تدريباتنا

زواج السكايب، خيار في زمن الحرب

بواسطة | يونيو 13, 2018

رغم آلام الحرب، وتشتت العائلات بين من هم داخل البلاد واللاجئين خارجها، إلا أن قصص الحب بين السوريين لم تنته، فقد تُوّج الكثير منها بنهايات سعيدة رغم الظروف الراهنة وذلك عبر “زواج السكايب”  الذي طغى على تقاليد الزواج السائدة في المجتمع السوري منذ قرون عديدة محطماً بذلك قيد التوارث ومعلناً زمناً جديداً تلعب فيه التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة دوراً أساسياً.

فأحمد (27 عاما) كان يعمل في أحد البنوك الخاصة بدمشق مع بداية “الثورة” قبل أكثر من سبعة أعوام،  واضطر للهجرة إلى ألمانيا بسبب حملات التجنيد الإجباري والاحتياطي التي يشنها النظام لسوق الشباب للقتال في صفوفه. وإذا كانت ظروف “الثورة” السائدة في البلاد والألم والدماء والدمار فرضت على أحمد الهجرة من وطنه، الا أنها لم توقف قصة حبه لـ”عزيزة” التي بقيت تعيش في إحدى ضواحي ريف العاصمة مع عائلتها، ليبقى أحمد على تواصل معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي رغم البعد الجغرافي بينهما.

منذ اندلاع الحرب في البلاد عمدت نسبة كبيرة من الشباب في سورية إلى الهجرة لدول الجوار والبلدان الأوروبية هرباً من الموت على الجبهات وبحثاً عن مستقبل أفضل ومصدر للرزق، ما أدى  إلى تزايد انحسار تواجد شريحة الشباب في مناطق سيطرة النظام وشوارعها الرئيسية، وباتت غالبية المارة في الشوارع هم من النساء والفتيات، وممن تجاوزوا سن الخدمة الاحتياطية من الرجال وطلاب المدارس والجامعات والمسنين، إضافة إلى المتطوعين في الميليشات التي تقاتل الى جانب قوات النظام.

ووفق مكتب التنسيق للشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشوا)، يتواجد في سورية سبعة ملايين ونصف شخص نزحوا من مناطق إقامتهم إلى مناطق افترضوها أكثر أمناً، إضافة الى أكثر من خمسة ملايين لاجئ خارج البلاد. ويؤكد أحمد، أنه ومنذ مغادرته البلاد لم تنقطع الاتصالات اليومية بالصوت والصورة بينه وبين “عزيزة” عبر “الواتساب، الفيسبوك، السكايب، المسنجر…”، إلى أن قرر الانتقال إلى خطوة تالية، أكثر رسمية، تمثلت بتواصله عبر الهاتف مع والديها وطلبه ليدها منه رسمياً، واقتراحه بأن تتم الخطوبة رسمياً عبر إرسال أقاربه في دمشق إلى بيتها وطلبها رسمياً من أهلها، الأمر الذي تم بعد موافقة والديها على ذلك.

لم تطل فترة خطوبة أحمد لـ”عزيزة” سوى لعدة أشهر، حيث أقدم على خطوة تالية، أكثر رسمية، بطلبه من أهلها بأن يتم عقد قرانهما عبر “السكايب” كما يفعل العديد من السوريين، ما دفع والدها الى طلب فترة أيام للتفكير بالأمر “للاستفسار حول إن كان هذا الأمر صحيحاً من الناحية القانونية والدينية”.

ويوضح أحمد أنه بعد أيام قليلة تلقى رداً من والد “عزيزة” بالموافقة، وتم عقد قرانهما بحضور أقربائه إلى بيت أهلها وكذلك بحضور العريس عبر “السكايب”، ليتم بعد ذلك بأيام سفر عزيزة إلى مكان إقامة زوجها في ألمانيا.

وغالباً ما يتم “زواج السكايب” عن طريق أهل أو أقارب العريس الذين يتواجدون داخل البلاد، عبر زيارة يقومون بها لأهل العروس لطرح الأمر، وإن تمت الموافقة المبدئية بين العائلتين يتبعها خطوات رسمية أخرى وتعارف أكثر بين العريسين عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن تتم الموافقة النهائية وعقد القران عبر “السكايب”.

وتتلخص طريقة “زواج سكايب” بأن يرتدي الشاب بدلة أنيقة، والفتاة فستان العرس أو فستاناً أبيض على أقل تقدير. يفتح الشاب في بلاد المهجر “السكايب”، وحيداً أو مع عدد من الأصدقاء، بينما تكون العروس في سورية، أو العكس، جالسة مع أهلها وأهله في كثير من الأحيان. يقرأ الشيخ في سورية الفاتحة، فيرد الشاب عبر “السكايب” بـ “آمين”، يحادثه الشيخ عبر “السكايب” ويسأل الفتاة هل هي موافقة، وتعلن الفتاة موافقتها، يرتدي الشاب محبسه وحده، وكذلك الفتاة، لتنطلق الزغاريد.                

تختلف قصة الصيدلانية “نور” (23 عاماً من محافظة درعا جنوب البلاد) عن القصة السابقة.  أنهت “نور” دراستها الجامعية العام الماضي، وتروي والدتها أنها تلقت اتصالاً هاتفياً من أخيها الذي يعمل في مهنة الطب ويقيم في تركيا، عرض خلاله عليها تزويج الفتاة من زميل له سوري الجنسية ويعمل معه في ذات المشفى.

تشير الأم إلى أنها أبلغته بأنها سوف: “تستشير الفتاة وترد له الجواب”، لافتة إلى أنه اعتبر في اتصال آخر بعد أيام قليلة قبل أن ترد الجواب له بأن العرض “فرصة لا تفوت” وعليها أن تقنع الفتاة بالموافقة.

وتوضح الأم، أن “نور” رفضت الفكرة بمجرد طرحها عليها وردت قائلة: “كيف؟ … أنا لم أره… لا أعرفه… لم أتحدث إليه قط!” وأضافت الأم أنه بعد ثلاثة أيام من التفكير في الأوضاع السائدة في البلاد ومقاربة الأمور قبلت “نور” العرض وتعرفت على “العريس” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثم تمت قراءة الفاتحة عبر “السكايب”، وبعد ذلك بفترة وجيزة سافرت إلى تركيا حيث تولى خالها هناك إتمام الزواج.

ومع الانتشار الواسع للزواج الإلكتروني، أكد القاضي الشرعي الأول “محمود معراوي” في تصريحات نُشرت مؤخراً أن عقود الزواج عبر وسائل التواصل الإجتماعي الصوتية والمرئية صحيحة شرعاً، مؤكدًا أن نسبة عقود الزواج التي تتم عبر الوكالات وصلت إلى 50% من مجمل العقود التي تعقد في المحكمة الشرعية. وبين “معراوي” أن قانون الأحوال الشخصية أجاز الزواج بالمراسلة الخطية، ومن باب أولى الزواج عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، عبر “سكايب” وتثبيتها عبر وكيل في المحكمة، بشرط أن تكون الوكالة مصدقة من وزارة الخارجية وذلك بعد تصديقها من وزارة الداخلية.

وأشار القاضي الشرعي الأول إلى أن “العقد يحتاج شاهدان يعرفان هذا الخطيب بحضورهما وحضور الخطيبة ووليها وفي هذه الحالة يكون العقد صحيحاً”. واعتبر أنه من باب الحيطة والحذر يُفضل ألا يتم الزواج عرفياً عن طريق “كتاب شيخ” لمن يقيم في الخارج وممكن أن يوكل أحداً من أهله أو محامياً ليتم إجراء العقد في المحكمة مباشرة. ولفت “معراوي” إلى أن القانون سمح لأي شخص خارج القطر أو حتى داخله أن يوكل شخصاً من طرفه أو يوكل محامياً من أجل إبرام عقد الزواج مع الزوجة أو وكيلها.

ورأى “معراوي” أن ازدياد نسبة الزواج عبر “سكايب” يعود إلى “هجرة الشباب بشكل كبير خلال سنوات الأزمة”، مشيراً إلى أن هناك العديد من الصعوبات التي يواجهونها في تثبيت عقود الزواج أو عقدها داخل المحكمة، بسبب الحاجة إلى إرسال وكالة لمن يوكله لعقد الزواج.

ويلاحظ في مناطق سيطرة النظام عدم تردد الكثير من الأهالي في تزويج فتياتهم إلى شبان يعيشون خارج البلاد عبر وسائل التواصل الاجتماعي وذلك دون التدقيق كثيراً عند بعض التفاصيل مثل مقدار “المهر” و”الحفل” وغيرها، وتقول إحدى الامهات: “لا مشكلة أبدا إذا كان الشاب جيداً وأخلاقه حسنة… وزواج بهذه الطريقة أفضل من عدمه.”

ويتخوف العديد من الأهالي في داخل سوريا من بقاء فتياتهم دون زواج مع تزايد مشكلة تأخر سن الزواج،  حيث ارتفعت نسبة تأخر سن الزواج 70 في المئة من جراء الحرب التي تعصف في البلاد، بعد أن كانت ما بين 30 إلى 40 في المئة قبل الحرب وذلك بحسب تقارير حديثة.

وبعد أن كانت أسباب تأخر سن الزواج وتبريرات عدم الزواج تعود إلى الأعباء التي تلقى على الشبان مثل الهجرة والمهور المرتفعة وتكاليف الأعراس الباهظة ومسؤولية العائلات، جاءت الحرب لتزيد الأمر سوءاً، مع تضاعف تكلفة الزواج عشرات المرات، حيث ارتفع ثمن غرفة النوم المتوسطة من 40 ألف ليرة سورية إلى أكثر من 500 ألف ليرة، وكذلك بدل يجار المنزل من 5 آلاف ليرة إلى أكثر من 150 ألف ليرة.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا