بواسطة Jamal Saeed | فبراير 12, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
تشكلت حركات اليسار الجديد ومن بينها رابطة العمل الشيوعي، في سياق -أعتقد- أن من بين أهم ملامحه العربية هزيمة حزيران/يونيو 1967 المدوية، التي تركت أثراً موجعاً للغاية في المجتمعات العربية، وعلى نحو خاص في مصر وبلدان المشرق العربي، حيث أوقدت وعود الإعلام القومي (الناصري والبعثي) حماس وآمال وإيمان الجماهير بالتحرير.
بعد الهزيمة، أعادت النخب التي لم يشلها اليأس، طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بتحرير الأراضي العربية المحتلة، وإقامة نظام يضمن العدالة الاجتماعية، وطرحت مشكلات المجتمعات العربية التي تفتقر إلى الديمقراطية والحداثة والعقلانية، محاولة الإجابة عن أسئلة ترتبط بكيفية الالتحاق بركب الحضارة العالمية لتتحرر المجتمعات العربية من الفقر والجهل والتخلف، وكيفية إقامة نظام يضمن حرية التعبير وتشكيل الأحزاب وإشراك الشعوب فعلياً في اجتراح الحلول لتجاوز أزمات تلك المجتمعات.
ازداد عدد الفصائل اليسارية في منظمة التحرير الفلسطينية، ومثلت تلك الفصائل أحد الأطر المهمة للنضال والحوار ولملمة الأحلام الوطنية والقومية ضمن لبوس ماركسي هذه المرة، كما شهدت حقبة نهاية الستينيات أحداثاً ألهبت العواطف وخصوصاً لدى الشباب: من بينها مقتل غيفارا وتحوله إلى أيقونة عالمية، وثورة 1968 في فرنسا، ومواقف النخب الأوربية منها، وفي الوقت نفسه برزت تيارات مختلفة ومتباينة في الحركة الشيوعية العالمية، وبدأ الخروج على النهج الستاليني، والسوفييتي عموماً، يعبر عن نفسه في أطروحات بعض الأحزاب الشيوعية في أماكن متعددة من العالم. العديد من الدلالات تشير لتعدد وصراع المفاهيم ضمن الميدان النظري والسياسي للحركة الشيوعية العالمية، من بينها أن الكثيرين كانوا يرون في الشيوعية (بصفتها نظرية ثورية) منطلقاً للخلاص العالمي، وأن كل تيار كان يرى أنه هو الممثل الأصيل للفكر الشيوعي، ومن بينها أيضاً أن الشيوعية تحولت في مواطن كثيرة من أداة نظرية إلى ضرب من ضروب الإيمان والتدين.
في هذا السياق ولدت ظاهرة اليسار الجديد العالمية، والعربية. وقد تباينت قوى اليسار في العديد من المواقف، ومن بينها “صناعة الثورات الاشتراكية”، ففي حين استلهمت بعض القوى حرب العصابات وقدست “العنف الثوري” مثل “الألوية الحمراء” في إيطاليا، و”التوبوماروس” في الأورغواي، و”بادر ماينهوف” أو جماعة “الجيش الأحمر” في ألمانيا الغربية آنذاك الساحة الفلسطينية شهدت تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقادها جورج حبش الذي اعتبر ضمير الثورة الفلسطينية أو/و رمز النقاء الثوري فيها، وعرف عنها اختطاف الطائرات، وبرزت فيها أسماء تم تطويبها كأبطال مثل وديع حداد وليلى خالد. وفي سورية حاول أعضاء المنظمة الشيوعية العربية البدء بحرب عصابات لضرب المصالح الأميركية، إلا أن المنظمة طوقت في مهدها إثر إعدام خمسة من قادتها، والحكم على أعضائها الآخرين بالسجن المؤبد.
كانت ظاهرة الحلقات الماركسية جزءاً من موجة اليسار الجديد، وقد تحدر أغلب أعضائها من أحزاب التيار القومي، الذين صبوا بعض لومهم على الأدوات المعرفية القديمة، وتابعوا بحثهم الجاد عن أخرى جديدة، ورأوا في الماركسية ضالتهم، فعكفوا على قراءة التراث الماركسي، وعلى استخدامه بصفته أداة أحياناً وبصفته عقيدة وإيماناً في أحيان كثيرة، بهدف تقديم “تحليل ملموس لواقع الملموس” للوصول إلى كيفيات وسبل التحريروالتغيير. تطورت ظاهرة الحلقات الماركسية وتزامن تطورها مع انقسام الحزب الشيوعي السوري، لحزبين يدعي كل لنفسه الشرعية التنظيمية والسياسية، وعُرف كل منهما باسم أمينه العام (جماعة بكداش وجماعة الترك).
وكانت الحلقات الماركسية في سورية تفكر بالحوار مع الشيوعيين الآخرين، ولكن قيادات الحزبين رغبت في أن ينضم أعضاء الظاهرة الجديدة إلى الحزب (سواء الترك أو بكداش) فرادى، وادعت قيادة كل من الحزبين أن حزبها هو الإطار “الحقيقي” -بحسب وصفها- للنضال الشيوعي في سورية، وحصل بكداش على صك الشرعية السوفييتي، واعتبر الترك أنه يمثل الشرعية الثورية.
في مطلع عام 1976 دخل الجيش السوري إلى لبنان بطلب من بيير الجميل وحلفائه، وموافقة جامعة الدول العربية، مع معارضة الفلسطينيين وقوى اليسار اللبناني أو ما يعرف باسم “الحركة الوطنية اللبنانية” التي كان يتزعمها كمال جنبلاط، وترك ما ارتكبه الجيش في تل الزعتر وجسر الباشا بحق المقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، تأثيراً كبيراً في تسريع تشكيل رابطة العمل الشيوعي في سورية، وهي المنظمة التي انبثقت عن اللقاء الثالث الموسع للحلقات الماركسية الذي انعقد في 28 آب 1976 في مدينة حلب.
تبنت الرابطة أغلب الموضوعات الاستراتيجية التي انبثقت عن الحلقات الماركسية، وتمت العناية بإصدارها لاحقاً في كراسات طُبعت في لبنان ليتم تهريبها إلى سوريا لاحقاً. وتدل عناوين تلك الكراسات على الموضوعات التي اهتمت بها الحلقات وهي: ملامح الصراع الطبقي العالمي، الأممية والحركة الشیوعیة العالمیة، العنف الثوري وأشكال الانتقال إلى الاشتراكیة، الثورة العربیة والحزب الشیوعي العربي، القضیة القومیة، القضیة الفلسطینیة، البرجوازیة الصغیرة والسلطة السوریة، الجبھة والتحالفات، الطبقة العاملة السوریة، الحركة الشیوعیة المحلیة، كما ألحق بهذه المجموعة كراس بعنوان: الجولان، عشر سنوات على الاحتلال.
وقد نوقشت في إطار الحلقات وفي إطار الرابطة (وهذه هي التسمية المختصرة الشائعة) موضوعات عدة من بينها: البيروقراطية في الأحزاب الشيوعية، الفرق بين التنظيم اللينيني والتنظيم الماركسي، نمط الإنتاج الآسيوي أو أنماط الإنتاج في الشرق، بالإضافة إلى تحرر المرأة وطبيعة الأسرة البطريركية إلخ ..إلخ.
لم تخل الأعوام التي امتدت منذ آذار/مارس عام 1977 حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2005 من وجود معتقلين لرابطة-حزب العمل الشيوعي في السجن، فالقمع كان سبباً جوهرياً لشل فاعلية التنظيم، ولعل حملة اعتقالات شباط/آذار فبراير/مارس 1992 التي اعتقل فيها القياديان الطبيبان: عبد العزيز الخير وبهجت شعبو وآخرين، قد شلت التنظيم، إلى أن تم إحياؤه من جديد على يد مجموعة ممن خرجوا من السجن أو عادوا من المنافي. ويفتقر التنظيم بطبيعة الحال إلى الروح الشابة النشطة التي لعبت دوراً مشهوداً في الحياة السياسية في الفترة بين 1976 و1992، وعلى نحو خاص في فترة الثمانينيات.
يطول الحديث عن علاقة الرابطة بباقي الأحزاب القومية اليسارية مثل حزب العمال الثوري وحزب البعث الديمقراطي “23 شباط” وتيار جمال الأتاسي، والاشتراكيين العرب (التيار المعارض الذي قاده عبد الغني عياش)، والتي لم تسفر عن اتفاقات قيّمة طوال فترة حكم الرئيس حافظ الأسد. ولذا سيقتصر تناول المقال لعلاقة الرابطة بالشيوعيين السوريين الآخرين.
في بداية تشكل الرابطة اتخذ الحزبان الشيوعان السوريان (بكداش والترك) موقفاً سلبياً من التنظيم الجديد الذي كرس إلغاء منصب الأمين العام، وكان لكل من الحزبين أسبابه. فبكداش متحالف مع النظام تحالفاً يباركه الرفاق السوفييت، ويرى في من يعارض النظام خادماً للإمبريالية العالمية، ومن جهة أخرى كانت النسخة البكداشية من الحزب تعاني حالاً من الترهل النضالي، لا يقبل بموجبه الروح الكفاحية العالية لشيوعيين آخرين إلا بصفتها مرضاً يسارياً طفولياً يخدم العدو الإمبريالي في المحصلة. أما العلاقة بين الرابطة والمكتب السياسي (الاسم الذي يميز جماعة رياض الترك) فكانت تناحراً وتنافساً، وأعتقد أن التنظيمين ادعيا الشرعية الثورية. ومع ذلك رفض الترك عرضاً للرابطة بالاندماج مع حزبه شريطة أن يقدم الحزب لأعضائه منبراً داخلياً يمكنّهم من طرح وجهات نظرهم السياسية والتنظيمية.
و نشأ التنظيمان بطريقتين مختلفتين فالمكتب السياسي (حزب الشعب لاحقاً) تربى سياسياً وتنظيمياً في المدرسة الشيوعية الرسمية، وخرج عليها حاملاً بعض سماتها، في حين كان من بين أسباب نشوء الرابطة- (حزب العمل لاحقاً) التصدي للبيروقراطية وعبادة الفرد والانغلاق الأيديولوجي الحاد، وهي من الأمور التي أدت إلى فشل الحركة الشيوعية الرسمية من وجهة نظر الرابطة. جرى حوار مع تيار مراد يوسف الذي انشق عن بكداش، وحمل اسم منظمات القاعدة، ومع تيار حنين نمر الذي غادر المكتب السياسي (الترك) ومع تيار بدر الدين السباعي الذي يسعى لوحدة الحزب الشيوعي السوري المبدئية، ومع كل التيارات التي انشقت عن الحزب الشيوعي لاحقاً، إلا أنها لم تسفر عن أية اتفاقات لها قيمة في الحقل السياسي، وكان أغلب الذين حاورتهم الرابطة يرون “أنها تحمل السلم بالعرض” وأنها أكثر راديكالية مما يحتمل الواقع.
في ثمانينيات القرن الماضي، وبعد تطور الصراع بين النظام والحركة الدينية (الطليعة المقاتلة والأخوان المسلمون)، كان الخلاف قد أخذ بعداً سياسياً أعمق بين الرابطة والمكتب السياسي، ففي حين رأى المكتب فيما يجري “حركة شعبية”، رأت الرابطة أن الأخوان “جزء من حلف رجعي أسود يحارب دكتاتورية عسكرية تمثل البرجوازية بيروقراطية”، ورأت أن الشعب السوري أضحى بين مطرقة النظام وسندان الأخوان، داعيةً إلى تكوين قطب شعبي ثالث، بعيداً عن الدكتاتورية العسكرية ممثلة بالنظام والحركة الفاشية ممثلة بالأخوان. رغم هذا، فإن نقطة تقاطع مهمة بقيت بين شعارات الحزبين، ففي حين كان يدعو المكتب لـ”التغيير الديمقراطي” كانت الرابطة تدعو إلى “دحر الدكتاتورية والظفر بالحريات السياسية” إلا أن الخلاف حول الصراع الذي يجري على الأرض، كان أقوى من الاتفاق النظري هنا أو هناك.
وتميز أعضاء الرابطة بروح كفاحية عالية، وخاض أغلبهم تجربة سجن مريرة أو تجربة تخفي مديدة، وتوفي بعضهم تحت التعذيب، ويعد محمد عبود الذي توفي في أواخر عام 1980 أول شهداء رابطة العمل الشيوعي، كما تميزت الرابطة بمشاركة ملحوظة من مناضلات سوريات، خضن تجربة الاعتقال المديد بدورهن. وتمتع التنظيم منذ تشكله بروح تطهرية، إذ تقرر عدم قبول أية مساعدات مادية من أي جهة، حتى من اليسار الفلسطيني، لكي لا يخضع لأحد، وكانت قيادة الرابطة تفتقر إلى عمق التجربة السياسية، حيث كانت تحل في أوقات كثيرة المطالب الاستراتيجية محل الخطوات التكتيكية. وأرى أن هناك وجه حق في وصف أغلب أعضاء الرابطة بأنهم حالمون وفرسان وشعراء أكثر مما هم سياسيون، فقد كان التنظيم عموماً أبعد القوى السياسية عن البراغماتية.
واستطاع التنظيم أن ينتشر في كل المحافظات السورية وفي أغلب البلدات والمدن، ولكن القمع الشديد والمديد شل فعاليته، كما شل فعالية باقي القوى والتنظيمات اليسارية وغيرها.
وكان يمكن للرابطة أن تطور الرؤية اليسارية المختلفة عن الرؤية اليسارية الرسمية، فقد اجتهد أعضاؤها وطرحوا أسئلة خارجة على الترسيمة السوفييتية، وعاشت الرابطة وضعاً تنظيمياً مختلفاً عن الحال الذي عرفته أحزاب اليسار، بإحلال القيادة الجماعية محل الأمين العام والقبول بتيارات مختلفة ومتباينة داخل التنظيم، على أن يضبط الفعل السياسي بالخضوع للأغلبية من جهة، وعلى أن يتاح لتيارات الأقلية وأهمها التيار التروتسكي، منبراً داخليا (جريدة داخلية) تعبر فيها عن رأيها، وتسعى لاستقطاب أعضاء الحزب والتحول إلى أكثرية إن استطاعت.
أما الآن، فيبدو أن الناشطين في الحقل السياسي من الشخصيات التي لعبت دوراً في تأسيس الرابطة، أصبحوا يمثلون تيارات وتوجهات متناقضة فكرياً وسياسياً: فالبعض غادر الماركسية إلى غير رجعة، لاجئاً إلى الفكر الليبرالي، في حين يرى آخرون أن الماركسية لم تنهر بانهيار جدار برلين بل البيروقراطيات الاشتراكية هي التي انهارت. وفي السياسة يصبح التمايز أشد وأقسى ، حيث تتناقض المواقف من مسائل عديدة : الموقف من التدخل الغربي في سورية، الموقف من الحوار مع النظام، الموقف من الحوار مع فصائل المعارضة الفاعلة وخصوصاً المسلحة منها. والحقيقة هي أن الذين حاوروا النظام أو اقتربوا من المعارضة المسلحة أو طالبوا بالتدخل الغربي (الأميركي خصوصاً) لا يمثلون ولا يدعون تمثيل حزب العمل الشيوعي، حيث أسس بعضهم أو انضم إلى منظمات جديدة مثل فاتح جاموس الذي تم فصله من الحزب وأسس (أو انضم إلى) طريق التغيير السلمي. وآخرون ممن يخالفون الحزب -الذي لا يزال له كيان رسمي في موقفه الرافض للتدخل الخارجي ولتسلح الثورة وتطييف الصراع- ويمكن معرفة مواقف حزب العمل الشيوعي (الرابطة سابقاً) من افتتاحيات النشرة التي يصدرها تحت عنوان “الآن” عبر صفحة الحزب على ” فيسبوك “.
تركت الرابطة ومن ثم حزب العمل الشيوعي بصمة مهمة في سياق الصراع السياسي في سورية، فهي مثال على تجمع ضم مناضلين من مختلف الطوائف والأقوام في سورية ممن توافقوا على رؤية سياسية، وفي الوقت الراهن يعد عبد العزيز الخير من أبرز معتقلي الحزب، وكان قبل اعتقاله من أبرز ناشطيه.
أرى حالياً أن حزب العمل، شأنه شأن كل القوى السورية التي تمثل العقلانية والحداثة والديمقراطية في سورية، غير قادر على لعب دور فاعل في المدى المنظور، ولا أعتقد أن هذه القوى مجتمعة، قادرة على لعب دور سياسي فاعل في ظل القمع والعنف والتطييف وتدويل الصراع الذي تشهده سورية، مع أن خلاص سورية مرتبط برأيي بالعقلانية والحداثة والديمقراطية التي تفضي إلى دولة القانون المدنية، والتي تحتاج إلى إعادة تفعيل تلك القوى.
بواسطة عامر فياض | فبراير 8, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
يلتبس تعريف اليسار في سورية، فمن النادر أن نجد حزباً يسارياً راديكالياً أو واضح الهوية والتوجه، إذ إن أحزاب اليسار بمعظمها باتت هجينة ورمادية، تفتقر إلى ماهية واضحة، حتى أنها تتماهى مع اليمين أحياناً.
يُجمع العديد من السوريين على أن أفكار اليسار خلال العقود الماضية كانت أقرب إلى “الطوباوية والوردية الحالمة”، وقد عجزت تلك الأفكار التي وعدت الناس بمجتمع مثالي عادل، عن تطبيق أيديولوجياتها وتصوراتها.
الموظف المتقاعد والشيوعي السابق خالد عماد يرى أن “جميع أيديولوجيات اليسار قد فشلت، رغم أنها بنيت على أفكار نبيلة وعادلة، وذلك لأن الممارسة لم ترتق إلى مستوى التنظير والشعارات، والتصورات جاءت من رؤيا جاهزة ومعلّبة لم تستقرئ طبيعة وظروف المجتمع السوري، ما جعلها عاجزة عن إحداث التغيير المنشود”. ويصف خالد التجربة الشيوعية السورية بأنها كانت “أشبه بعملية استيراد للشيوعية السوفيتية والعالمية، دون محاولة تكييفها وتطويعها لتتلاءم مع الواقع السوري”.
فيما تعزو خريجة علم الاجتماع عبير أبو محسن فشل أحزاب اليسار إلى “هيمنة النزعة الفردية والشللية داخل الحزب نفسه”، وتستقي رأيها هذا من تجاربها الشخصية: “معظم أعضاء الأحزاب اليسارية الذين التقيتهم كانوا يكيلون الاتهامات لبعضهم البعض ويشوّهون سمعة من يخالفهم الرأي من زملائهم، كوصفه بالعمالة للمخابرات”. وتشبّه عبير بعض الأحزاب اليسارية بـ “الطوائف الدينية”، كونها “تبني قوتها وقواعدها عبر انتقادها ونسفها للأحزاب النظيرة، وتحاكي قياداتها أدوار رجالات الدين بتكريم المقربين منها وتخوين من يشذَّ عن القاعدة أو ينتقد سلوكياتها وممارستها، كما تحتكر القيادة وتتناقلها بالوراثة، لتحاكي بذلك سياسة السلطة” بحسب أبو محسن.
وبالمقابل يرى سامر عواد، الموظف في شركة قطاع خاص، جانباً مضيئاً للتجربة الشيوعية “فهي ساهمت، رغم شللها وعجزها سياسياً، في نشر حالة من الثقافة وعادات القراءة بين الناس، وزرعت بعض الوعي والأفكار الثورية في أذهان الكثيرين، كالوقوف في وجه الظلم والسعي نحو فكرة العدالة “. ويضيف عواد “التجربة أنصفت الكثير من النساء وحررتهن من قيود الدين والمجتمع، حيث خلقت حالة مدنية في بعض المجتمعات المصغَّرة وجابهت العادات والتقاليد فيها، كما حررت بعض العقول الرجعية من التخلف، فمن نشأ في بيتٍ شيوعي كان أكثر تنوراً وثقافةً وانفتاحاً من غيره”.
أما الماركسي معتز عيسى، الذي يعمل في ورشة صناعية، فيرى أن حزب العمل هو التجربة الفدائية الوحيدة التي “اتخذت نهجاً راديكالياً مقاوماً يُذكِّر بأدبيات اليسار، في وقت نهجت فيه معظم أحزاب اليسار نهج السلطة، بل وجلست في حضنها”. مشيراً إلى أنه “كان يمكن للتجربة أن تحدث تغييراً سياسياً حقيقياً لو تمكنت من تأسيس أرضية صلبة ومتينة لها، لكن اعتقال معظم كوادر الحزب ساهم في التسريع في موت التجربة”.
اليسار بين السُبات والشلل
تم تقزيم وتقييد معظم أحزاب اليسار مع بدايات السبعينيات بضمِّها إلى “الجبهة الوطنية التقدمية” التي يقودها حزب البعث الحاكم، ويحتل أكثر من نصف مقاعد قيادتها، وهو أمرٌ “قصم ظهر اليسار وأصابه بالشلل والمرض” وفقاً لرأي المحامي ياسر (اسم مستعار) الذي يسخر من الأمر متسائلاً ” كيف ليسارٍ يدّعي مناصرة الفقراء والمظلومين والنضال ضد الاستبداد أن يكون تحت جناح حزب سلطوي؟ وكيف لقياداته أن ترضخ تحت وصاية من اشتراها بإشراكها نظرياً في بعض المناصب الهامشية والشكلية، بطريقة تضمن عجزها عن رفع صوتها السياسي أو التدخل في صنع أي قرار؟”.
ويصف المحامي ياسر انضمام الحزب الشيوعي إلى الجبهة بـ “التنازل المذل”، مشيراً إلى أنه “فتح باب الانشقاقات داخل الحزب وأسهم في انحسار نفوذه وخسارته للكثير من جماهيره التي فقدت الثقة به، فقلّ بذلك عدد المنتسبين إليه وفشل باستقطاب منتسبين جدد، باستثناء من ورث الانتماء الحزبي عن عائلته”.
ونتيجة شلل الدور السياسي للأحزاب اليسارية خلال نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، توجه معظمها نحو النشاط المدني والأهلي، كعقد عدّة اجتماعات شكلية، وتقديم الندوات والمحاضرات الثقافية، وإقامة الرحلات والحفلات الفنية، بالإضافة للاحتفال ببعض المناسبات والأعياد الوطنية.
يقول الكاتب اليساري أحمد -الذي فضل عدم ذكر اسمه الكامل- في وصف تلك المرحلة: “ابتعدت خطابات اليسار عن معترك السياسة ووجع الشعب المقموع، لتتبنى قضايا خارج الساحة السورية، كالقضية الفلسطينية ومناهضة الرأسمالية والإمبريالية العالميتين وانتقاد النفوذ الأمريكي المهيمن عالمياً”. مضيفاً” اكتفى بعض اليساريين بتشكيل تيارات سياسية ذات توجه عالمي كـ (تيار مناهضة العولمة) بالإضافة لتأسيس منتديات وتجمعات مصغرة ذات صبغة ثقافية مدنية، لا تتبنى أي خطاب سياسي”. وعن تجربة إعلام الأحزاب الشيوعية يقول الكاتب أحمد “باستثناء تجربة المناشير والجرائد السرية، كـ(الراية الحمراء ونداء الشعب(، لم يقدم الإعلام الرسمي لليسار أي خطاب سياسي فاعل أو مؤثر”. ويعطي أحمد مثالاً عن هذا جريدتي “قاسيون” و”النور”، فخطاب الأولى اقتصر برأيه على “بعض الانتقادات الخجولة، كالحديث عن الواقع المعاشي والاقتصادي وغلاء الأسعار والبطالة، فيما أفردت معظم صفحاتها للحديث عن اليسار العالمي والمشاريع الإمبريالية وغيرها”. أما جريدة “النور” فهي”تشبه الصحف الحكومية كالثورة والبعث، مع فارق أنها تتطرق إلى بعض مشاكل المجتمع والخدمات بشكل سطحي، وتتناول بعض المواضيع الثقافية وقضايا المرأة” بحسب أحمد.
اليسار بعد عام 2011
مع انطلاق الحراك الشعبي في سوريا، تلقى اليسار بمعظم أحزابه وتياراته انتقاداتٍ واسعة من قبل من توقعوا منه أن يكون في طليعة المنخرطين بالحراك أو الداعمين له على الأقل، إلا أن اليسار خذل من آمن به أو وثق بأفكاره وعجز مرة أخرى عن لعب دور فاعل، باستثناء بعض أفراده، الذين انضموا للحراك انطلاقاً من مواقف شخصية خارجة عن رؤية وتوجه أحزابهم.
يقول المهندس مازن عروة عن حال اليسار خلال هذه المرحلة “اقتصر خطاب قسم كبير منه على انتقاد تجمعات المتظاهرين الخارجة من دور العبادة، إذ رأى فيها تهديدًا للعلمانية التي يزعم أنه يتبناها، دون أن يقدم خطاباً ثورياً مدنياً بديلاً يوافق تصوراته وأفكاره التي نظَّر لها طويلاً”، ويضيف مازن ذو النشأة الشيوعية” قسم آخر غلبته النزعة البراغماتية، فركض خلف مصالحه لينال قسمته من أرض الواقع على ما في ذلك من تنازلاتٍ أيديولوجيةٍ وأخلاقية، فيما ترك بعض اليساريين، رغم نزعتهم الثورية، الساحة لقوى الأمر الواقع ليكتفوا بالتنظير والتحليل وكتابة مؤلّفاتهم”.
وبرأي الفنانة التشكيلية سلوى، التي فضلت عدم ذكر كنيتها، منحت هذه المرحلة الأحزاب الشيوعية التقليدية “فرصة ذهبية”، كان يمكن أن تعيدها إلى صفوف اليسار الحقيقي، لتسترجع احترام من فقد الثقة بها “لكنها فضلت الاستبداد المألوف على التغيير المجهول” بحسب تعبيرها.
وتنتقد سلوى، ذات التوجه اليساري، “حزب الإرادة الشعبية”، قائلةً “رغم تنظيره عن معاناة الشعب المضطهد، وقف الحزب موقف المتفرج على ما يجري في البلاد، وبدا وكأنه يعيش حالة فصام، فهو يريد أن يكون في السلطة وفي ذات الوقت يسارياً ومعارضاً لها، إذ كيف لأمينه العام أن يصبح وزيراً في الحكومة التي لطالما انتقد سياساتها سابقاً؟”.
من جهته ينتقد المدرس وليم حسون تحالفات بعض أحزاب اليسار، كتحالفها مع الأخوان المسلمين ضمن “المجلس الوطني السوري”، واصفاً تلك الأحزاب بـ”الخائنة لتاريخها النضالي”. كونها “تجاهلت فكرها وشعاراتها ومبادئها لتلتقي مع قوى يمينية ورجعية -كانت تناضل ضدها في مراحل سابقة- تحت حجة “ضرورات المرحلة” و”الغاية تبرر الوسيلة”، ويقول حسون “خضعت بعض تيارات اليسار لتبعية الغرب وسياساته وتلقت دعماً خارجياً، ما جعلها تقع في فخ الأجندات السياسية التي أوجدها المال السياسي، وبذلك حادت عن مسارها اليساري متخذةً مساراً ليبرالياً لطالما حاربته في خطاباتها السابقة”.
بواسطة علي محمد إسبر | فبراير 4, 2019 | Roundtables
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
“يُقال: إنَّ الظلامَ هو غيابُ النُّور،
ولكن في النورِ الخالصِ
لا نرى أكثر ممّا نرى في الظلامِ الخالصِ”
(لينين، خلاصة علم المنطق لهيغل)
يجب من أجل فهم القيمة الحقيقيّة للتجربة الماركسيّة في العالم العربيّ استحضار الياس مرقص؛ ذلك أنَّ طريقة تفكيره داخل اليسار العربيّ تُعَدُّ ثورة ثقافيّة على هذا اليسار نفسه، فكيف يكون الأمر إذن بالنسبة إلى بقية الاتجاهات أو التوجّهات؟
إنَّ الماركسيين العرب في رأيه مثاليون لم يعرفوا المعنى الحقيقيّ للماديّة، لذلك فشلوا في تغيير الواقع العربيّ، لكن لم يفشلوا فقط بسببٍ من عجزهم عن تحقيق أيِّ تغييرٍ سياسيّ؛ بل بسبب عجزهم أيضاً عن فهم الماركسيّة بصفتها فلسفةً تنبني، أساساً، على تغيير العالم. لذلك اضطر مرقص إلى العناية بالتفسير عوضاً عن العنايةِ بالتغيير، أي وجد نفسه مرغماً على العودة إلى موقف فلسفيّ كلاسيكيّ تناقضه الماركسيّة نفسها، أعني به التفسير؛ لكن وجدَ هذا المفكّر مسوّغاً لنزعته الماركسيّة التفسيريّة في تجاوز النزعة المثاليّة عند الماركسيين العرب، ولئن كانت تسمية الماركسيين العرب ذات عموميّة كبيرة تفتقد إلى التحديد، إلا أنها كانت مصطلحاً اعتاد مرقص على استخدامه، وهدفه من ذلك الإنباه إلى فشل الماركسيّة العربيّة بعامّة، والماركسيّة السوريّة بخاصّة.
هذا، ومن أجل الإقدام في موقف تفسيريّ عميق لم يجد مرقص ضالته في ماركس؛ بل في هيغل، أي آثر الرجوع إلى ينبوع دافق من ينابيع الماركسيّة، أعني به المثاليّة الهيغليّة، أو بالأحرى الجدل المثالي الهيغليّ، إذ اكتشفَ مرقص أنَّ ذلك ملائمٌ للواقع العربيّ، بمعنى أنّه ينبغي على الماركسيين العرب أن يتدرّبوا على فلسفة هيغل قبل التمسّك بأهداب ماركس؛ ذلك أنَّ ماركس عصيٌّ على فهمهم بمعزل عن هيغل؛ غير أنه يمكن القول: إنَّ مرقص وجد في فلسفة هيغل أمراً مناسباً لأنطولوجيا الواقع العربيّ، على أساس أنَّ هيغل فهم العالم الشرقيّ ومنه العالم العربيّ على أنّه ملكوت العهد الحيوانيّ للروح المطلق أو للفكرة الشاملة.
إذن، العالم العربيّ هو المطلق في حيوانيته، في مقابل العالمِ الجرمانيّ الذي هو المطلق في إنسانيته، علماً أنه لا قيمة للمطلق نفسه في فلسفة هيغل إذا لم يرتقِ إلى الإنسانيّة، أي إذا لم يثبت أو يُحقّق أو يؤكد ذاته في الإنسانيّة، وبما أنَّ المطلق في حيوانيته في عالم العرب، فإنَّ الماركسيّة ليست صالحة في هذا الاتجاه، لأنها متقدّمة على الثقافة العربية، إذ إنَّ الماركسيّة، أساساً، قوّضت تاريخ الفلسفات المثاليّة الغربيّة، ومنها فلسفة هيغل عندما قلب ماركس الديالكتيك الهيغليّ المثاليّ المعبّر عن عقل الألوهيّة، ليجعله ديالكتيكاً ينبثق من أعماق المادّة وينظم العالم على أساس هذا الانبثاق.
هذا، ورغم انقلاب ماركس على هيغل، إلا أنَّ مرقص عاد إلى هيغل، لكن مُؤوَّلاً على طريقة لينين في “الدفاتر الفلسفيّة”. إذن، وكما يقول مرقص نفسه في مقدمة ترجمته لكتاب روجيه غارودي فكر هيغل: “هيغل هو الماديّ، وخلفاء بوغدانوف العرب وأقرانهم في أوروبا وعلى امتداد العالم الثالث هم مثاليون ذاتيون، حاملو المثالية الأسوأ..” (١).
لم يقتنع مرقص بتنظيرات الماركسيين العرب ولا بفهمهم لمعنى الماركسيّة، إذ إنَّ تعويلهم على المنهج الماركسيّ، في حركيّة تكامله، استناداً إلى الماديّة الديالكتيكيّة والماديّة التاريخيّة والاقتصاد السياسيّ العلميّ، -أقول: إنَّ تعويلهم على هذا المنهج نفسه ليس إلا ادعاءً فارغاً؛ ذلك أنهم خدعوا أنفسهم باعتقادهم أنهم صاروا ماديين بمجرد اتخاذهم موقفاً إلحاديّاً إزاء الدِّين. غير أنّهم وقعوا في شِراك أكثر خطورة. يقول مرقص في مقدمته نفسها: “لنعترف بأنَّ أصحابنا “الماركسيين العرب صورة (كاريكاتوريّة، مضخّمة، نوعيّة، جاهلة، شرقيّة) عن وضعٍ دوليّ”(٢).
يعني كلام مرقص هنا أنَّ الماركسيّة العربيّة ضربٌ من المستحيل، إذ إنَّ مصطلح “ماركسيّة عربيّة” ينطوي على ضربٍ من السُّخرية، إذ إنّه لا يمكن تكوين أيّة ماركسيّة في مجتمعات ليست إلا انعكاساً لملكوت العهد الحيوانيّ للروح المطلق!
إنَّ مرقص يسخر سخرية مريرة من أعرق التجارب الماركسيّة في العالم العربيّ، سخرية تثير مشاعر اليأس والقنوط وفقدان الرجاء، إذ إنَّ سخريته تنبعُ من موقفٍ نقديّ لا يُعنى بأعداء الماركسيّة من العرب بقَدْر ما يُعنى بنقد الماركسيين العرب أنفسهم. ويمكن أن نجازف بالقول: إنَّ مشكلته الرئيسة تكمن في الماركسيين العرب، وليس في أعداء الماركسيّة من العرب. إنّه يواجه أبناء جِلدته من الماركسيين العرب، لأنّه معجب جداً بعبارة عميقة جداً للفيلسوف اليونانيّ هِرقليطُس قال فيها: “إنَّ العيون والآذان شهود سيئون عندما تكون النفوسُ بربريّةً”، بمعنى: أنه لن يثق بحواس أو بماديّة الماركسيين العرب، لأنَّ نفوسهم أو عقولهم مثاليّة؛ لذلك ذهب في نقده للماركسيين العرب إلى حدّ بعيد-قد يكون غير مقبول أحياناً-إذ قال في كتابه “نقد العقلانيّة العربيّة” عن خالد بكداش: “…بكداش إمام الماديّة والعلميّة والإلحاد. بكداش يجهل موقف ماركس من هذا المصطلح…-”ماديانيّة“…”(٣).
إنَّ الماركسيين العرب لم يعرفوا ماركس، لأنهم لم يفهموا معنى الوجود في جملته الجامعة على أساس لفظة بسيطة ومُركّبة في آن، أعني بها، استناداً إلى مرقص “العمل”. إذ إنَّ “العمل الخلّاق” وفقاً لاصطلاح ماركس نفسه، هو المعنى النهائيّ لوجود الإنسان، ولا يوجد، ماركسيّاً، ما هو أبعد من ذلك.
إنَّ ما يريد مرقص تأسيسه عند العرب هو أنطولوجيا ماركسيّة للعمل، أو علم وجود ماديّ للعمل، فإذا كانت الأنطولوجيا، وفقاً لتعريفها الكلاسيكيّ، هي علم الوجود بما هو موجود، فإنَّ الوجود لا يتجلّى إلا إنسانيّاً، ولأنّه كذلك، فإنّه موجود بوساطة العمل، لذلك لا يوجد مكان هنا للحديث عن علل أو أسباب أو ماهيّات يمكنَ إرجاع الوجود إليها، ذلك أنَّ الوجود في مُختلف درجاتِ تَنَاسُبِهِ أو هرميته، لا معنى له بمنأى عن الإنسان، لذلك هو-أعني الوجود-بذاته وفي ذاته ومن أجل ذاته ليس إلا إنسانيّاً، وما هو إنسانيّ لا قيمة له، إلا على أساس العمل، أو على حدِّ تعبير إلياس مرقص “الشُّغل”. إذن ما يشغلني بصفتي إنساناً هو العمل؛ ذلك أنَّ الإنسان هِرمينوطيقيّاً أو تأويليّاً، هذا إذا أخذنا التأويل بالمعنى الماديّ، أي بمعنى تفجُّر ينابيع الحقيقة الأنطولوجيّة للمادّة، هو في نهاية المطاف مادة تعمل، أو عمل يصير مادة، أي مادة تعمل على تكوين نفسها، وهنا تتجلّى نزعة مرقص الهيغليّة –هذا إن أصاب كاتب هذه السطور- أعني أنّها تتجلّى في فهم هيغل للمعنى النهائيّ للوجود: موضعة الذات وتذويت الموضوع، أي وفقاً لقلبٍ ماركسيٍّ للهيغليّة، بوساطة لينين، لا بدّ من ترسيخ العمل، أنطولوجيّاً، في الثقافة العربيّة، في أفق الصياغةِ الماركسيّة لها؛
لكن مرقص، انطلاقاً من هيغليته، يريد أن يُبيّن فشل الماركسيين العرب، لأنهم لم يؤصّلوا العمل أنطولوجيّاً، كما يريد في الوقت نفسه أن يُبيّن فشل الإسلامويين العرب، لأنهم أيضاً لم يؤصّلوا الله أنطولوجيّاً، يقول مرقص: “الله مُغيّب! لا سيما في خطاب “الأصوليين الرجعيين” الذين قرروا البقاء أو التفاعل مع الفكر القوميّ” (٤). إذن، هناك فشلٌ متضافر عند العرب، ماديّاً ومثاليّاً، أو بالأحرى، ماركسيّاً ودينيّاً، وهنا تظهر ثقافة مرقص الضاربة بجذورها عميقاً في حقيقةِ الأمور، إذ إنّه يتوسّل المعطيات كلّها، انطلاقاً من مَرجِعِيَّتيه الهيغليّة واللينينيّة، فالعالمُ العربيّ منسوجٌ بالمثاليّة والماديّة معاً، لكن الماديّة، كما فهمها لينين الذي يعاني من الطبيعة الإقطاعيّة لروسيا التي تجعله، أحياناً، يعمل على تعديل المنهج الماركسيّ الذي يحتاج لتطبيقه، ثوريّاً، إلى دولة مثل بريطانيا وليس مثل روسيا، لذلك العالم العربيّ في رأي مرقص بحاجة إلى هيغل بقدْر حاجته إلى ماركس، ولذلك هو أساساً بحاجة إلى لينين. يقول مرقص معبِّراً بذكاء بالغ عن هذا التداخل بين الماديّة والمثاليّة في العالم الشرقيّ: ” براهما (“الإله-الكلمة “) يُخيم علينا (وعلى غيرنا). واللوجوس هو، نوعاً ما، كلّ الفلسفة. اللوجوس أي الربط، العقل، النطق، الكلام، الحساب. هيراكليت، وهيبوقراط، أفلاطون وأفلوطين، القبالة اليهوديّة Kabbalah والصوفيات والباطنيات، وعرب هذا الزمان وثوارهم“(٥) .
الهوامش
١- مقدمة الياس مرقص لترجمة كتاب روجيه غارودي، فكر هيغل، دار الحقيقة، بيروت، بدون تاريخ، ص:8-9.
٢ -المصدر نفسه، المعطيات السابقة نفسها.
٣ -الياس مرقص، نقد العقلانية العربيّة، دار الحصاد، دمشق، 1997 ص:462.
٤ -مرقص، نقد العقلانيّة العربيّة، مصدر سابق، ص: 374.
٥ -مقدمة ترجمة مرقص لكتاب روجيه غارودي: فكر هيغل، ص:50.
بواسطة AlHaytham AlAtwani | فبراير 1, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
كان من أوائل الشيوعيين السوريين الذين اتسموا بثقافة موسوعية وامتلكوا منهجاً نقدياً متطوراً نقدوا من خلاله سياسة الحزب، داخلياً وخارجياً، ومواقفه من مجمل القضايا الملحة آنذاك، كما أنه من الأوائل الذين انتقدوا “عبادة الفرد”. لقد كان يحاضر في جامعة دمشق بكل ثقة دون القراءة من أي كتاب، وكان أستاذاً متميزاً مختلفاً على صعيد المعرفة والسلوك، وكان له الدور البارز في تشكيل الوعي الفلسفي لجيل من الأساتذة والطلاب، وهو من الأوائل الذين أدخلوا المنهج الجدلي الماركسي إلى قسم الفلسفة، جامعة دمشق، دون أية نزعات أيديولوجية شيوعية، وكان يسخر مما كان يسميها (النزعة التخطيطية للمنهج الماركسي المتداول)، وكان نهماً للقراءة ومقلاً جداً بالكتابة، إن مسيرته تشبه مسيرة الفلاسفة الكبار الذين لم تستوعبهم أحزابهم، مثل الياس مرقص، وروجيه غارودي وهنري لوفيفر.. وغيرهم الذين طردوا من أحزابهم الشيوعية نظراً لسعة آفاقهم المعرفية والفلسفية والعلمية والتي لا يمكن أن تتكيف مع الأطر الضيقة للأحزاب الأيديولوجية ولا لأي أيديولوجية دوغمائية.
درس في ألمانيا في مطلع الستينات من القرن الماضي، وأنجز أطروحة الدكتوراه في الفلسفة في (جامعة هومبولدث)، وهي بعنوان “الإسلام ونشأته وفرقه ومدارسه” مهتماً بالمرحلة الأولى من الإسلام، حيث كانت تتسم بالحيوية، قبل مرحلة التقديس والانقسامات، مستخدماً المنهج الماركسي بمرونته من أجل قراءة التراث العربي الإسلامي عبر تطوراته التاريخية، معتقداً أن الإسلام جاء ضمن الظروف الموضوعية التاريخية في وقته الطبيعي، وحين ظهر الإسلام في مجتمع الجاهلية العربية في أوائل القرن السابع الميلادي، لم يظهر بشكل مفاجئ منقطع الأسباب والصلات عما كان يعتمل في حياة تلك الجاهلية، أو كما كان يتحرك في ذلك المجتمع بشكل ظاهرات اقتصادية واجتماعية ودينية وبيانية، شعر، خطب، وقد آن الأوان كي يتغير ذلك المجتمع القبلي من الأساس، وكانت تلك الظاهرات، إيذاناً بالأمر المنتظر الذي سيخرج من رحم الواقع الجاهلي نفسه، لينطلق نحو العالم كله خارج شبه الجزيرة العربية، ومن هنا لم تكن المفاجأة التي حدثت، بظهور الإسلام، والتي لم تقتصر على صعيد شبه الجزيرة العربية فقط، وإن ما حدث، شكل اقتحاماً واختراقاً لأسس النظام القبلي البدائي الذي يعيش في ظله مجموعة من قبائل مبعثرة، وإن هذا التبعثر القبلي سيتحول بحكم الضرورة الموضوعية إلى كيان آخر مختلف كلياً، أي إلى زمن يتأطر فيه عرب الجزيرة بإطار من التوحيد يجمعهم نواة لشعب عربي أو يشكل إرهاصاً لأمة عربية، بهذا المعنى كان يرى أن الإسلام الأول في سياقه التاريخي شكّل نقلة نوعية تقدمية في تاريخ الفكر الديني، ومن خلال رؤيته المنهجية النقدية كان يرى بلوز، العمق الثوري للإسلام وهو ينطلق انطلاقته الكونية، منذ أربعة عشر قرناً، مستجيباً للضرورات التاريخية لحاجة أهل الجاهلية العرب، في شبه الجزيرة إلى ذلك التحول الكبير.
كان يعتقد أن الإسلام في عصرنا لا يمكن أن يقدم أجوبة على التساؤلات التي يطرحها هذا العصر، ولا يمكن أن يكون هو الحل، للقضايا الشائكة المعقدة التي تواجه الإنسان المعاصر، ربما نستطيع تكثيف مأثرته في المحاور: السياسي والمعرفي والعلمي الأكاديمي، من خلال منهجه النقدي، المفعم بطرح التساؤلات والشك في كل شيء، في زمن -عبادة الفرد- والاستكانة إلى ما يبدو أنها حقائق نهائية، وكان موقفه نقدياً من الفكر والفلسفة والدين، وحتى من نفسه، حيث كان ناقداً لاذعاً، وقد قدم دراسة نقدية عالية الأهمية لكتاب حسين مروة “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” حيث كان يتساءل دوماً، بعد قراءته لذلك الكتاب، عن مدى “حيازة التقدميين العرب لكفاءة نظرية وحرية في التحرك ورحابة في الرؤية تسمح لهم بوضع منجزاتهم الفكرية ولاسيما ما يدور منها على قضايا التاريخ الإسلامي. والحاضر العربي موضع التحليل والنقد العلميين”١. وهو يرى ضرورة مواجهة الصعوبات النظرية والسياسية مواجهة صريحة غير عابئة بشيء سوى مقتضيات الدقة العلمية ومطلب الحقيقة المضيئة للفكر والعلم، وإن هذه المراجعة النقدية البناءة التقدمية، وهذا الانصباب على الذات ليس أمراً مرغوباً فحسب بل إنه حاجة ضرورية على المستوى الفكري والسياسي، وقد يكون المستقبل مرتهناً لدرجة إسهام كل من السجال النظري الديمقراطي، والانفتاح الحي على الواقع، في صنع الوعي التنويري وصياغة الاستراتيجية العربية التقدمية، بهذه الرؤى، احتل بلوز موقعه المتميز بين المفكرين العرب، من خلال سعيه إلى ربط الفكر بالسياسة، وربطهما معاً بالواقع، عقلنة الفكر العربي وتحديثه من أجل عقلنة السياسة العربية وتحديثها، من أجل عقلنة المجتمع العربي وتحديثه مؤكداً على الدور النقدي التجديدي للفلسفة كي تكون بديلاً عن النظريات التقليدية التي تسعى لفهم الواقع وامتلاكه معرفياً فقط، بينما المطلوب هو تغيير هذا الواقع، ومن هذا المنظور النقدي قرأ العلاقة التي تربط جدل هيغل وجدل ماركس، معتقداً أن نظرية ماركس الاجتماعية ليست منفصلة عن فلسفة التاريخ الهيغلية. ومفردات العقل والحرية والتقدم تدلل على وجود التقاطعات بينهما، فالفكرة القائلة بأن التاريخ العالمي له علاقة بتوغل الحرية والعقل وتطور البشرية يمكن أن نلمح لها درجة من الترابط بين ماركس وهيغل، وقد نستطيع القول “إن الفيلسوفين يؤكدان على أن العقل يسود العالم في النهاية، وإن بأشكال مختلفة، هيغل يدع العقل والحرية يحددان العملية التاريخية، لكن ماركس يعتقد وحده أن قضاء البروليتاريا على البرجوازية يمكن أن يفهم بمثابة انتصار العقل على اللاعقل والظلم في العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية” ٢.
وقد كان بلوز يلح على الأهمية الخاصة للنشاط النقدي في دراسة النصوص ودراسة الواقع، خصوصاً في تناوله النقدي للنصوص الماركسية، فمن المعروف أن التأويلات الماركسية في الواقع العربي يمكن إجمالها في مسارين، تمثل المسار الأول في النزعة الميكانيكية التي تمظهرت من خلال التأكيد الحاسم لدور البنى التحتية (الاقتصادوية)، وينظر إلى التاريخ على أنه تقدم مطلق لا مكان للإنسان فيه، لأن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للتاريخ، بحسب هذا المنظور. والمسار الثاني يتمثل في النزعة الإرادوية، تلك التي تجعل من إرادة الإنسان محركاً للتاريخ.
وقد سعى بلوز من خلال منظوره النقدي إلى تجاوز ثنائية الاقتصادوية والإرادوية، وإلى الكشف عن علمية النظرية الماركسية بوصفها منهجاً للبحث وعبر تميزها عن الفلسفات الميتافيزيقية، المثالية الأخرى، وأراد أن يؤكد تميز الماركسية بوصفها علماً، وهذا ما بدا واضحاً في كتابيه مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، ومناهج البحث في العلوم الطبيعية، إضافة إلى كتابه، علم الجمال، الذي قدم فيه محاضرات من كتابه المترجم لجورج لوكاتش عن الألمانية (دراسات في الواقعية 1972).
وقد كان يطرح السؤال ما أهمية المنهج الماركسي، وماذا يمكن أن يقدم اليوم لليسار، وكان يظن أن الفكر الماركسي لا يزال محافظاً على طموح الشباب وقوتهم الحاسمة ولا يزال يمتلك حيوية وقدرة كبيرة على الإلهام والسعي للتغيير، وإن هذا الفكر ينطوي على حافز يهيب بنا أن نواجه مشاكل عصرنا كما واجه ماركس مشاكل عصره، حيث أن دور ماركس يتضمن منهجاً عاماً يكمن خلف المشكلات المعالجة ورؤية نظرية توجه أسلوب معالجة هذه المشكلات. إن المشاكل الملتهبة اليوم هي التي يمكن أن نسترشد بالمهنج المادي الجدلي من أجل معالجتها بروح الماركسية المعاصرة (ويمكن اعتبار الماركسية اليوم موقفاً معاصراً للثقافة الأوربية المحدثة) ٣، وقد تكون عودة ماركس بقوة الآن إلى المسرح الثقافي العالمي مؤشراً على موقف نقدي من الرأسمالية المعاصرة.
انطلاقاً من رؤاه السابقة جعل من الواقع السوري موضوع معرفة منطلقاً من علاقة الفكر بالواقع، زاعماً أن هذه العلاقة ليست ذاتية فحسب، بل هي علاقة ديالكتيكية بين الذات والموضوع، وقد سعى إلى تفكيك مقولات ترسخت في الثقافة السورية، ورؤانا الفلسفية والسياسية، من أجل النهوض بالمجتمع عبر كل مؤسساته وجامعاته من خلال التنوير والنقد، ورأى أن الكتابات الماركسية الدوغمائية مقولات روج لها على أنها تقدمية ومحايثة لروح العصر، بينما التمحيص الدقيق لها يكشف أنها أيديولوجية جامدة، تدعم سلطة النص المدافع عنه على حساب الفهم النقدي والمثمر للنص وللواقع، فالأساس النظري الذي انطلق منه بلوز هو المفاهيم الماركسية التي أعاد إنتاجها وأنتجها بوصفها أدوات بحثية، فتحولت لديه إلى دليل يكشف من خلاله، تجدد المفاهيم، ومنطق حركة التاريخ ومحاولة الإجابة على أسئلة الواقع المتجددة والمتجدد أبداً، كما أنه كان يعتقد أن ماركس في رؤيته لم يكن يهدف إلا إلى تحقيق حرية الإنسان، وهذا الهاجس نفسه هاجس بلوز، وانعتاقه من عبودية العمل، وجعله حقاً من حقوقه لا فرضاً عليه.
الهوامش
[1] – بلوز وآخرون، الماركسية والتراث العربي الإسلامي، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروتـ لبنان، 1980، ص167.
[2] – النهج، صيف 1998، السنة 14- العدد 51، بحث د. نايف بلوز بعنوان “البيان الشيوعي وعصرنا” ص103.
[3] – النهج، مرجع مذكور، ص130.
مراجع البحث
[1] – بلوز وآخرون، الماركسية والتراث العربي الإسلامي، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروتـ لبنان، 1980.
2- النهج، صيف 1998، السنة 14- العدد 51، بحث د. نايف بلوز بعنوان “البيان الشيوعي وعصرنا”.
بواسطة Gassan Nasir | يناير 28, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا الحوار ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
لا شك أنّ انهيار المنظومة الاشتراكيّة، وخصوصًا الاتّحاد السوفيتيّ، شكّل مفصلاً هاماً في التحوّلات التي شهدتها تيّارات اليسار العربيّ عامّة، والسوريّ على وجه الخصوص. لدرجة أنّ المفكر اليساريّ الراحل سلامة كيلة رأى أنّ هذا اليسار دخل “أزمة موت.” وفي سوريا التي انتفض شعبها ضدّ الاستبداد والطغيان في آذار/ مارس 2011 بقي اليسار “في الهامش”، وتجاوز الربيع السوريّ اليسار القائم في البلاد، خاصّة بعد انحدار وضع الأغلبية المجتمعية نحو الفقر والبطالة والتهميش ما أدى إلى أن تكون كلّ قوى اليسار في سوريا بعيدة عن الشعب.
وللوقوف على واقع الحال وأسبابه ومآلاته التقينا مع الكاتب والباحث الأكاديميّ في العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة سلام الكواكبي، المدير التنفيذي للمركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، ومدير بحوث ونائب مدير سابق في «مبادرة الإصلاح العربيّ» المهتمة بحركة المجتمع المدني.
غسان ناصر: أبدأ معكم بسؤالكم: ما الذي تبقى اليوم من “يساريّة” اليسار السوريّ؟
سلام الكواكبي: أخشى أن أجيب بأنّ مختلف العوامل تكاتفت على إجهاض التيّار اليساريّ السوريّ بمختلف تنويعاته منذ أمد بعيد نسبيًّا. وكذلك يؤسفني أن أشدّد على أنّ من ساهم بشكل فاعل في هذه العمليّة، هو البنية التكوينيّة هشة التقاليد الديمقراطيّة للأحزاب والجماعات اليساريّة من جهة، وكما هم بعض رموز اليسار نفسه من جهة أخرى. فالبنية الأساسيّة، قامت على قواعد غير متمكنة من المفاهيم الأساسيّة المكونة لحركة اليسار تاريخيًّا عدا استثناءات بأسمائها تم تهميشها أو القضاء عليها رمزيًّا. وصارت التجارب التوتاليتاريّة في الدول التي اغتصبت مفاهيم اليسار، وطوّرت له ممارسات شاذة، هي المرجعيّة لدى الكثير من اليسار السوريّ. أما وقد مرّ على البلاد عقود من الممارسات الأمنوقراطيّة، فقد صار اليسار مهجّرًا أو مسجونًا أو شهيدًا. ومن تبقى في المشهد العامّ، فقد كان إمّا مستقطبًا سلطويًّا أو مصابًا بنخبويّة مرضيّة عزلته عن حس وحراك المجتمع.
غسان ناصر: برأيك إلى أيّ مدى كان هذا اليسار فاعلًا في الحياة السياسيّة العامّة في سوريا بعد انقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970؟
سلام الكواكبي: لقد كان مفعولًا به ومقسّمًا ومشتتًا في الإطار العامّ. أمّا الحديث عن يساريّة الحزب الحاكم، فهو يخرجنا من الجديّة في الطرح لما من ممارساته من صفات متعدّدة لا يمكن أن تكون اليساريّة إحداها. فهي رأسماليّة الدولة الأمنوقراطيّة الزبائنيّة. ولا يمكن ربطها باليسار بأيّة صورة ولو ساهم في ذلك كتّاب السورياليّة الكبار.
أمّا الشيوعيّون الرسميّون، فإضافة إلى فساد جزء لا بأس من قياداتهم، وانصياع الجزء الآخر للخوف المهيمن، وانشقاق الجزء النقيّ ليجد نفسه مسجونًا أو منتهكًا بكلِّ الأساليب، فتجربتهم السوريّة تحتاج إلى مجلدات لا تفوح منها روائح مريحة البتة للأسف الشديد. من ظلَّ متمسكًا بمبادئه، كالماسك على الجمرة براحة الكف، فألمه لا يمكن وصفه، وتشفّي “رفاقه” النظريين به يُعتبر جزءًا لا يتجزأ من الثقافة السياسيّة التي هيمنت على المشهد السوريّ. وعلى الرغم من هذا المشهد السلبيّ للغاية، إلّا أنّ الحراك الداخليّ الوحيد الفاعل سلميًّا بعيدًا عن التجربة العسكريّة للإخوان المسلمين، كان يعتمد على الأنقياء في المجموعات اليساريّة التي غلب عليها طابع العمل السريّ والهروب المستمر من الرقابة الأمنيّة. ولكن فعاليّته لا تُذكر إلّا من خلال الإنتاج الفكريّ المتميّز. لبعض رموزه وعلى الرغم من محدوديّة انتشاره.
غياب ممارسة النقد..
غسان ناصر: ماذا عن حضور اليسار النظريّ، بعد كلِّ القمع الذي تعرض له، والفشل الديمقراطيّ العلمانيّ المتراكم في سوريا؟ والعلاقة غير السويّة بين الأحزاب اليساريّة خاصّة رابطة العمل الشيوعيّ (صار اسمها “حزب العمل الشيوعيّ”) والحزب الشيوعيّ السوريّ – المكتب السياسيّ (صار اسمه “حزب الشعب الديمقراطيّ”)؟
سلام الكواكبي: في الأساس، فإنّ العلاقة غير السويّة والتنافسيّة بطريقة الإلغاء وغير الديمقراطيّة بين مختلف رموزه ساهمت بشدة في إضعافه وفي إستضعافه. أمّا الحضور النظريّ، فقد عابه عدم ممارسته النقد، ليس الذاتيّ، فهو مطلب كبير في الثقافة المشرقيّة، بل نقد تجارب الدول التي شوهت اليسار عبر الممارسات الشموليّة المكتنزة فسادًا وقمعًا في بلدان مرجعيّته كالاتّحاد السوفييتيّ ومن دار في مساره. ومن تمت ملاحقتهم وسجنهم، فإن كان ليس من الانصاف انتقادهم عمومًا، لكنّهم في المشهد السوريّ يستحقون الإشارة إلى ممارساتهم الفرديّة وسعيهم لفرض آرائهم على مجمل المشهد الحزبيّ الذي انتموا إليه. كما برز ضعف هيكلي في عمليّة تطوير الفكر اليساريّ النظري ليُجاري الواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ والدينيّ المحليّ.
غسان ناصر: هل كان لقوى اليسار حضور في الأوساط العماليّة والفلاحيّة ما قبل الثورة، أم كانت بعيدة عن القاعدة الاجتماعيّة في عموم سوريا؟
سلام الكواكبي: اُحيل إلى كتابات المؤرخ المُجدّ أطال الله في عمره الدكتور عبد الله حنا للسعي إلى الحصول على إجابة دقيقة لا أمتلكها حول هذا التصنيف. لكنّني أعتقد بتحفّظ شديد، بأنّ الحَضور، ولأسباب موضوعيّة متشابكة، كان ملموسًا أكثر في الأوساط العماليّة عمومًا، وفي بعض الأوساط الفلاحيّة المتميّزة دينيًّا واثنيًّا.
غسان ناصر: هل استطاعت قوى اليسار أن تؤثر فكريًّا في الثقافة وتجذب الأجيال الجديدة؟
سلام الكواكبي: الجزء الأكبر من المثقّفين السوريّين يعرف نفسه باليساريّ ولكن دون أن يعرف جزء منهم ربما ما هي المعايير الدقيقة لهذا التعريف. وعمومًا، فاليسار السوريّ أنتج أدبًا وفنًا أكثر مما أُتيح له أن يُنتج فكرًا لخضوعه لمناخ مهيمن تمتزج فيه التسلطيّة السياسيّة والأمنيّة مع التركيبة الدينيّة المحافظة التي ارتاح لانهماكها في العبادات وتفاصيلها أهل الحلّ والعقد من أصحاب الرتب أو أصحاب اللحى.
اليسار كونيًّا في أزمة نظريّة وعمليّة..
غسان ناصر: أسألكم عن موقف اليسار من الأزمة السوريّة. وماذا عن الأحزاب اليساريّة التي أعلنت عن ميلادها خلال سنوات الثورة مثل (حزب اليسار الديمقراطيّ السوريّ)؟
سلام الكواكبي: ضعف اليسار السوريّ أدى به إلى خيارين أحلاهما مرّ: الأوّل، القبول بإملاءات قوى محافظة والخضوع لها في محاولة غير ذكّيّة لتبنّي الواقعيّة السياسيّة من جهة. والثاني، رفض الانخراط في العمل العامّ تأنفًا أو ترفّعًا أو تكبّرًا، والقفز في كلِّ شاردة وواردة لادّعاء امتلاك الحقّ ومعرفة مآل الفشل المتوقع وتقريع الآخرين بالقبول بفتات الموائد. وعمومًا، فالتشكيلات السياسيّة اليساريّة الجديدة لا يمكن أن يكون لها أيّة فاعلية في ظلِّ الانسحاب الجماعيّ للشباب من المشهد الحزبيّ والتوجه أكثر فأكثر نحو التجمعات المدنيّة. الانتماء إلى أيّ حزب صار أمرًا غير مغري على الصعيد الفكريّ والصعيد السياسيّ.
غسان ناصر: أين اليسار العربيّ الدوليّ من دعم الثورة السوريّة؟
سلام الكواكبي: اليسار كونيًّا في أزمة نظريّة وعمليّة، وعندما نتابع بعض مواقفه من قضايا تحرر الشعوب من الطغيان، نكاد نقول بأنّ الجانب الأخلاقيّ يمكن أن يُضاف إلى مكوّنات أزمته. فالتجربة البافلوفيّة المرتبطة بتصرفات الحيوان الجائع، وجدت لها مرتعًا خصبًا في مواقف وردود أفعال الكثير من أصحاب اليسار الأوروبيّ عمومًا والعربيّ خصوصًا تجاه الثورة السوريّة. يكفي أن نراجع في عجالة مواقف اليسار التونسيّ أو المغربيّ أو الجزائريّ، لنجد منطقًا بافلوفيًّا هائل التخلي عن المعايير الأخلاقيّة والإنسانيّة، ليتشبث بمفاهيم حجريّة تربط أوتوماتيكيًّا بين نظريّة المؤامرة وبين الإمبرياليّة وبين الإسلاميّة. وكما أنّ السعي إلى الحرّيّة والعدالة يُعتبر نظريًّا من ركائز فكر اليسار، إلّا أنّ النوم تحت بسطار العسكر والطغيان أثبت بأنّه الأكثر ممارسة ممن يدّعون وصلًا باليسار في الدول العربيّة. ما هو منتظر نظريًّا من المنتمين إلى اليسار في أن يكونوا مؤمنين بمفاهيم الحرّيّة والعدالة لأنفسهم ولأقرانهم، غاب تمامًا عن تصريحات وأفعال اليسار العربيّ الذي طالما تناول زعماؤه الطعام على موائد الطغاة من صدام حسين وصولًا إلى القذافي. وأكاد أن أجد في اليسار الأوروبيّ تميّزًا عن اليسار العربيّ في هذا المجال بحيث نجد فئات تروتسكيّة أو يساريّة معتدلة أو من ينتمون إلى “الخضر” هم من مناصري الربيع السوريّ الموؤد. في حين، من النادر أن نجد مجموعات سياسيّة يساريّة عربيّة تتبنى هذا الموقف. ربما نجد أفرادًا.
غسان ناصر: أخيرًا، برأيكم هل يمكن اليوم تأسيس يسار سوريّ جديد يحاكي تطلعات وآمال الشعب السوريّ الذي يواصل نضاله من أجل الحرّيّة والعدالة والمساواة في سوريا الجديدة؟
سلام الكواكبي: الحلّ الوحيد، إن كان من حلّ يومًا ما، هو أن يُعيد اليسار إنتاج نفسه من خلال التبنّي الكامل للديمقراطيّة، رغم عدم مثاليّتها وإشكاليّاتها وضرورة إعادة إنتاجها هي نفسها في ظلِّ الخيبات الجديدة في المشهد الكونيّ. قيم الحرّيّة والعدالة والمساواة، كما قيم الحقوق البشريّة والدفاع المبدئيّ، وليس الانتقائيّ، عنها، هي من صلب تعريف اليسار كما أراه. إنّ النمط القائم على احترام الحرّيّات وتطوير العدالة الاجتماعيّة قانونًا وممارسةً هو الأفضل لإنقاذ ما تبقى من يسار.
اليسار الفرنسيّ الذي حكم لعشرات السنين، انهار بصورة كرتونيّة في السنوات الأخيرة، فانبثق عنه متطرفون شعبويّون سرعان ما انضمّ جزء منهم إلى يمين متطرف عنصريّ لضعف تكوينيّ وهشاشة في الوعي. واليوم، تنطلق حركات يساريّة مزجت في مبادئها الحرّيّة والعدالة وحماية البيئة الكونيّة وليس الوطنيّة فحسب، وذلك على اكتاف مجموعات شبابيّة تستند إلى مقومات فكريّة واعية كحركة الفيلسوف الشاب رافائيل غلوكسمان الجديدة.
أختم بالقول بأنّ اليسار الديمقراطيّ الاجتماعيّ هو الحلّ الأنسب لمشاكل المجتمعات قاطبة.
بواسطة Wael Sawah | يناير 23, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
اليسار السوري ليس طارئاً تماماً ولكنه مستعار. ولا عيب في الاستعارة في بعض المجالات. الديمقراطية مثلاً مفهوم مستعار وكذلك الصحافة والأحزاب والتكنولوجيا، فلا عيب إذن أن يكون السوريون قد استعاروا مفهوم اليمين واليسار من الغرب الذي أعارنا السيارة والتلفزيون والكمبيوتر والفايسبوك. ثمّة من يستعير ثوبا فيكون كبيرا جدا أو يكون ضيّقا عليه. السوريون (ومعهم المصريون) كيّفوا ما استعاروه على قياسهم، فبدت الأمور عليهم وكأنها أصيلة. ولعلّ نظرة إلى الوراء ترينا كيف أجاد السوريون لعبة الديمقراطية والبرلمان والصحافة والأحزاب، وأيضا اليسار، من دون أن نغرق في نوستالجيا فارغة.
مشكلتان رئيسيتان طرأتا على كلّ ذلك، فغيّرت من وجه اليسار السوري. الأولى كانت حين تنطّح مجموعة من العسكر لقيادة ما يسمّى بحركة التحرر الوطني، التي دمجت ما بين الطبقي-الاجتماعي والوطني-القومي. وهو ما أدى إلى ضياع هوية اليسار واليمين معا. أما المشكلة الثانية فهي الصراع العربي-الإسرائيلي الذي حول القضية برمتها من جهة إلى جهة أخرى.
وإثر هزيمة حزيران 1967، حدث انقلابان كبيران في الحركة السياسية السورية والعربية عموما، انزاح فيهما جزء كبير من التيار القومي العربي نحو الماركسية، وانزاح مقابله جزء من التيار الماركسي نحو الفكر القومي. حركة القوميين العرب بمعظمها تبنت الماركسية، ووُجِدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، ووُلِد حزب العمل الاشتراكي العربي، كذراع سياسي للجبهة الشعبية في لبنان والأردن، وظهرت منظمة العمل الشيوعي في لبنان، التي قادها محسن إبراهيم وفواز طرابلسي، وتحوّل تيار صلاح جديد في سوريا تدريجا إلى الفكر الماركسي-اللينيني تدريجيا، حتى تبناه نهائيا في منتصف السبعينات. جوهر هذا الانزياح كان اكتشاف التيار القومي العربي أن “العدو القومي الرئيس لحركة التحرر العربية يتمثَّل بالإمبريالية العالمية بقيادة أميركا، والتي تستعمل إسرائيل والحركة الصهيونية” كأداة لها وأن كافة الأنظمة العربية، سواء منها الأنظمة “الرجعية” أو الأنظمة “الوطنية التي تحكمها البورجوازية الصغيرة” عاجزة عن مواجهة هذا العدو.
في المنقلب الآخر، كان تيار في الحزب الشيوعي اللبناني بقيادة جورج حاوي وتيار في الحزب الشيوعي السوري بقيادة رياض الترك يتخليان تدريجيا عن “الصَّلف الطبقي” ويريان في المسألة القومية وجاهة لا بدّ من مقاربتها. كان جورج حاوي معجبا بعبد الناصر ولينين، وقد باتت هذه المزاوجة أحد معالم الخلاف في الحزب الشيوعي بين «الأمميين» و«القوميين»، الذي أدّى في نهاية المطاف إلى انتصار «القوميين» وبدء الرحلة الجديدة للحزب الشيوعي من خلال مؤتمره الثالث 1972. أما المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري فانعقد في 1969 وشكّل بداية الخلاف بين أكثرية المكتب السياسي للحزب بقيادة رياض الترك من طرف وقيادة خالد بكداش من طرف آخر. وفي كلا المؤتمرين لعبت القضية الفلسطينية والوحدة العربية دورا بارزا.
هزيمة حزيران وتزاوج التيارين القومي والماركسي، أدى إلى جعل بوصلة اليسار السوري هي القضية الفلسطينية و”الإمبريالية العالمية”، وبات اليساريون السوريون يبنون سياساتهم ليس على واقع سوريا بل على مواقف الإمبريالية الأمريكية، حيث يتجلّى موقفهم ببساطة بمعارضة المواقف الأمريكية واتخذا مواقف معاكسة.
والأسوأ أن ذلك جعل الحدود بين السلطة السورية والمعارضة واهية جدا. والحال أنه منذ وصول البعث إلى السلطة في سوريا، اختفت الحدود الفكرية والسياسية بين الفئتين. فعلى الضد من معظم التجارب الدولية، ينتمي كلا السلطة والمعارضة إلى الجذور الاجتماعية والفكرية ذاتها. وهما، متكاملين، يشكلان جزءا مما يسمى بحركة التحرر الوطني التي ندين لها بالتغيير القسري للمجرى الطبيعي للتاريخ في العديد من الدول الآسيوية والأفريقية، والتي تقبع الآن، مصادفة، في أسفل السلم الحضاري والاقتصادي العالمي. وتعود السلطة السورية، في جذورها التاريخية على الأقل، إلى البنية الاجتماعية التي نشأت عليها المعارضة. فهي ترجع إلى الفئات الريفية التي تعلمت وهاجرت إلى المدينة، فالتحمت مع مثقفي الطبقة الوسطى المدينية الذين كانوا يبحثون عن حلول اجتماعية لمشاكلهم الروحية؛ ولقد وجدوا تلك الحلول، وهم الذين درسوا في فرنسا ودولا أوروبية أخرى، في النظريات التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك.
***
فاجأت الانتفاضة السورية المعارضة الغافية على حدود فلسطين، ولذلك تجدها فشلت في اللحاق بركب الثورة، وانقسمت بين من زايد عليها ومن بقي في منطقة الحكومة. وقد رأينا الانقسام يحدث في اليسار السوري وفي الحزب الواحد نفسه، فكثير من قواعد الشيوعيين انضمت إلى الانتفاضة بينما كان قادتها يجلسون في مكاتب الجبهة الوطنية التقدمية ويقارعون الاستعمار من هناك. وكذلك انقسم حزب العمل الشيوعي بين تيارين، انتقل أحدهما إلى صفوف الانتفاضة، بينما بقي الآخر في منطقة “الدفاع عن الوطن”.
وكما فاجأتنا الانتفاضة، فاجأنا تحوّلها إلى العنف واستخدام السلاح. ويمكن القول ثقة أن الحكومة تتحمل المسؤولية الكبرى في اللجوء إلى السلاح كحلّ، من خلال القمع الدموي العنيف للمحتجين السلميين، ولكننا لا يمكن أن نغض الطرف عن تدخلات القوى إقليمية التي كان من مصلحتها عطف الثورة باتجاه حرب أهلية.
ويسود اليوم سؤال: أكان الأمر يستحقّ كلّ ذلك؟ في مسرحية “يعيش يعيش” للرحابنة تسأل هيفا (فيروز) السؤال نفسه: “اللي بيندفع حقه ناس هو أغلى من ه الناس؟” والحال أن هذا سؤال وجودي أكثر منه سياسيا. وقد سألت نفسي هذا السؤال منذ إطلاق أول رصاصة. وانقسمت داخليا في الجواب: فالقسم الإنساني كان يؤكد بوضوح على أن لا شيء يستحقّ التضحية بطفل أو صبية أو رجل أو امرأة لهم أسرة وأصدقاء ومحبون. السياسي الذي داخلي كان يقول إن الثورة لو لم تحدث اليوم لحدثت بعد سنوات، ولكان وقعها اشد مرارة. وأعتقد اليوم أن ذلك ما سيحدث بعد سنوات أو عقود.
***
لم تقسم الحرب السورية اليسار السوري فحسب، بل واليسار العربي والعالمي أيضا. وقد رأينا في تونس مؤخرا متظاهرين يساريين يرفعون صور الرئيس السوري بشار الأسد أثناء احتجاجاتهم على حكومتهم. ومعظم اليسار الحاكم في أمريكا اللاتينية وغيرها يؤيد ما يرونه “ممانعة” سورية للإمبريالية العالمية. بالمقابل، ثمّة العديد من اليساريين والمثقفين في العالم والدول العربية الذين يقفون إلى جانب حقّ السوريين في تقرير مصيرهم وفي رفضهم لحكم أو نظام معين.
ووجد قسم آخر من اليسار، الذي يستند إلى البوصلة ذاتها، نفسه في مواقع يتحالف فيها مع تيارات إسلامية متطرفة، منها حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين. ولعلّ مرد ذلك أن هذا القسم لا يزال يهتدي بنجم الشمال الذي هو موقف هذه القوى “المعلن” من القضية الفلسطينية وإسرائيل والإمبريالية.
والآن، هل يمكن الحديث حالياً عن “يسار سوري”؟ لا يمكن للحياة السياسية ولا المجتمعية أن تتقدّم بدون حوار وجدال وصراع بين المحرك إلى الأمام والقوّة التي تريد المحافظة على الواقع. ولئن اتفق على تسمية الفئة الأولى يسارا، فإن هذه القوّة ستظلّ موجودة وستظلّ تلعب دورا في عملية التغيير. غير أن المفاهيم لن تكون ذاتها، واليسار التقليدي (وخاصة اليسار الشيوعي الذي لا يستطيع التمييز بين روسيا بوتين وبين الاتحاد السوفييتي) سيتحوّل إلى معاقل اليمين بدون خجل. أما اليسار المتجدّد الذي يرى في الحركة إلى الأمام قدر السوريين، فسيظلّ موجودا، وسوف يجمّع نفسه قريبا في حركة واضحة المعالم تسير على طريق واضح ومحدّد.