تدريباتنا

أحمد برقاوي والطَّريقُ الفلسفيُّ المُستحيل

by | Jul 16, 2023

      تكمنُ مأساة أحمد برقاوي، بصفته فيلسوفاً عربيّاً معاصراً، في أنّه يتحرّك فوق أرضٍ تنهار تحته من كلِّ جانب، فهو صاحب تجربة فلسفيّة عميقة لها أبعادها الشخصيّة والأكاديمية والثقافيّة؛ لكنَّ هذه التّجربة لم تكن مُقْنِعة له على الإطلاق. إذ إنَّ فكره يتأسَّسُ رؤيويّاً ورؤياويّاً في آن على حدْسٍ أو استبصارٍ عميق لحقيقة “الأنا”. وهذا “الأنا” ليس نموذجاً يُختزلُ فيه النّوع الإنسانيّ، كما هو الحال بالنسبة إلى الإنسان الأعلى عند نيتشه، أو الأنا المتعالي عند هوسِّرل أو الدازاين عند هيدغر وإلى ما هنالك.

    إنَّ الأنا الذي يكتشفهُ برقاوي في أعماقه هو أنا جريح، وعوضاً عن أن يرتقَ هذا الجرحَ يسعى جاهداً من أجل أن يزيده اتِّساعاً؛ لأنّه يريدُ من أناه أن يزداد نزيفاً كي يزداد تطهُّراً؛ لذلك يتحوَّل موقفه من فلسفة تؤكِّد الأنا في مواجهة العالم توكيداً فارغاً، إلى فلسفة خلاصيّة ترمي إلى تقويض كلّ ما يُسهم في تكوين هذا الأنا؛ ذلك أنَّ برقاوي يصدر عن معرفة كاشفة، بالتُّراث، الذي كوَّن وعي الإنسان العربيّ المعاصر، فهو يفهمُ ما أفضى إليه هذا التُّراث من تعيُّنات معرفيّة للثقافة العربيّة، قدّمت أنماطاً من تفكير العرب بعامَّة وكثير من مثقَّفيهم بخاصّة، تنبجس ينابيعُها من القرون الأولى من الهجرة، وتلاقحت هذه الأنماطُ أنفسها مع صدى حداثة وتكنولوجيا الحضارة الغربيّة، فجاءت النتيجة، وهي المُتَفقِّه الحداثويّ التكنولوجيّ، أي الإنسان العربيّ الراهن، الذي هو ضحيّة تراث ينزعه من لحظته الراهنة ليرمي به في غياهب التاريخ، وحداثة–تكنولوجيّة غربيّة تُملي عليه كيفيّة غزو الفضاء وتفتيت الذّرة واستباق المستقبل.

     ولقد استطاع برقاوي أن يُدرك عُمق المأساة، فأناه ممزّق بين النكوص إلى تراث لم تَعُدْ تُجدي مقولاته والطُّفور إلى حداثة –تكنولوجيّة غربيّة ليس ابن جِلدتها؛ بل هو دخيل عليها. ومن هنا لم يقتنع بتأسيس نظرة جديدة إلى العالم تنبثق من نقد التُّراث على طريقة أدونيس والجابري وأركون وغيرهم؛ كما رفض رفضاً قاطعاً أن يُطبِّق المناهج الفلسفيّة الغربيّة على الثقافة العربيّة على طريقة وجوديّة عبد الرحمن بدويّ أو وضعيّة زكي نجيب محمود أو شخصانية عبد العزيز الحبابي وغيرهم. ولئن كان برقاوي الشَّاب شغوفاً بالماركسيّة في بدايات حياته الثقافيّة؛ إلا أنّه أخذ على الماركسيين العرب كافّة وفي مُقَدّمتهم صادق جلال العظم –كما تُفصح عن ذلك كتاباته المتعدّدة-أنّهم كانوا معنيين بنقد تفسير الظواهر، ولم تكن الظواهر أنفسها موضوعاً لتفكيرهم في أيّ وقت.

     كانت نقطة البَدْء الفلسفيّ عند برقاوي هي الأنا العربيّ المنكسر أو المهزوم، هذا الأنا الذي هو –في حقيقته الأصليّة-يُشبه كومة من الرُّكام خلّفتها عصور استبداديّة سابقة، وأنظمة سياسيّة معاصرة واحديّة-قمعيّة، واستسلام شبه كامل أمام الغرب الأمريكيّ-الإسرائيليّ، ودعوات سلفيّة جهاديّة ليقتل النّاس أنفسهم بأنفسهم، وانهيارات اقتصاديّة تُذَكِّر بأزمنة الطّواعين والمجاعات.

      كان لا بدّ بالنسبة إلى برقاوي، وهو لا يجد أيّ أرض صالحة لتأسيس بنائه الفلسفيّ أن يُشيِّدَ هذا البناء على أنا هو نفسه، لقد كانت صرخته الفلسفيّة مدويّة، فكتابه “الأنا” لا يقول فيه أكثر من كلمة بسيطة وعفويّة يستخدمها كل واحد منّا يوميّاً، وهي “أنا”.

    لقد أراد بتوكيده لأناه وحدَه الإنباه إلى ما هو مُهمل ومَنْسيّ ومنبوذ على المستوى الثقافيّ العربيّ، وهو هنا لا يريد الرجوع إلى الأنا من أجل تكريسه بطريقة نرجسيّة خالية من المعنى؛ بل يريد الرجوع، لأنّه لا يمكن الركون إلى أيّ شيء سوى هذا الأنا المنكسر.

      أراد برقاوي أن يضع هذا الأنا عينه في مواجهة النُّخبة العربية، دينيّاً وسياسيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، ليقلب لهذه النُّخبة ظهرَ المِجَنّ، او بالأحرى ليكشف عُرْيها وتهافتها وأجنحتها الكاذبة، فهذه النُّخبة دفعت بالإنسان العربيّ المعاصر إلى “قعرِ الحضيضِ الأوضعِ”، فقتلته وسجنته وشرّدته وهجّرته ومزّقته على جميع المستويات؛ لذلك لفظة النُّخبة هي هنا -في حقيقتها-ذات مدلول مُغاير لمعناها القاموسيّ، فهي لا يمكن أن تدلّ إلا على الرَّعاع الذين ساقوا البلاد والعِباد إلى الهلاك.

     ينبثق شُعاع ساطع من أنا برقاويّ، شُعاع يُريد من هذا الأنا المُنكسِر أن يتحوّل إلى ذات، فجاء كتابه “أنطولوجيا الذّات” إكمالاً بارعاً لكتابه “الأنا”؛ ذلك أنّه يَنْشُد إحداث نُقلة في وعي الإنسان العربيّ من أجل أن يستحيل من أنا إلى ذات.

      نفهم من كتابه “أنطولوجيا الذَّات” أو علم وجود الذَّات، أنّه استخدم الأنطولوجيا ontology وهي علم الوجود بما هو موجود، من أجل غايات واضحة بالنسبة إليه، فهو لا يهيب بهذا المصطلح ذي الأصل اليوناني، من أجل أن يستعين به، من أجل كشف معنى وجود الذّات الإنسانيّة؛ بل أُرجِّح أنّه استخدم هذا المُصطلح ليزيد المأساة عُمقاً، فتاريخ الأنطولوجيا الغربيّة بدءاً من برمنيدس (نحو 540 ق.م-480 ق.م) وصولاً إلى مارتن هيدغر (1889 م-1976 م)، وهو تاريخ محاولات الكشف عن حقيقة الوجود. إذ الأنطولوجيا هي العلم المَعني بتقديم إجابة عن السؤال الفلسفيّ الأكثر جوهريّة وهو: لماذا كان ها هنا وجود ولم يكن بالأحرى عدم؟ وجاءت الأجوبة عن هذا السؤال من قِبَلِ الفلاسفة الغربيين متنوِّعة ومتباعدة ومتناقضة إلى أقصى حدّ؛ لكنَّ برقاوي لم يخض في كتابه سجالاً مع تاريخ الفلسفة الغربيّة، إذ إنّه في ذلك لَمِنَ الزَّاهدين؛ لأنّه يعرف معرفة تامّة أن تاريخ الفلسفة الغربيّة مُغلق على نفسه، وغير قابل لإعادة النَّظر، لا لأنّه حَسَمَ مشكلة حقيقة الوجود؛ بل لأنّه تاريخ بلغ نهايته، فاكتمل، وأيّ نقاش فلسفيّ يأتي في مساره، هو نقاش خارج سياقه الحضاريّ. وهنا على وجه التحديد تأتي أهميّة برقاوي فهو لا يريد في “أنطولوجيا الذَّات” أن ينكشف معنى الوجود في ذاته، كما أراد هيدغر أن ينكشف معنى الوجود في مقولة الدازاين؛ ذلك أنَّ برقاوي كان شغوفاً إلى أقصى حدّ بتبيان أنَّ الوجود الحقيقيّ هو وجود الذَّات، وهدفه من وراء ذلك هو تقويض الوجودات الأخرى كافّةً التي تُريد العودة بهذه الذَّات إلى حالة الأنا المُنكسر، وحتى الفلسفة الغربيّة نفسها تنضاف إلى الأسباب التي أدّت إلى تغييب الذَّات الفلسفيّة العربيّة، هذه الأسباب التي يُمكن إرجاعها إلى انهيار حضاريّ تامّ على جميع المستويات، إلا أنَّ السبب الرئيس هو الأنظمة السُّلطويّة الغاشمة التي تسعى إلى تفريغ الذَّات من مضمونها الأنطولوجيّ البرقاويّ من أجل حشوها بالقشّ، لتحويل الإنسان إلى دُمية.

     أراد برقاوي وضع أنطولوجيا الذَّات من أجل مواجهة أيديولوجيا السُلطة القائمة على تكريس الدُّمى، هذه الدُّمى التي تتكلّم حينما يأذن السُّلطان، وتخرس حينما يأمر السُّلطان، وتفتك ببعضها بعضاً مرضاةً للسُّلطان. وقسْ على ذلك في كلّ شيء، تحديداً في العلاقة مع الغرب الأوروبيّ، فهذه الدُّمى أنفسها تُكَفِّر الغربيين؛ لكنها تتقمَّص حضارتهم، وتلعنهم غير أنّها تدين لهم بكلّ أسباب الحياة المدينيّة، ولذلك فتح برقاويّ أبواب الكينونة الموصدة في وجه الإنسان العربيّ من أجل أن يُحقِّق له نُقلة نوعيّة في نظرته إلى نفسه، نُقلة تحوِّلهُ من أنا منكسر إلى ذات.

    تحضر في شخصيّة أحمد برقاويّ المعاناة الوجوديّة للإنسان الفلسطينيّ، أي تحضر فيه روح الصُّعود إلى الينابيع، إنّه صعود لا يتوقّف، من أجل استعادة الذّات، أعني الذَّات المجذوذة الصِّلة بأرضها؛ ولكن لا ترمز الأرض في فكر برقاوي إلى أرض مُعيّنة، بل ترمز إلى كلّ أرض سليبة في جميع المعاني.

    إنَّ أنطولوجيا الذَّات في فكر برقاوي هي أنطولوجيا الأرض، فالذَّاتُ أرضاً والأرضُ ذاتاً، هي جدليّة حائرة في حنينها الكيانيّ العنيف إلى نداء الأعماق، ومن شدةّ شغف أحمد برقاوي بهذا النّداء، أصبح يصيح مثل الحلاج:

طلبتُ المُستَقرَّ بكلِّ أرضٍ        فلم أرَ لي بأرضٍ مُستقرّا

*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “المنعطف السوريّ”

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا