تدريباتنا

حلويات العيد حاضرة في إدلب تحت القصف

بواسطة | أغسطس 10, 2019

لم يمنع الطيران والقصف والنزوح  سهير دياب (٣٠عاماً) من التحضير للعيد وصناعة الحلوى الخاصة به، فهي عازمة على التخفيف من وطأة الحرب على أفراد عائلتها بتذكيرهم بالعيد وطقوسه وأنهم لا يزالون موجودين ويحتفلون كسائر البشر في العالم.

تستقبل إدلب وريفها عيد الأضحى هذا العام على وقع القصف العنيف القاسي المتواصل على أطرافها، والتوتر المتزايد داخلها، وهو ما لا يغير مظاهر الاحتفال بالعيد عن بيوتها وشوارعها. فمعظم العائلات تأبى أن تتخلى عن تقليد صناعة الحلويات رغم الأوضاع المعيشية الصعبة رغبةً منها بالاحتفال ببهجة العيد وإن كانت في أدنى درجاتها.

تقول سهير واصفة المشهد في أسواق ريف إدلب بأنها حزينة للغاية وتفتقر للكثير من الحركة والنشاط والمواد والأصناف المختلفة الخاصة بالعيد كما في السابق، عدا عن بعض المحلات التي تعرض بضائعها بأسعار باهظة، ولذا بادرت بشراء مواد لصناعة كعك العيد من أجل صنعه في المنزل لأسرتها المؤلفة من زوجها وأربعة أولاد. وتتحدث سهير عن محتويات كعك العيد: “يتألف من  الشمرا واليانسون، وحبة البركة، والسمسم، والعصفر، والخميرة، والمحلب، والزنجبيل، وجوزة الطيب، وزيت الزيتون، حيث تخلط هذه المواد مع الطحين لتكون عجينة ذات مظهر ورائحة شهية.” وتضيف سهير بأنها ما إن تضعها في الفرن للشواء حتى تنتشر رائحة كعك العيد في كل الحي وتعطي مظهر محبب من مظاهر العيد يدعو لتذكر طقوسه القديمة، متجاوزاً بالذاكرة ثمانية سنوات من الحرب والخراب والدمار وما رافقها من شهداء ومعتقلين ومفقودين ومصابين.

تجهد ربات البيوت بصناعة  وتحضير حلويات كـ”البيتي فور” والغريبة والمعمول والبرازق إضافة لصناعة كعك العيد، حيث تتصدر هذه الحلويات واجهة الاهتمامات في إطار الاستعداد لقدوم العيد، وتحرص بعض العائلات على المحافظة على هذه التقاليد والطقوس رغم ضعف الأوضاع المادية وتوقف معظم الأعمال وزيادة نسبة البطالة، كما ان أغلب الأسر فقدت ممتلكاتها ومحالها ومنازلها.

أصرت الحاجة الخمسينية هيام الكرمو على صناعة حلويات العيد هذا العام رغم كل ما تواجهه من مآسي، وعن أهمية هذه الطقوس بالنسبة لها تقول”سأفعل ما بوسعي لرسم البسمة على أوجه أبنائي وأحفادي الذين أصبح بعض منهم في سن السادسة ولم يتذوق أو يعرف حتى الآن ما هي حلوى العيد نظراً لتوقفنا عن صناعتها لسنوات طويلة.” وتتابع الحاجة هيام: “كنا نأجل هذه المظاهر سنة تلو أخرى حتى ننعم بالسلام والأمل وتعود الحياة السعيدة إلى المنطقة وتمحو معها سنوات الحزن والألم غير ان ذلك لم يحدث، وها نحن غدونا بالسنة الثامنة من الحرب والقصف والتهجير دون أي حل يؤملنا بحياة أفضل؛ ولذا قررت العودة لتقاليدنا وطقوسنا متناسيين كل ما يدور حولنا”.

حتى النازحون لم يمنعهم نزوحهم وبعدهم عن منازلهم ومناطقهم من التحضير للعيد فسلام السيد (٣٥عاماً)  قررت صناعة حلوى العيد لأطفالها هذا العام وتقول”لدي خمسة أولاد ،عانينا قسوة النزوح أكثر من مرة خلال سنوات الحرب ،لن أدع اولادي بحسرة التلذذ بحلويات العيد وبهجة الإستمتاع بطقوسه ولذا قررت إسعادهم بعض الشيء بصناعة تلك الحلويات التي تنبع أهميتها ليس من طعمها المحبب وحسب وإنما بالعودة بمن يتذوقها لسنوات من خير والأمان والفرح والاستمتاع بعيد يجمع الأسرة ويلم شملها،أو ربما بالخصوصية في أجوائه وحالات البهجة بين الأقرباء والصديقات اللواتي يتناوبن بمساعدة بعضهن البعض حتى نهايتهن من إنجاز العمل.

من جهة أخرى يرفض آخرون تحضير حلويات العيد تضامناً منهم مع من فقدوا أحد أفراد عائلتهم أو تهدمت منازلهم وهو ما يعبر عنه سليم الهاشم (40عاماً) لا يمكن أن نتناسى كل ما يحصل حولنا، فنحن لا نعيش حياة طبيعية لننعم بطقوس وأجواء طبيعية ” وهو لا يعتقد أن صناعة حلوى العيد والاحتفال بطقوسه لا يمكن أن تنسي المرء حجم الألم الذي يشعر به.

يعزف عدد كبير من السوريين عن الإقبال عن شراء حلويات العيد الجاهزة بسبب ارتفاع أسعارها أو ميل القسم الأكبر إلى تحضيرها منزلياً، ومن اللافت للانتباه  إختلاف الأسعار حتى بين أنواع الصنف الواحد ، ويبرر ذلك أبو خالد وهو صاحب أحد محال بيع الحلويات في مدينة إدلب أن أسعار الحلويات مرتفعة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية  كالسمن والمكسرات وجوز الهند وغيرها،وهو بدوره يحاول أن يصنع من النوع الواحد العديد من الأصناف بما يلائم الوضع المادي لكل زبون. ويؤكد ابو خالد بأن هناك حركة بيع لتلك الحلويات تنشط فقط في اليومين السابقين للعيد ، والأنواع الأكثر رواجاً هي معمول العجوة والكعك الأصفر.

من جهتها تفتخر سلاف من مدينة معرة النعمان ببراعتها بتحضير المعمول المختلف الأنواع  وعن أجواء تحضيره في السابق تقول وبكثير من الحنين ” رائحة الكعك التي تعبق في الحارات والأبنية كانت ترمز إلى قدوم العيد وهذه الأنواع من الحلويات صعبة التحضير ولها أجواء خاصة لا تجدها في البيوت خارج أيام الأعياد ،إذ تجتمع سيدات منذ ساعات العصر لعجن العجين وتحضير الحشوة وغالباً ما تنتهي حفلة التحضير في ساعات متأخرة في الليل ” أما في الوقت الراهن  فتوضح سلاف بأن كل سيدة تفوم بتحضير كمية قليلة لعائلتها نظراً لغلاء المواد من جهة ، ولعدم وجود أقرباء لها في مناطق نزوحها لمساعدتها بالتحضير من جهة أخرى”.

رغم كل الأوضاع المعيشية الصعبة وحالة التخبط والنزوح المسيطرة على مناطق ريف إدلب فإن حلويات العيد تبقى لها بهجة خاصة وتحرص معظم العائلات على توفير بعض النقود لتحضيرها قبل العيد بأيام قليلة ، علهم يتمكنوا من إدخال الفرحة على قلوب أبنائهم.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا