تدريباتنا

سوق الوراقين…وجه جميل لدمشق

بواسطة | مارس 15, 2019

لا يزال سوق الكتب المستعملة، الواقع تحت جسر الرئيس، مقصداً لكثيرٍ من الكتاب والمثقفين ومحبي القراءة، فقد شكَّل هذا السوق المزدحم وسط العاصمة دمشق، ذاكرةً خصبةً لكل من مر به، كما ساهم في تنمية ثقافة روَّاده، خاصة من القراء المبتدئين، ورَفَد مكتباتهم المنزلية بالعديد من الكتب، إذ أنه صديق عطوف على ذوي الدخل المحدود، ففيه لا يتجاوز سعر الكتاب المستعمل ثلث أو حتى ربع سعر الكتاب الجديد.

 ويعود تاريخ هذا السوق لعام ٢٠٠٣، عندما تجمّع فيه عددٍ من باعة كتب الرصيف الذين كانوا منتشرين في منطقة الحلبوني والبحصة والتكية وغيرها، ليضم اليوم نحو ثلاثة عشر بائعاً، يلقِّبهم البعض بـ”ملوك الكتب”، فهم ليسوا تجاراً بقدر ما هم قراء شغوفون بالمعرفة تربطهم بالكتاب علاقة وثيقة. فالتعامل مع الكتب “يبقي الإنسان على تواصلٍ مع المفكرين والأدباء والعلماء” وفقاً لأبو طلال، أحد أقدم باعة السوق وأشهرهم، يقول أبو طلال ” من يقرأ كتاباً يوجه صفعةً حقيقيةً للجهل” مشبهاً علاقته مع كتبه بدخول المرء إلى حديقة “يقطف منها زهوراً من كل لونٍ وعطر”، ولأن بائع الكتب يتمتع بقراءتها فهو كبائع العطر “إن لم يبع العطر يشمَّه” على حد وصفه.

ويحتوي هذا السوق على كتبٍ نادرةٍ وفريدة في شتى مجالات الأدب والتاريخ والعلوم وغيرها، ويُعَد كنزاً ثميناً للباحثين عن عناوين أو ترجماتٍ معينة فُقدت منذ زمن، وعن تميز السوق يتحدث أبو سارة أحد الباعة فيه قائلاً “معظم المكتبات الحديثة توجهت نحو بيع الكتب الرائجة كالكتب الدينية وكتب الطبخ والترفيه والتسلية، بينما بقي هذا السوق محافظاً على تنوعه وغناه، ورغم اصفرار أوراق بعض الكتب واهتراء أغلفتها إلا أنها تحتفي بقيمةٍ فكريةٍ ومحتوى معرفي ثمين، فكتبنا تعتمد على المضمون لا على الشكل التجاري المبهرج”، مضيفاً “هناك من يفضل شراء الكتب القديمة ذات الأغلفة الباهتة والحواف المتآكلة، كونها تمثل له تراثاً فكرياً وذاكرة ثقافية، فهي كالطوابع والعملات والقطع الأثرية النادرة”.

مهنة مربحها فكري ومعنوي

“لو أنني سائق سيارة أجرة، بائع سجائرٍ أو خضار لحققت دخلاً أفضل بكثيرٍ من عملي هذا، فأنا أجمِّد لأجله رأس مالٍ كبيراً مقابل أرباحٍ بسيطة لا تعادل حجم تعبي اليومي، لكن حبي للتعامل مع الورق والكلمات يشعرني بالرضى والسعادة، فهو عملٌ إنساني نبيل يخاطب العقول والقلوب” يروي البائع أبو سارة، مضيفاً “قد تحقق بعض الكتب الجديدة أرباحاً جيدة إلا أن غلاء أسعارها يجعل مبيعاتها محدودة إذا ما قورنت بمبيعات الكتب المستعملة، لكن الأخيرة لا تعود علينا بمرابح مجزية، لأنها ترأف بحال زبائنها أصحاب الدخل المحدود”. ونتيجة هذا الواقع بات عدد بائعي الكتب المستعملة يتناقص يوماً بعد يوم، ومن بقي يزاولها هم “بعض المخلصين للكتاب والساعين نحو الربح المعنوي والفكري قبل المادي” بحسب أبو سارة.

أما أبو طلال فيرى أن “الكتاب يفقد دوره الثقافي والتنويري إذا عومل كسلعةٍ يُجنى من ورائها المال”، وعن علاقته بزبائنه يقول: “أحب رؤية الزبون يقلّب الكتب لساعاتٍ ويتفحص عناوينها ومحتواها بدقة، فأتناقش معه حولها وأنصحه في اختيار بعض القراءات، ولا يهمني في نهاية الأمر إن اشترى كتاباً أم لا، ما يهمني هو تحفيزه على القراءة وامتلاك أدواتها، لأنه سيعلِّم غيره، ومن يقرأ يفكر، ومن يفكر يبني مجتمعاً متقدماً”. ومن خلال العلاقة الوطيدة التي يبنيها أبو طلال مع زبائنه يأتي مكسبه المادي، إذ غالباً ما يعودون لشراء الكتب، التي تصفحوها وأعجبتهم، بعد توفير المال اللازم، وقد يأتون بصحبة زبائن جدد.

مكان لا يناسب الثقافة

يستقبلك التلوث السمعي والبصري عند اقترابك من السوق، فالتناقضات والفوضى تحيط بالسوق المكتظ بتجمع لوسائط النقل العامة، إضافة لسوق تجاري لبسطاتٍ من كل شكلٍ ولونٍ، يعتمد باعتها على النداء المتكرر لجذب انتباه العابرين.

من جهة أخرى، يفتقر سوق الوراقين إلى البنى التحتية المناسبة، وتنقصه الإنارة الجيدة والمظهر الجمالي المطلوب، حيث تنتشر مئات الكتب على الأرصفة بين الغبار وبقايا القمامة وتكاد تدوسها أقدام المارة، وفي الأيام الممطرة يضطر بعض الباعة إلى تغطية كتبهم بالشوادر والنايلون، مما يجبرهم على التوقف عن العمل، كذلك يعانون من ظروف البرد خلال جلوسهم في أمكنتهم المفتوحة على كل الجهات.

يصف أبو سارة معاناته مع المكان قائلاً “عملنا فكري يتطلب هدوءاً وصفاء ذهنياً، وموقع السوق لا يؤمن لنا هذا، إذ تتصدع رؤوسنا طوال النهار من الصراخ المتواصل للباعة والضجيج المزعج لوسائط النقل، ولا نكاد نسمع حديث زبائننا وزوارنا، فهم غالباً يضجرون من البقاء طويلاً، وهو ما يؤثر سلباً على حجم مبيعاتنا”. ويضيف “بينما تحظى بعض السلع التجارية في جوارنا بالدلال والامتياز وتتربع على رفوفٍ ملونة، تستلقي بعض كتبنا على الأرض كالخردة، بغير سقفٍ يحميها أو جدارٍ تستند عليه لتتعرض للرطوبة والغبار وعوامل الطقس، وهو ما يساهم في اتساخ أغلفتها واصفرار أوراقها والإسراع في تلفها”.

السوق خلال الحرب

أدت الحرب لتغير هوية بعض المكتبات إذ تحولت إلى محال تجارية ومطاعم نتيجة تراجع حركة بيعها للكتب وعجزها عن شراء الكتاب الجديد، حيث حلَّق سعره بشكلٍ خيالي، مما اضطرت مكتبات عديدة في دمشق لبيع الهدايا والألعاب والقرطاسية وغيرها لتقاوم الإفلاس وتتمكن من الاستمرار. ونتيجة ارتفاع سعر الورق وتكاليف الطباعة، وضعف الإقبال على النشر، توقفت دور نشرٍ كثيرة عن عملها مستسلمة لإفلاسها لتبيع كتبها ومحتوياتها، بأسعار زهيدة لتجار الورق وباعة الكتب المستعملة.

 ولم ينج سوق الوراقين من لعنة الحرب هو الآخر، ففقد السوق معظم رواده خلال السنوات الماضية، حيث تكدست مئات الكتب لفترات طويلة حتى أصابها التلف واستحال بيعها، ما اضطر أصحابها لإرسالها إلى معامل الكرتون أو استخدامها كمادةٍ للتدفئة، ورغم شلل حركة البيع وتراجع الإقبال على السوق، استمر عمله بفضل بعض باعته المخلصين له، ومن بينهم أبو طلال الذي يلخص ذلك بقوله “حافظنا على روح المكان وقاومنا بكتبنا قبح الحرب، تابعنا عملنا رغم إفلاس معظمنا، لنثبت للعالم أننا كناشري ثقافة صمدنا مع كتبنا لنكمل رسالتنا الإنسانية”.

ورغم انتعاش حركة السوق في العام الأخير، قياساً للأعوام التي سبقته، لم تعد لما كانت عليه قبل عام 2011 وربما لن تعود في المدى القريب، ويعزو أبو سارة سبب ذلك إلى “سفر الكثير من القراء الشغوفين باقتناء الكتب، وتردي الواقع الاقتصادي عند معظم الناس ليصبح شراء الكتاب نوعاً من الكماليات، عدا عن أعباء وهموم الحياة اليومية التي جعلتهم ينسون الأشياء التي يحبونها”

أما أبو طلال فيعزو السبب إلى “تغير المزاج الثقافي العام الذي يتحكم بنوعية القراءات التي تتجه بمعظمها حالياً نحو ثقافة القراءة الاستهلاكية والاستسهال في الحصول على المعلومة السريعة، عبر اللجوء إلى الإنترنت والكتب الإلكترونية”.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا