قشر البندق والفستق “اختراع” سوري ضد البرد

قشر البندق والفستق “اختراع” سوري ضد البرد

دفعت الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وفقدان الكثير من الموارد الأساسية وأهمها موارد التدفئة في فصل الشتاء وبرده القارس، دفعت المواطن في شمال وشمال غربي سوريا إلى البحث عن ابتكارات وبدائل أقل كلفة. في قشور البندق والفستق الحلبي والمدفأة الخاصة بها، وجد الكثيرون ضالتهم، أمام غلاء أسعار الحطب والديزل.

صوبة القشر
ينهمك عبد الحليم، نازح من مدينة خان شيخون في منطقة سرمدا ومجموعة من العمال في الورشة الصغيرة، بقص وتجميع مدافئ أطلقوا عليها إسم “صوبات قشر”، وسط زحمة من المعدات والآلات البسيطة والمكونات الأساسية للمدفأة. يسابقون الوقت وقد بدأ يقترب فصل الشتاء فيزداد مع اقترابه الطلب على هذا النوع من المدافئ التي تعمل على بقايا قشور الفستق الحلبي والبندق واللوز وغيرها من قشور الثمار، كونها أقل تكلفة من المازوت أو الحطب عند السوريين أصحاب الدخل المحدود.
ويقول عبد الحليم: “مع بدء إرتفاع أسعار المحروقات الخاصة بالمدافئ وأسعار الحطب في الأسواق السورية، بدأ السوريون بالبحث عن بدائل أقل تكلفة، ووجدوا أن وسيلة التدفئة بقشور البندق والفستق الحلبي وغيرها، تتناسب إلى حد ما مع دخلهم المحدود”. مضيفاً أن ذلك تزامن مع بدء انتشار هذا النوع من المدافئ “صوبات القشر”، التي تصنع عبر مراحل. تبدأ بمدفأة كانت تعمل سابقاً على الديزل، ثم يجري تفريغها وإضافة خزان صغير إلى جانبها لتعبئة القشر مع جهاز كهربائي بقوة 12 فولت ينظم وقت عمل آلة دفع القشور من الخزان إلى داخل المدفأة للحصول على الدفء.
ويضيف: “أول من ابتكر هذا النوع من المدافئ هم أهالي مدينة خان شيخون جنوب إدلب، وأهالي مدينة مورك شمال حماة قبل عدة سنوات، كون هذه المدن والقرى المحيطة بها هي الأشهر في سوريا بزراعة الفستق الحلبي وبعملية قشر ثمار الفستق. ومع الزمن ابتكر البعض هذا النوع من المدافئ، وبدأوا باستخدام القشر بعد تجفيفه كوسيلة تدفئة (نقية).
وأكمل، أنه خلال العامين الماضيين، بدأ ازدياد الطلب لدى المواطنين في شمال سوريا على هذا النوع من المدافئ، هرباً من استعمال مدافئ المازوت والحطب باهظ الثمن. استعمال صوبة القشر، ساعد على توفير نصف التكاليف خلال فصل الشتاء، (أي أنه يمكن للمواطن شراء طن من قشر الفستق الحلبي بحوالي 120 دولاراً أمريكياً وسيكون بمقدوره التحكم بهذه الكمية طيلة الفصل)، بينما صوبة الحطب لا يمكن التحكم باشتعالها فتعادل تكاليفها لدى الأسرة ما قد يصل إلى 2 طن من الحطب خلال فصل الشتاء وبرده القارس في مناطق الشمال السوري بكلفة مادية قد تصل إلى 300 دولار.

إستيراد القشر
يقول أبو ربيع وهو تاجر حر في منطقة سرمدا الحدودية، إنه مع إرتفاع أسعار الوقود الخاص بالتدفئة وأسعار الحطب، بدأ المواطن بالسعي وراء ما يساهم في التخفيف من المصاريف الحياتية اليومية، والتي تبرز صعوباتها مع قدوم فصل الشتاء كل عام، ما دفع عدداُ من التجار إلى توفير قشور الفستق الحلبي والبندق واللوز من تركيا، ونعمل على شرائها وإدخالها إلى الأسواق في شمال سوريا بأسعار تتراوح بين 120 دولاراً أمريكياً إلى 135 بحسب النوع والجودة. فعلى سبيل المثال، هناك من يرغب باستخدام قشر الفستق الحلبي كونه أكثر اشتعالاً ودفئاً في المنزل، بينما آخرون يرون أن قشور البندق أكثر حظاً في توفير الدفئ.
ويضيف، أن رغبة السوريين تزداد في استخدام قشور الفستق الحلبي والبندق واللوزيات كوسيلة للتدفئة، كونها أقل كلفة من الوقود والحطب، حيث يمكن تعبئة كمية بوزن حوالي 3 كيلو غرام من القشر في خزان المدفأة وإشعالها. وتحصل الأسرة بذلك على دفء لا يقل عن 6 ساعات متواصلة، بكفلة لا تتجاوز 4 دولارات، بينما قد تصل كلفة استخدام الحطب أو الوقود (الديزل) لذات المدة، إلى 6 أو 7 دولارات.
من جهته، يقول أبو أمجد (نازح من ريف حماة ويقيم في مدينة الدانا شمال إدلب)، إنه يضطر في فصل الشتاء إلى تركيب 3 مدافئ في منزله. مدفأة لمضافته وثانية للأسرة وثالثة لأبنائه الذين يمضون وقتهم في الدراسة. “الأمر الذي دفعنا إلى اختيار هذا النوع من مدافئ القشر و وسائل التدفئة الخاصة بها (قشور الفستق الحلبي والبندق وغيرها) منذ عامين، أنها أقل كلفة وذات آثار صحية محدودة على الأطفال، فضلاً عن أن اشتعاله في المدفأة لا يسبّب دخاناً كثيفاً كالحطب الرطب أو المازوت (الديزل) الرديء”.
ويضيف، أن كمية استهلاك القشور للمدافئ الثلاثة خلال فصل الشتاء لا تتجاوز 2 طن من القشر بقيمة 200 دولار أو أكثر قليلاً، بينما في فصول الشتاء السابقة، كان يعاني كثيراً من تكاليف التدفئة، حينما كان يعتمد على الحطب والمازوت، وقد تتجاوز التكلفة حوالي 800 دولار، ويعود السبب في ذلك إلى بطء اشتعال مادة القشر في المدفأة.
“لا شحار ولا بقع دخان أو بقايا زيوت محترقة في قعر المدفأة”، بهذه الكلمات عبرت أم جميل (52 عام) عن سعادتها بعد أن تمكنت من شراء مدفأة قشر واستخدامها في فصل الشتاء.
وتضيف: “في السنوات السابقة كان يتوجب علينا نزع المدفأة بشكل يومي عند الصباح واخراجها بعيداً عن المنزل والقيام بتنظيفها من بقايا المازوت الرديء، وما أن نعيدها إلى مكانها وإشعالها مجدداً، حتى تتكون طبقات الشحار على جدارها الداخلي والبواري، ويتسرب الدخان المزعج في الغرفة، فضلاً عن عدم اشتعال كميات لا بأس بها من المازوت وانتشاره على جوانب المدفأة، بينما اليوم أشعر بسعادة في فصل الشتاء، كنت أفتقدها سابقاً. استعمال مدفأة القشر لا يسبب أدنى إزعاج لأي فرد من أفراد اسرتي لسهولة إشعالها وانعدام الدخان المتصاعد وعدم تشكّل الشحار في البواري”.

سوريات تواجهن الموت… بالكتابة

سوريات تواجهن الموت… بالكتابة

ركّز تمكين النساء على البرامج دون المشاريع، ولم يشمل النساء المتميزات أو الحاملات لميزات قيادية أو ريادية.
تنوعت برامج دعم النساء، لكن جلّها ركّز على عناوين نمطية تحت شعار تمكين النساء، مثل الخياطة والتطريز وحياكة الصوف والتمريض والحلاقة والتجميل والدعم النفسي، حتى مشاريع التدريب في العالم الرقمي كانت مقدمة لتنمية الجانب التقني في حياتهن، وليس لإعداد نساء عاملات أو مختصات في هذا الحيّز المهم. فكانت النتيجة: لا النساء تمكنّ ولا المشاريع تجاوزت خانة الأمنيات، وكل ما تحقق اقتصر على قوائم بأسماء مكررة أحيانا للمنخرطات في هذه الورشات.
حافظت الكتابة على وصفها عملاً خاصاً بالنخبة، مع أن الرغبة بأن تصبح بعض النساء كاتبات أوسع من كل الحدود المقيدة لهذا الحلم.
تجدر الإشارة إلى أن حجم المنتج الأدبي بعد العام 2011 وخاصة ما بين 2013 و2019 كان أكبر من المتوقع وخاصة لكاتبات سوريات. نحن هنا لسنا بمجال نقد تلك التجارب من الناحية الأدبية، بل تجب الإشارة إليها كونها شكّلت ظاهرة نوعية اتسعت بسرعة ونمت بغزارة وخاصة لدى الكاتبات المهاجرات واللاجئات.
لم نسأل النساء يوماً عن رغبتهن بالكتابة. وارتبطت في المخيّلة الجمعية رغبة المرأة في الكتابة والتعبير بالعشق وبالخواطر السطحية والعابرة. لم نعترف يوماً بفعل الكتابة خارج أسوار الممنوعات والأسرار بين شابات أو مراهقات، والأهم أننا لم نعتبر فعل الكتابة عملاً يؤمّن مصدر عيش للكاتبات. لطالما شجّع الكثير من السوريين بناتهم على اختيار مهنة التعليم كمهنة حصرية مرغوبة ومناسبة للنساء، حتى عندما يتفوقن ويتمكن من تحصيل معدلات تؤهلهن لدراسة الطب. عائلات كثيرة دفعت بناتهن إلى اختيار اختصاص الطب النسائي أو الجلدية.
الحقيقة المخبأة والمتحايل عليها تقول: بأن الكتابة حلم لكثير من النساء في كافة مراحل أعمارهن، ويرددن عجزهن عن ذلك أو استسلامهن لقرارات العائلة. والحقيقة الأهم أن نساء كثيرات وخاصة الشابات يطمحن لطباعة كتب خاصة بهن!
إذن، تبدو الكتابة أكبر من حلم، ويبدو لقب كاتبة مسعى تتمنى الكثيرات الالتحاق بركبه، حتى الأميات يرددن: (لو أني تعلمت الكتابة لأصبحت شاعرة أو كاتبة سيناريو وقصص وروايات).
الأحلام قصص جاهزة تنتظر النشر
قررت صاحبة إحدى دور النشر المرخصة في دمشق، اللحاق بتلك الأحلام. دعت عشرات من النساء للكتابة. مغامرة، لاقت قبولاً عظيماً. وأتبعت خطوتها بإصدار ثلاث مجموعات متتالية لكاتبات، يكتبن للمرة الأولى عشن حياتهن حالمات بأسمائهن مدونة على صفحة في جريدة يومية أو على على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، فكيف بأسمائهن تصير حبراً على ورق!
تحولت الكتابة إلى ورشة تدار بين مجموعة خاصة بالكاتبات الحالمات واللاتي أبدين حماساً منقطع النظير، وتلهفاً للمزيد من الكتابة والتزاماً بالملاحظات والتصحيحات اللغوية.
صدرت المجموعات الثلاث على التوالي في الأعوام،2019، 2020، 2021.
أثناء التدريبات على صفحة كل مجموعة لكل كتاب، تم التعرض لكيفية كتابة نصوص حساسة للنوع الاجتماعي، كيف يمكن للنساء النجاة عبر قصصهن، النجاة من تكرار الأفعال الشاذة التي تنمط النساء في خانة محددة وتنمط الرجال في خانات أخرى. كانت فرصة لتتعرف الكاتبات على الآخر، كيف سيقرأ قصتي، كيف سيفهم ما أقصد، وعبرت الكثيرات عن رغبتهن بالكتابة لمجرد الكتابة.
احتوت المجموعة الأولى على أربع عشرة قصة لأربع عشرة كاتبة وحملت اسم “النقش على جلد المدينة”، تميزت القصص بالوجدانية وبتعدد المواضيع، لكن قضايا النساء كانت مهيمنة على المحتوى وعلى اللغة وانفعالاتها.
أما المجموعة الثانية والتي حملت اسم “نكتب لننجو”، فقد احتوت على خمس عشرة قصة لأربع عشرة كاتبة وكاتب. واللافت أن أحدهم علق بأن قصة الكاتب كانت الأكثر تعرضاً بشكل مباشر لقضايا النساء وخاصة قضية حيازة العائلة ورجالها تحديداً لجسد المرأة وبالتالي فإن الرجل هو الذي سيبرّر القتل فقط من أجل صيانة هذه الملكية وستكون النساء هن الضحايا.
يمكن القول إن المجموعتين الأولى والثانية قد تركتا الخيار مفتوحاً أمام الكاتبات والكاتب حول اختيار مضمون القصة، لكن المجموعة الثالثة شهدت تغيراً جديداً، إذ شارك فيها كاتبان وأربع عشرة كاتبة، وكانت المواضيع محددة مسبقاً وتختصّ بأشكال العنف الواقع على النساء، ويبدو عنوان المجموعة “الاختباء على الحافة” خير إشارة إلى حال النساء في مواجهة عنف متعدّد ومتسلسل ومتأصّل، كما أشارت مقدمة المجموعة إلى نظرية الرواية النسوية الأولى عبر شهرزاد وحكايات “ألف ليلة وليلة” كفعل هروب وليس كفعل نجاة.
لاقت المجموعات الثلاث استحساناً وقبولاً كبيراً، وكانت فكرة الكتابة الجماعية أكثر الأفكار تقديراً، لأنها أكدت على إمكانية المشاركة في النصوص وفي القضايا وضمن غلاف واحد، وهذا بمثابة
حلم أزلي تتوق إليه النساء في سعيهنّ إلى توحيد خطاب نسوي تشارك فيه النساء جنباً إلى جنب مع الرجال لبناء عالم أقلّ عنفاً وهمجية.
لطالما ركّزت عناوين برامج الدعم الموجّه للنساء على الأهداف الآنية وأغفلت الهدف الأسمى وهو تغيير حياة النساء نحو الأفضل.
هل تجاهلت برامج الدعم العناوين الإبداعية عمداً؟ في زحمة الحرب الدائرة يتم تسويف قضايا النساء الأساسية وتصويرها على أنها غير صالحة لهذا الزمان.
تم اختزال كل عناوين الدعم بالإعانات الغذائية المباشرة ووسائل تحصيلها وسبل العيش والدعم النفسي، على حساب عناوين إبداعية مثل الكتابة والمسرح والسينما والعروض الفنية الإبداعية والصحافة، ويمكن التأكيد على ذلك من خلال عدد الورشات وأعداد المشاركات ومن خلال النتاجات المباشرة لهذه العناوين.
السؤال: كيف يمكن تحويل الأفكار الإبداعية إلى منتج مادي تستفيد منه النساء مادياً؟ لقد أفرزت السنوات العشر الماضية مواهب خلاقة وخاصة في الإعلام المرئي والمسموع والتصوير والتحقيقات الصحفية، وقد أثبتت النساء حضوراً متكاملاً من حيث الدوافع والالتزام والعمل الجادّ على تطوير المهارات.
الحرب والخسارات، تشكّلان طاقة محفزة للحياة في مواجهة الموت. هل يمكن لفعل غير الكتابة أن يجابه الموت بالإبداع؟ إنه ليس سؤال عرضي، بل دعوة لإعلاء شأن الكتابة، لربطها بالحقوق، ولدمج الأهداف بالمشاريع.
راوغت شهرزاد عبر الحكايات لتحفظ رأسها من الجز، لكنها بقيت أسيرة القصر وأسيرة الملك.
الكتابة كفعل للنجاة، ليس لحفظ الرأس ملتصقاً بالجسد فحسب، بل لحفظ الحياة في أعلى الخيارات وأكثرها قيمة، نكتب لننجو؟ نعم وستنجو معنا الحياة بأبهى وأكثر تجلياتها عدالة، خارج حدود الجدران والصمت والتغييب.

دمشق، الأول من كانون الأول 2021

زيت الزيتون… بالقطارة

زيت الزيتون… بالقطارة

في سوريا تبدلت عادات الناس الشرائية خلال سنوات الحرب، إذ أفقد الانهيار المستمر لقيمة الليرة الكثير من السوريين أمنهم الغذائي وسط أزمات اقتصادية ومعيشية وضعتهم تحت نار اللجوء للاستدانة أو الاقتراض مما توفره مؤسسات الحكومة من قروض حياتية. 

“لم نشتر زيت الزيتون هذا العام” تقول هدى صافي، الخمسينية التي تعيش مع عائلتها في العاصمة دمشق.  “وصل سعر صحيفة الزيت لحوالي الــ 300 ألف ليرة (88 دولار أمريكي) وهو ما يفوق دخل أي موظف في سوريا سواء كان عاملاً في القطاع الحكومي أو الخاص”، تضيف هدى. خصوصاً في ظل انفلات الأسواق المحلية من أية ضوابط حكومية وتدهور الوضع المعيشي للسكان.

يلاحظ سكان مدينة دمشق أن سعر زيت الزيتون لهذا العام ارتفع أضعافاً عن العام الماضي، ما يحرم الكثير من الأسر القدرة على شرائه، إذ سجل السعر حوالي 100 ألف ليرة للصحيفة السنة الماضية بحسب عدد من السكان التقاهم “صالون سوريا”. وكشف “خطار عماد” رئيس مكتب التسويق في الاتحاد العام للفلاحين أن إنتاج الزيتون للعام الحالي أقل من العام الماضي، لافتاً إلى وجود انخفاض في الإنتاج لا يقل عن 20 % عن الموسم الماضي.

وقدرت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في الحكومة السورية إنتاج سوريا من الزيتون بأكثر من 645 ألف طن لهذا الموسم مقابل أكثر من 850 ألف طن إنتاج الموسم الماضي. أما كمية إنتاج الزيت فقدرت بــ 103 آلاف طن علماً أن مردود الزيت يمكن أن ينخفض في حال استمرت درجات الحرارة بالارتفاع عن معدلاتها الطبيعية.

أسعار مرتفعة 

تشهد مناطق سيطرة الحكومة السورية ارتفاعاً في أسعار السلع والمنتجات الغذائية ومنها زيت الزيتون الذي وصل سعر الصحيفة منه (16 ليتراً) لحوالي الـ 300 ألف ليرة للنوع الممتاز، وبحدود 250 إلى 200 ألف للنوع العادي.

وفيما اعتاد السوريون على أن يكون زيت الزيتون من أهم المواد الغذائية على موائدهم، قررت هدى وعائلتها الاستغناء عنه لهذا العام والاستعاضة  بالزيت النباتي الذي تحصل عليه من إحدى الجمعيات الخيرية التي تؤمن لها كرتونة مساعدات شهرية تتضمن مادة الزيت النباتي.  وتقول لــ “صالون سوريا”: حتى الزيت النباتي لم نعد نستطيع شراءه نظراً لسعره المرتفع، إذ يبلغ سعر العبوة واحد ليتر 8500 ليرة.

أما عائلة أبو خالد التي كانت تشتري زيت الزيتون بكميات كبيرة في السنوات السابقة، فقررت هذا العام اقتصار الشراء على 16 لتراً فقط، وتقنين استهلاكها بالحد الأدنى، واستخدام الزيت لصنع سندوتشات الزعتر للأولاد في المدرسة.

يقول لــ “صالون سوريا”: كتر خير الله استطعنا شراء بيدون واحد هذا العام بعد استدانة ثمنه من عدة أقارب. مضيفاً أنَّ أسعار الزيت لهذا العام غير منطقية نهائياً.

قروض لشراء الزيت

فيما استدان أبو خالد ثمن صحيفة زيت الزيتون، قررت سامية (44عاماً) الموظفة الحكومية الحصول على قرض لشراء 16 ليتراً من زيت الزيتون.  صرّح رئيس مكتب التسويق في الاتحاد العام للفلاحين في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أن الاتحاد سيقوم باستجرار زيت الزيتون من المحافظات المنتجة خلال مدة شهر تقريباً بعد الانتهاء من عصر الزيتون بهدف بيعه لموظفي القطاع العام بالتقسيط.

تقول سامية لــ “صالون سوريا”: قررت التوجه نحو القرض الحكومي كي أستطيع تأمين زيت الزيتون لأسرتي وقمت بإجراء معاملة القرض بضمانة راتبي للحصول على 16 ليتر من زيت زيتون بثمن 150 ألف ليرة.  وتضيف أن قرض شراء الزيت مدته ثلاثة سنوات مع فوائد. “تخيل صرنا نقترض لحتى نشتري زيت زيتون!”.

أما سامر (33عاماً) وهو موظف حكومي أيضاً فقرر وعائلته شراء زيت الزيتون لهذا العام حسب حاجته الشهرية وحسب ما يتوفر لديه من نقود، ويقول لــ “صالون سوريا”: نشتري نصف كيلو من الزيت وأحياناً نشتري بــ ألفين ليرة فقط. ويرفض سامر التقدّم بطلب قرض من مؤسسته لشراء زيت الزيتون، معتبراً أن هذا القرض “مسخرة”، إذ يحتاج لمعاملة طويلة كي يحصل عليه وإحدى شروطه هو رهن الراتب لمدة ثلاث سنوات. “ناهيك عن أنك لا يمكن أن تثق بأن يكون هذا الزيت غير مغشوش”.

المزارع غير راضٍ

يشتكي مزارعو الزيتون من ارتفاع التكاليف السنوية للعناية بحقولهم، إذ تصل كلفة الهكتار الواحد سنوياً إلى ثلاثة ملايين ليرة، إضافة إلى تكاليف السقاية ومواد مكافحة الحشرات والأسمدة والأدوية الزراعية الأخرى التي أصبحت تكاليفها عشرات الأضعاف عما كانت عليه قبل الحرب.

يقول خالد (55عاماً) وهو مزارع من ريف دمشق لــ “صالون سوريا”: إنَّ موسم هذا العام تعرض لآفة الذبابة البيضاء ما أدّى لإسقاط زهر الشجر قبل أن تنتقل لمرحلة النمو التالية.  ويضيف أن الظروف المناخية كالجفاف ساهمت في تخفيض نسبة نضج ثمار الزيتون.

ويشرح لــ “صالون سوريا” أن أجور اليد العاملة في الزيتون وأجور عصره، كلها ارتفعت بشكل كبير ما ساهم في رفع سعره. ويشير إلى أنه رغم ذلك لا زالت أسعار بيع الزيت لا تغطي كافة مستلزمات إنتاجه  وفي بعض الأحيان لا تغطي التكاليف التي ينفقها المزارع في حقله.

العيش في سوريا…فصول من الغربة

العيش في سوريا…فصول من الغربة

لا تقتصر الغربة في سوريا اليوم على السفر خارج بلاد مزّقتها الحرب.  إذ تحوّلت إقامة السوري في محافظة خارج “الحدود” الصغيرة لمسقط رأسه، بمثابة غربة داخلية فُرضت على من بقي داخل مناطق الحكومة السورية.

منذ سنوات، يعيش سهيل العامل بمديرية الاتصالات بدمشق، في غرفة مستأجرة في حي المزة، بعيداً عن أهله المقيمين في حمص. يزور أهله مرتين بالسنة، إلا إن حصل طارئ ما، وذلك لارتفاع أجور النقل بين المحافظات السورية، حيث تُكلّفه تلك المسافة القصيرة نسبياً ما يقارب العشرين ألف ليرة!

ورفعت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للحكومة السورية أجور النقل بين المحافظات عدة مرات، تزامناً مع رفع أسعار المحروقات.

معاناة سهيل لا تقتصر على دفع أجور النقل، فهو يعطي عائلته أيضاً بعض المال مما يضطره للاستدانة من زملائه ليتمكن من الصمود حتى نهاية الشهر. يقول سهيل: “أشعر بالحرج من أهلي. لا أستطيع إعطاءهم المال، لهيك قررت ما سافر إلا مرتين بالسنة، لأن كل مرة بسافر بصرف أقل شي 70 ألف ليرة وأنا راتبي 90 ألف”.

إن كانت هذه هي معاناة المسافر من دمشق إلى حمص، فكيف هو حال من يسافر إلى دير الزور إذاً؟ عبد الجواد من منطقة الميادين بريف دير الزور، يسكن في دمشق منذ عشر سنوات هرباً من ويلات الحرب، ومنذ ذلك الحين لم يزر أهله سوى مرة واحدة ويقول: “توبة ما بقا عيدها”. يتذكّر عبد الجواد كيف قرّر زيارة أهله بصحبة عائلته عام 2018، بعد أن ادّخر القليل من المال هو وزوجته. وبعد ساعات طويلة من السفر وكانوا في منتصف الطريق الفاصل بين دمشق والميادين، بدأت تتوالى الحواجز من مختلف الأطراف المتنازعة.

ألف وألفين وألف؛ “شعرت أنني في ملهى ليلي أوزّع الأموال على الراقصات ولكن خارج إرادتي”، يقول عبد الجواد إن الحواجز تطالب الركاب بدفع الأموال لتسمح لهم بالمرور. ويضيف “في النهاية ما ضل معي مصاري وهددني أحد ضبّاط الحواجز بإبني، بعدين عطيتهم ساعتي ومن وقتها حرمت سافر لعند أهلي”. يؤكد عبد الجواد أن توزيع الأوراق النقدية تكرّر معه في رحلة العودة، بعدما استدان من أهله مبلغاً كبيراً ليتمكن من تسديد فاتورة الحواجز والسفر.

من جهة أخرى، ترتفع حالات سلب الأموال عند الحواجز على اختلافها في الطرقات التي تفصل المحافظات السورية بعضها عن بعض، وأغلب تلك الحواجز يلجأ إلى ابتزاز المسافرين بمسألة التخلّف عن الخدمة العسكرية الإلزامية، حتى وإن كانت بحوزة المسافر أوراق تأجيل نظامية.

الغربة الداخلية في سوريا لا تقتصر على صعوبة التنقل بين المحافظات، بل وصلت إلى الخوف من الوقوع كضحية بين طرفين متنازعين في الحرب السورية.  أحمد من محافظة إدلب، عسكري في القوات النظامية، بعد أن ألقى القبض عليه حاجز مع انتهاء تأجيله الدراسي قبل خمس سنوات. “كنت أخطط للعودة إلى إدلب ثم السفر إلى تركيا، لكن أحد الحواجز على طريق دمشق – حمص أوقف الباص وقام بالتفتيش بشكل كبير”. ويوضح أحمد أنه منذ ذلك الحين لم يتمكّن من الذهاب إلى ضيعته في إدلب كونها خاضعة لسيطرة المعارضة، وفي حال سفره إلى هناك يتوقع أن يتم اعتقاله. يقول بحرقة: “لم أر أمي وأهلي من خمس سنوات ونحن بنفس البلد.. ما في كلام بيوصف هي الحالة”.

سهيل وعبد الجواد وأحمد ليسوا إلا جزءاً من مئات آلاف السوريين، الذين يعانون من الغربة داخل وطنهم. فالغربة ليست محصورة بمن قرّر الهرب من ويلات الحرب العسكرية والاقتصادية إلى شتى أصقاع العالم، وقد صل عدد اللاجئين السوريين في العالم إلى أكثر من 5.6 مليون؛ أبرزهم في تركيا والأردن ولبنان وألمانيا حسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أما أولئك الذين يعيشون داخل سوريا، فكثير من بينهم ينتظر فرصة للسفر ويحاول بشتى الطرق، في ظل تراجع المستوى الاقتصادي والمعيشي بشكل كبير، وكانت آخر الواجهات بيلاروسيا للوصول إلى أوروبا.

وصل آلاف المهاجرين من سوريا إلى بيلاروسيا في الشهور الأخيرة على أمل الوصول لبولندا، ومن ثم إلى دول الاتحاد الأوروبي، لكنهم اصطدموا بإجراءات مشدّدة من الشرطة البولندية وسط البرد والإذلال والجوع، ليكون قدر السوري “التعتير” داخل الوطن وخارجه.

شتاء درعا…شهر البرد والمعاناة

شتاء درعا…شهر البرد والمعاناة

يرتبط فصل الشتاء في أذهان معظم سكّان العالم بالحميمية والدفء والملابس الشتوية الأنيقة، باستثناء السوريين في جميع أنحاء سوريا. مع بدء فصل الشتاء لا تعبر مخيّلاتهم وهواجسهم سوى أفكار مرتبطة بالبرد القارس وبكيفية الحصول على أكبر قدر من الوقود للتدفئة من خلال مخصصات حكومية أو عبر جمع بعض انواع الحطب والملابس المهترئة والتي لا تغطّي غالباً سوى بضعة أسابيع من فصل الشتاء الطويل.
كما هو الحال في الأعوام الماضية، لا تستطيع حكومة النظام أن تؤمن لهذا الـعام مادة الديزل للتدفئة إلا بكميات شحيحة تكاد لا تكفي لأكثر من 20 يوماً حيث تقلصت مخصصات العائلة الواحدة إلى 50 لتراً من مادة الديزل بعد أن كانت 200 لتراً في سابقها من الأعوام.
في محافظة درعا جنوب سوريا يحدثنا خالد المسالمة (مالك محطة وقود) بعد سؤالنا له عن إمكانية توزيع دفعة ثانية من مادة الديزل : “حتى الآن لم يتم توزيع نصف الكميات المطلوبة لتغطية عدد العائلات (٥٠ لتراً لكل عائلة) فمن غير الممكن الحديث عن توزيع دفعة ثانية من مادة الديزل ما لم نستطع توزيع الدفعة الأولى على كافة العائلات وبرأيي هذا سيكون أفضل الخيارات الممكن توفيرها من قبل الحكومة فهي عاجزة عن تأمين الوقود للدوائر الحكومية والمستشفيات والمدارس، ما البال لو تحدّثنا عن تأمين دفعات أخرى من مادة الديزل على العائلات”.
يُذكر أن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام قد رفعت سعر لتر الديزل المدعوم من 180 إلى 500 ليرة، وغير المدعوم من 2400 إلى 3500 ليرة في يوليو/تموز من هذا العام بينما تجاوز سعر السوق السوداء عتبة الـ 4000 ليرة سورية لليتر الواحد.
لا تُعتبر مادة الديزل مادة رئيسة للتدفئة في محافظة درعا حيث يعتمد معظم السكان على الحطب للتدفئة نتيجة الشح الكبير في المحروقات وغلاء سعرها. إلا أن الحطب تحول مع اقتراب شتاء هذا العام إلى ترف حيث بات الحصول عليه بالنسبة للكثير من العائلات أمراً شبه مستحيل نتيجة الارتفاع الجنوني بأسعاره. بات الحطب نادراً بسبب ندرة الأشجار بعد سنوات من التحطيب المستمر ونتيجة فرض حواجز النظام العسكرية الاتاوات على نقل الحطب فبلغ ثمن طن الحطب 650 الليرة (200$) ويبلغ متوسط استهلاك العائلة طنّين خلال فصل الشتاء! أي أن العائلة تحتاج إلى مليون وثلاثمئة ألف ليرة سورية للتدفئة خلال فصل الشتاء! أي ما يعادل (400$) وهذا ما يصعب توفيره لدى الغالبية العظمى من أهالي درعا في ظل حياتهم في بلد يعتبر اقتصاده من أسوأ الاقتصادات على مستوى العالم.
أبو محمد أحد سكان مدينة صيدا في ريف درعا الشرقي يحكي لنا عن معاناته في تأمين الحطب هذا العام : “أنا أعمل في محل حدادة وأتقاضى راتباً شهرياً يبلغ ثلاثمئة ألف ليرة وهذا الراتب لا يغطي احتياجاتنا من الطعام ناهيك عن باقي مستلزمات الحياة التي لم نعد نفكر بها أساساً فكيف سأستطيع تأمين مبلغ مليون ونصف ليرة لشراء الحطب؟ مستحيل. أقوم حالياً بجمع بعض الأقمشة المهترئة والأخشاب المتناثرة على جوانب الطرقات وأقوم بتكسير بعض اللوازم القديمة من منزلي للتدفئة خلال الأيام الأشد برداً. وأعتمد في معظم هذه الأيام على تغطية الأولاد بلحف النوم المصنوعة من الصوف عوضاً عن تشغيل مدفئة الحطب في الأيام الأقل برودة”.
لا تنتهي معاناة الأهالي عند توفير الحطب ومواد التدفئة المختلفة فتأمين اللباس الشتوي للأطفال يشكّل هاجساً كبيراً لمعظم السكان. حيث بلغ سعر المعطف لطفل في عمر ٨ سنوات 90 ألف ليرة. تقول أم محمد من أهالي مدينة درعا البلد: “لا نعلم كيف سيمرّ علينا الشتاء هذا العام فبعد عودتنا إلى منزلنا عام 2019 وجدناه مدمراً نسبياً وقد نُهب بشكل كامل. كان خاوياً تماماً، حتى النوافذ والأبواب اقتلعت. قمنا بسدّ النوافذ بأكياس من النايلون وبعض الأقمشة وهذا العام لا يوجد مازوت ولا حطب. كنت ألجأ في الأعوام السابقة إلى شراء معاطف جيدة لأطفالي تقيهم برودة الطقس في المنزل ولدى خروجهم منه. إلا أنني عاجزة هذا العام عن شراء الألبسة الشتوية فسعر المعطف الرديء تجاوز عتبة ال100 الف ليرة فكيف لي أن أشتري ملابس شتوية جيدة لستة أطفال! زوجي يعمل سائق سرفيس على خط درعا دمشق لا يكاد دخله يكفي لسدّ الرمق فلا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل”.
فقدان القدرة الشرائية لمواد التدفئة لدى الغالبية العظمى من السوريين في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الحطب والديزل وحتى البدائل الأقل نجاعة في التدفئة كالغاز والكهرباء لم تعد متوفرة حيث بلغ سعر جرة الغاز في السوق السوداء 110 آلاف ليرة والكهرباء لا تتوفر إلا ثلاث ساعات على مدار الـ24 ساعة.
لا يبدو أن شتاء هذا العام سيكون ضيفاً عادياً على الشعب السوري وسط ظروف اقتصادية هي الأصعب على مستوى العالم ووسط حالة فقر مدقع بين أوساط السكان وانعدام الحلول المادية لدى غالبية الناس ناهيك عن جائحة كورونا التي تفاقم من سوء معاناة السوريين على امتداد جغرافيتهم.

كبار السن في دمشق… الحياة ثقيلة هنا

كبار السن في دمشق… الحياة ثقيلة هنا

في الحروب، يحصي المتقاتلون عدد القتلى وكأنه الإنجاز الأهم لهم، ويتبادل الصحفيون أرقام الضحايا في جداول تحتل الأهمية الأولى على شاشات الأخبار. أما السياسيون وموظفو المنظمات، فيركزون على مشاهد الدمار والدم، في ظن منهم بأنهم بذلك يدقون ناقوس الخطر.
في الحرب، وما بعدها، وحين يتوقف موسم القتل المباشر بكل صنوف الأسلحة، تبدو الصورة الواضحة للخراب. خلال استعراض هذه الصورة يكون النقص سمة عامة، الغالبية تركز على الأطفال كضحايا، وينفرد الصحفيون الاستقصائيون بذكر عدد الضحايا من النساء على حدة ومن الرجال على حدة، ويصوبون الأنظار إلى فداحة موت الأطفال والأمهات، وكأن كل الرجال مقاتلون! الضحية ضحية، مهما حاولت وسائل الإعلام التمييز بين صريع أو صريعة، بين طفل أو كهل، كل الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ترتدي هنا ثوب الإنكار لمعنى موت الأشخاص، أي شخص كان، رجلا، أم امرأة أم طفل، المعنى هنا مجرد رقم.
اللافت في الرؤية العامة للمشهد هو غياب سمة الاستمرارية والمتابعة، المشاريع آنية التخطيط ومتكررة الأهداف، والاستدامة لا تعني البناء على ما تم عمله، بل تعني استمرار التمويل واستمرار النزيف، حتى لو تكررت نفس العناوين بنفس الأساليب ولنفس الأشخاص، لا خبرات متراكمة لمشاريع طويلة الأمد وتشغيلية، تولد من لدنها فرصا متجددة تستقطب أفواجا متتالية من المستفيدين/ات من برامجها وجدواها.
تبدو المقدمة طويلة وتغص بالتفاصيل قبل الوصول للفكرة الرئيسية، لماذا وكيف تُرك كبار السن وحيدين ووحيدات؟ لماذا تضخمت مشاكلهن/م حتى شكلت مشهدا مربكا وخانقا وعاجزا؟ لماذا عجزت كل البرامج عن إدماجهم/ن في الخطط الوطنية والإنمائية بل والتكافلية؟ والمبررات هنا ضحلة وسطحية، ليسوا بذات أهمية؟ أحوالهم / ليست إسعافية، إذن هم خارج الأولويات.
يبدو أن أحدا لم يخطط مشروعا من أجلهم في الأساس، ُتركوا للعناية الإلهية أو للرعاية العائلية الهشة، أو للنسيان والتجاهل، نعم إن توصيف ما جرى ويجري هو تجاهل تام واستنكاف جمعي ومؤسساتي عن تقديم الخدمات المطلوبة لهذه الفئة من السكان.
قد يقول البعض: “الأطفال في المرتبة الأولى من الأهمية لأنهم مستقبل البلاد!” وقد يقول البعض الآخر: “إن عملية التنمية لا تتطلب إدماجهم وتتجاوزهم نحو فئات شابة أكثر حاجة للعمل وللخدمات ولمشاريع التأهيل، وأكثر انتاجا وإبداعا وأقل تكلفة”.
يتعرض كبار السن للإهمال والتهميش، وتصبح حيواتهم ثقيلة يتمنون الموت بدلا عنها، وتبقى أحوالهم أسيرة الكتمان وكأنه هروب إلى الأمام من حقيقة ساطعة وموجعة، وتتحمل النساء العبء الأكبر، مع أن بعض الرجال يقوم بخدمة نفسه وحيدا، وأحيانا يقوم على خدمة زوجته أيضا في آن معا، لغياب الداعمين والمساعدين، بل قد يضطر الرجال للعمل في مهن لا تناسب أعمارهم وأجسادهم المتعبة كشطف الأدراج أو البيع على بسطات بائسة أو التسول، عدا عن غياب الضمان الصحي الذي يؤمن الاستشفاء الكريم للمتقدمين في السن وهو حق وضرورة.
سارة سيدة سبعينية غير متزوجة وبلا عائلة، فقدت كل مدخراتها خلال عشر سنوات من الحرب المكلفة والمرعبة، منحت بيتها لإحدى الجمعيات وهو يساوي الكثير مقابل أن تنتقل إلى دار عجزة عائد لهذه الجمعية، حيث يتم الاعتناء بها و “تطبيبها” وتقديم وجبات الطعام لها، هي الآن مصابة بكسر في عنق الفخذ، لم يجروا لها عملية جراحية تحت ذريعة أن وضعها الصحي لا يحتمل إجراءها، تشعر بالغبن والندم، لا شيء يعود للوراء، بيتها صار ملك للجمعية وهي تنتظر موتها بين ساعة وأخرى، وقلبها وعقلها في مكان مختلف.
طالما تقدمت بعض المنخرطات في قضايا المرأة مقترحات عديدة لبعض الجهات الرسمية أو الأهلية أو المانحة، لتأسيس مأوى للعجزة في بعض المدن، ملجأ للنساء الهاربات من العنف والتهديد بالقتل أو من الإجبار أو الاضطرار على العودة إلى بيئات غير آمنة عائليا ومجتمعيا، مأوى للنساء الوحيدات بلا عائلة أو أقارب، أو ممن سافر أبناؤهن وتركن وحيدات أو تحت اشراف الأقارب، أو المساعدات المرافقات غير الخبيرات، أو النساء المعوزات اللاتي فقدن بيوتهن أو تم طردهن من بيوت العائلة بعد إشغالها من طوابير المهجرين وفاقدي القدرة على شراء بيوت جديدة أو استئجارها، النساء المكتئبات أو فاقدات القدرة على خدمة أنفسهن وإدارة تصاريف حيواتهن اليومية.
تعمل حلا كمرافقة صباحية لسيدة وحيدة، يتكفل ابنها باجر حلا وتتكفل ابنتها بأجر مرافقة أخرى للفترة المسائية. لا مشكلة مادية في حياة السيدة مريم، يصر ولداها على تزويد والدتهما بكل شيء أساسي وكمالي، يدللان المرافقتين ويرسلان الهدايا لهما، كل أدوية الأم مرسلة من كندا حيث يقيم الولدان، لكن السيدة مريم لم تعد قادرة على تحمل وجود أيا من المرافقتين معها، تصرخ بهما، ترفض مساعدتهما، لا تسمح لهما بالأكل ، وقد تعرضتا للطرد من قبلها عدة مرات، شخص الطبيب النفسي إصابة السيدة مريم باكتئاب حاد وحاجة ماسة لمتابعة علاجها في مركز متخصص يضم أقرانا للسيدة مريم، شركاء وشريكات بنشاطات مختبرة وضرورية، باتت السيدة مريم مصدر خطر على نفسها وعلى المرافقتين، مما استدعى قدوم ابنتها من كندا وإغلاق بيت العائلة وإيداع والدتها في مركز غير مؤهل للعلاج والدعم النفسي، تعالج السيدة مريم بالإبر المهدئة والأدوية التي تكبح نشاطها البدني وردود أفعالها الطبيعية، بدلا من النشاطات المعاوضة والدائمة ، علاج متخلف وقاس، ولا يلبي إنسانية العلاج، لكن ما باليد حيلة ، هكذا تقول ابنتها وهي تبكي لأن والدتها لم تتعرف حتى إلى ابنتها.
وماذا عن كبار السن فاقدي الملكية والذين يضطر بعضهم للنوم في الحدائق أو في زوايا الأرصفة أو مداخل الأبنية؟ ماذا عن كبيرات السن اللواتي لم يفكر أحد ذات يوم بدمجهم في نشاط اقتصادي مدر للدخل، ليتم بعده تسويق ما صنعته أيديهم، فيؤمن لهم دخل داعم وإحساس بجدوى العمل وجدوى الحياة.
تعيش سامية وكأن حياتها كلها برنامج من المناوبات الليلية، كل يومين في بيت اخت لها، فقدت بيتها ولا تملك مالا لدفعه بدلا للإيجار، اجتمعت الأخوات الأربع وقررن أن تنام في بيوتهن بالدور، تحاول قضاء يومها في الطرقات أو في الأسواق الشعبية أو في الحدائق الحزينة والمكتظة بالغرباء مثلها، لتخفف من ثقل وجودها، تنسى في أي بيت تركت معطفها البني أو خفها المنزلي المريح، لا تفتح الثلاجة في أي بيت تنام فيه، وثيابها المتسخة يتعذر غسلها حسب الحاجة، عليها انتظار شقيقاتها ليسألنها عما ترغب بغسله. خارج الفهم الحقيقي لعملية التنمية، وتراكما لقاعدة تمييزية تخرج كبار السن من دائرة الأحقية بالرعاية، وبأن هذه الرعاية هي تنمية مجتمعية ترفع مستوى الحياة بشكل عام وتؤسس لتعاقد مجتمعي تشاركي ومؤسساتي، تغدو الحيلة ثقيلة، مرعبة وغادرة، وثقل الحياة غير قابل للتليين أو التخفيف، لأنه يحرم فئة واسعة ومهمة من حقوقها الإنسانية الأساسية.
تكاد أن تخلو البلاد من فئاتها الشابة أثناء الحروب وبعدها، وتبقى فئة المتقدمين/ات بالسن فئة واسعة العدد وخارج المشاركة، وقد يكسبها المجتمع لو استثمرت طاقاتها الحية ولو وظفت خبراتها المتراكمة في إحداث تواصل معرفي ووجداني منتج، لابد من تخفيف وطأة الحياة الثقيلة ودعم كبار السن، ليس من أجل حياة أكثر عدلا وإنسانية، بل من أجل مساواة مواطنية، حقيقية وبناءة.
وإن كانت الحروب هدامة، فالمساواة وحدها الكفيلة بالبناء، التنمية عملية متواصلة وتعنى بالجميع، أطفالا وشبابا وكهولا.

دمشق في 30 أيلول 2021

 الصورة: محمد تاج الدين، دمشق