدق أن أحداً ما يمكنه أن يتخلى عن طفله، حتى رأيت ذلك بأمّ عيني”. ويضيف: “حزنت لحال الطفل الذي تبدو على وجهه آثار خدوش من مخالب قطط أو كلاب، وحملته بين ذراعي ومضيت به إلى المنزل، حيث قامت زوجتي بإرضاعه وتغيير ملابسه وأحاطته بالرعاية”. ويشير الحمود أنه قام في اليوم التالي بتسليم الطفل لمخفر الشرطة الموجود في البلدة للبحث عن أهله وذويه.
تزداد ظاهرة التخلي عن أطفال حديثي الولادة بشكل ملحوظ في مناطق محافظة إدلب، إذ يعمد أشخاص إلى ترك أطفال حديثي الولادة أمام المساجد أو في الحدائق العامة أو إلى جانب الطرقات، ويغادرون المكان، ليتم العثور عليهم واحتضانهم من قبل أسر مقتدرة، يوجد لديها رغبة في وجود فرد معها من خارج العائلة، علماً أن بعض الأطفال يتم العثور عليهم بعد أن يفارقوا الحياة نتيجة الجوع أو البرد. وكانت آخر حادثة فجر يوم الأربعاء 27 من تشرين الأول/أكتوبر، حين عثر شاب على جثة طفل حديث الولادة مرمياً قرب حاوية للنفايات في مدينة معرة مصرين بريف إدلب الشمالي.

اضطهاد مجتمعي
المرشدة الاجتماعية سلام عربو (34 عاماً) من مدينة إدلب، تعزو السبب الأساسي لتخلي البعض عن أطفالهم إلى الفقر والأوضاع المعيشية المتردية وعجز الكثيرين عن تأمين احتياجات أطفالهم وتحمل أعبائهم، إلى جانب التفكك الأسري، وتخلي بعض الأزواج عن أسرهم بعد سفرهم إلى خارج البلاد”. وتضيف العربو أن السبب الآخر هو “انتشار ظاهرة الزواج المبكر، وتزويج الفتيات من مقاتلين أجانب مجهولي الاسم والنسب، جاؤوا من بلدانهم إلى سوريا للمشاركة في القتال، حيث تضطر الزوجة تحت ضغط الأهل إلى التخلي عن أطفالها بعد مقتل الزوج، أو اختفائه فجأة، أو عودته إلى بلده، وخاصةً مع عجزها على رعايتهم والإنفاق عليهم، إضافة إلى أنّ هذا الطفل سيظلّ مجهول النسب وبدون أي أوراق ثبوتية”. وتشير العربو إلى سبب آخر وهو “العلاقات غير الشرعية أو تعرض بعض النساء للاغتصاب ما يدفعهن للتخلي عن المواليد، خشية تعرضهن للقتل أو العار المجتمعي”.
وتحذر عربو من “تفاقم تلك الظاهرة، وضرورة إيجاد حلول عاجلة لحماية الأطفال من الاستغلال والاضطهاد والتمييز المجتمعي الذي قد يتعرضون له باعتبارهم أطفالا لقطاء بحسب نظرة المجتمع”. وتشير أن الحلول “تكمن في عودة النازحين وتحسن الأوضاع المعيشية للأهالي، وتوعية الأسر بضرورة ترشيد الإنجاب، فضلاً عن ضرورة إطلاق حملات لرفع الوعي من أجل المساعدة في دمج هؤلاء الأطفال بالمجتمع”.

التبني “حرام”
ويقوم بعض السكان ممن يجدون هؤلاء الأطفال بضمهم إلى رعايتهم، لكنهم يواجهون مصاعب ومعوقات في تسجيل نسب هؤلاء الأطفال. جمال السلوم (39 عاماً) من بلدة أطمة الحدودية مع تركيا، بادر مع زوجته لكفالة طفل حديث الولادة تم العثور عليه على باب أحد المساجد في البلدة. وعن ذلك يقول لـ “صالون سوريا”: “بعد زواجي من ابنة عمي منذ 11 عاماً لم نرزق بأطفال، لذلك اتخذنا قرار تربية طفل تم العثور عليه في البلدة بداية عام 2021”.
ويشير السلوم أنه مازال “غير قادر على تسجيل الطفل على خانته، في دوائر النفوس المحلية التابعة لهيئة تحرير الشام، على اعتبار أنّ التبني محرّم في الدين الإسلامي، كما أنه غير قادر على التوجه إلى مناطق سيطرة القوات الحكومية السورية من أجل تسجيله خوفاً من الاعتقال”. ويضيف السلوم: “أخشى على هذا الطفل من المستقبل، لأنه سيبقى مجهول النسب، وسوف يعيش محروماً من حقوقه المدنية، من تعليم ورعاية صحية، ولن يتمكن من الحصول على أوراق ثبوتية”.

مركز “بيت الطفل”
أمام هذا الواقع ومع انتشار ظاهرة الأطفال مجهولي النسب، قام ناشطون بافتتاح مركز لرعاية هؤلاء الأطفال، وغيرهم ممن تخلت عنهم عائلاتهم بسبب الفقر والعنف الأسري. يونس أبو أمين مدير قسم إدارة الحالة في مركز “بيت الطفل”، يقول لـ “صالون سوريا”: ” مجهول النسب هو الطفل الذي عثر عليه ولم يعرف والده، أو الأطفال الذين لم يثبت نسبهم وليس لديهم معيل”. ويضيف: ” افتتحت منظمة “بيت الطفل” مركزاً لرعاية الأطفال المنفصلين عن أسرهم، والأطفال مجهولي النسب في مدينة سرمدا شمال إدلب، وقد وصل عدد الأطفال المسجلين ضمن المركز إلى 167 طفلاً، من عمر يوم واحد وحتى 18 عاماً، منهم من عملنا على لم شملهم مع أسرهم أو أسر بديلة، ومنهم من يقيمون حالياً في المركز، ويحصلون على كافة الاحتياجات من مأوى ومأكل وتعليم ورعاية صحية”. ويشير أن الطفل لحظة وصوله إلى المركز يتم تسجيله في سجلات المركز، وتحويله لقسم المأوى، ثم العمل على لم شمله مع أهله أو أقاربه أو أسرة بديلة ترغب برعايته .
ويبين أبو أمين أن المركز يضم 20 موظفاً، “يقدمون الرعاية والدعم نفسي والتعليم، ويعملون في توفير جو ملائم ومناسب للأطفال، كما يعملون على دعمهم نفسياً بهدف إخراجهم من الضغوطات النفسية الصعبة”. ويؤكد أن المركز يتلقى “تبرعات فردية شحيحة لتغطية نفقاته، رغم حاجته الماسة لتأمين دعم يكفي لفترة مناسبة للمستقبل، لأن حالات الأطفال مرتفعة الخطورة، ويحتاجون لرعاية طويلة الأمد وبالأخص الأطفال حديثي الولادة”.
كان الطفل حسن (10 سنوات) النازح من ريف إدلب الجنوبي إلى مدينة إدلب يبيت في العراء، حين صادفه أحد المارة، واتصل بفريق “بيت الطفل” الذين اصطحبوه إلى المركز لإيوائه وتأمين احتياجاته، والتواصل مع أسرته للم شمله، لكنه فضل البقاء في المركز.
وعن معاناته يقول لـ “صالون سوريا”: “بعد وفاة أمي بغارة حربية منذ سنتين، قام والدي بالزواج من امرأة أخرى، ثم سافر برفقتها إلى تركيا، وبقيت في رعاية عمي الذي يضربني باستمرار وأجبرني على ترك المدرسة والتوجه لمساعدته في ورشة تصليح الدراجات النارية، الأمر الذي دفعني للهرب من المنزل”. ويؤكد الطفل بأنه عاد إلى مقاعد الدراسة، ويتلقى الرعاية الكاملة في المركز، ويلعب مع بقية الأطفال ويتعاملون معه كأخوة”.
وعن أمنيته يقول:” أتمنى أن تعود أمي إلى الحياة، ونعود معاً إلى المنزل، لأنني أفتقدها كثيراً”.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا