تدريباتنا

شتاء سوري طويل دون تدفئة

بواسطة | فبراير 15, 2021

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

رغم أن قسماً كبيراً من البشر حول العالم يعشقون فصل الشتاء، ويفضلونه على بقية فصول العام، إلا أن جزءاً من المواطنين السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة واللاجئين منهم في المخيمات باتوا يربطون هذا الفصل بالمعاناة في ظل البرد وبالحرمان من الدفء.

وبعد انقضاء شهري كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير)، واقتراب فصل الربيع، تمضي عائلات سورية ليالي صعبة كلما انخفضت درجات الحرارة، وتساقط المطر أو تشكل الجليد. ينتظر عابد من سكان “معضمية الشام” بريف دمشق، وصول رسالة تعبئة مازوت من شركة “تكامل” تزوده برقم للتواصل مع الموزع، إلا أنها لم تصل رغم تسجيل طلبه منذ أيلول الماضي. وعن تجربته يقول عابد: “كرهت كل ما يتعلق بالشتاء، خصوصاً عند تشكل موجات الصقيع، حصلت العام الماضي على 200 ليتر وفق دفعتين، في كل دفعة 100 ليتر، الأولى في كانون الثاني والثانية في آذار (مارس)، ادخرت منهما 75 ليتراً، بدأت استعمالها بتقشف وحذر شديدين خلال موسم الشتاء الحالي”. ويضيف “لم تكن عائلتي تشعل المدفأة إلا ساعة أو ساعتين كحد أقصى ليلاً؛ خشية نفاد كمية المازوت، ومعظم المساء كنا نلتحف بالبطانيات ونرتدي ثياباً سميكة درءاً للمرض”.

وأعلنت شركة “محروقات” في آب (أغسطس) الماضي عن استمرارها بتسجيل البطاقات وتوزيع مادة مازوت التدفئة لموسم شتاء 2020-2021، عبر البطاقة الإلكترونية العائلية بمعدل 200 ليتر لكل عائلة للدفعة الأولى في جميع المحافظات، على أن يتم توزيع الدفعة الثانية بكمية 200 ليتر بعد استكمال الدفعة الأولى. وتدير شركة “تكامل” مشروع البطاقة الذكية (الإلكترونية)، وهو يهدف إلى أتمتة توزيع المشتقات النفطية وغيرها من المواد والخدمات على العائلات والآليات في سورية، وهو مشروع عائد لوزارة “النفط والثروة المعدنية”. كما أعلنت مديرية فرع دمشق لشركة “محروقات” بأنه سيتم بدء توزيع مادة مازوت التدفئة مع دخول شهر أيلول (سبتمبر) 2020.

وتتطابق معاناة عابد مع آلاف الأسر السورية التي لم تحصل على مخصصاتها من مازوت التدفئة حتى الآن، ما يضطر بعضها للاحتيال على البرد عن طريق وسائل تدفئة أخرى، كالمدافئ التي تعمل على الغاز المنزلي، لكنه حل غير مجد، خاصة في الأرياف، إذ أصبحت مخصصات كل أسرة سورية أسطوانة غاز كل شهرين تقريباً، كما أن الأفضلية للطبخ وتسخين المياه خلال البرد، وهي في كل الأحوال لا تكفي لأكثر من عدة أسابيع تبعاً لعدد أفراد الأسرة وحجم الاستهلاك.

ويعتمد كثير من المواطنين على المدافئ الكهربائية، لكن الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي وعدم الالتزام ببرنامج التقنين المعتاد وهو رسمياً أربع ساعات قطع مقابل ساعتي وصل في ريف دمشق مثلاً، ما يعني أن ساعات التغذية، بحسب البرنامج، هي 8 ساعات، إلا أن الواقع يخالف ذلك، مع التعطل المستمر في الشبكة الكهربائية، وغياب عدالة التوزيع بين المناطق، بين دمشق وريفها مثالاً، وقد تحصل بعض البلدات والمدن على أقل من ساعتين أحياناً.

وتشتري بعض العائلات ممن تملك قدرة مالية أفضل الحطب للتدفئة، إذ تراوح سعر طن الحطب في بعض المحافظات ما بين 80 إلى 130 ألف حسب النوع والجودة. وتحتاج العائلة، حسب عدد الأفراد وكمية الاستهلاك، إلى ما بين 3 إلى 5 طن، بسعر يتجاوز 500 ألف ليرة سورية، وهي أسعار لا تتناسب كلياً مع متوسط الأجور، الذي يقترب من 60 ألف ليرة سورية في القطاع الحكومي.

وأطلقت “وزارة النفط والثروة المعدنية” منتصف شهر كانون الثاني (ينانير) من العام الجاري خدمة الرسائل النصية القصيرة لتوزيع مادة مازوت التدفئة في محافظتي دمشق وريفها. وأوضحت الوزارة، في بيان صحفي نقلته وكالة “سانا” للأنباء الحكومية، أنه سيتم إرسال رسالة نصية من الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (محروقات) إلى الرقم الشخصي للمواطن المعني يتم من خلالها إعلامه بدخول طلبه ضمن جولة التوزيع. وتتضمن الرسالة اسم سائق الصهريج ورقم جواله ليتمكن مالك البطاقة الالكترونية من التواصل مع السائق بشكل مباشر لاستلام مخصصاته. وأكدت الوزارة أن التوزيع حالياً محصور بطلبات البطاقات التي لم تستلم الدفعة الثانية من الموسم السابق وسيتم الانتقال بعد تنفيذ هذه الطلبات للطلبات الجديدة وبحسب أقدمية التسجيل.

ومع تأخر الحصول على مخصصات مازوت التدفئة المدعوم سعرها من الحكومة السورية، لجأت إسراء من سكان منطقة ركن الدين بدمشق إلى شراء حاجتها من المادة عبر “السوق السوداء”. ويبدو أن الفرق السعري كبير، إذ يبلغ سعر ليتر المازوت المدعوم 185 ليرة سورية تقريباً، في حين وصل سعر الليتر في “السوق السوداء” إلى 1300 ليرة سورية في حال توفره، مع وجود مخاطر قانونية على البائع والمشتري للتلاعب وبيع مادة مدعوم سعرها من الدولة بحسب القوانين السورية.

وكشف مصدر في شركة محروقات لتلفزيون “الخبر” المحلي منتصف كانون الثاني من العام الجاري، أنه “بلغت نسبة توزيع مادة مازوت التدفئة في مدينة دمشق 18% من مجمل الطلبات التي سجلت على المادة”. وبين المصدر أن “انخفاض الكميات الواردة من مادة المازوت أدى إلى انخفاض توزيع طلبات مازوت التدفئة إلى 35 طلباً في اليوم الواحد بدمشق، بينما كان يتم توزيع 68 طلباً باليوم الواحد العام الماضي”.

وقال مصدر في محافظة ريف دمشق لموقع “أثر برس” المحلي بداية شباط (فبراير) الجاري، إن عدد البطاقات التي وزعت مازوت التدفئة عليها بلغ 175 ألف بطاقة، من أصل 653 ألف بطاقة صادرة عن ريف دمشق”، أي بنسبة أقل من الثلث، مشيراً إلى أنه في حال استمر التوزيع بهذا البطء فسنحتاج إلى عشرة أشهر لانتهاء توزيع الدفعة الأولى من مخصصات المازوت. وأضاف أنه يصل إلى ريف دمشق يومياً نحو 36 طلب مازوت، يوزع منها بحدود 20 إلى 22 طلباً للتدفئة، أي بحدود 500 إلى 600 ألف ليتر يومياً وما تبقى لباقي القطاعات، مبيناً أن عملية التوزيع مستمرة لتحصل كافة الأسر على مستحقاتها. ووزعت لجان المحروقات الفرعية في بعض المحافظات مثل درعا وحلب 100 ليتر فقط لكل عائلة في محاولة إسعافية مع صعوبة توزيع 200 ليتر فوراً.

بعد أشهر من الانتظار بفارغ الصبر، وصلت رسالة نصية إلى أحمد من سكان منطقة الكسوة بريف دمشق، ليتواصل مع الموزع في منطقته، وبالفعل حصل على 200 ليتر دفعة واحدة، يقول أحمد مبتسماً في حديثه الخاص معنا: “أنا محظوظ فعلاً، لكنني اضطررت إلى بيع 100 ليتر منها، بسبب تردي وضعي المعيشي، ومرض طفلي”.

وصرحت أكجمال ماجتيموفا ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، في حزيران (يونيو) من العام الماضي، إنه وبعد تسع سنوات من الصراع المسلح، يعيش أكثر من 90 بالمئة من سكان سوريا تحت خط الفقر البالغ دولارين في اليوم بينما تتزايد الاحتياجات الإنسانية. بحسب ما نقلت وكالة “رويترز” للأنباء.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا