تدريباتنا

حين يصبح الجسد لغة: سنية صالح وكتابة الوجود

بواسطة | أغسطس 25, 2026

الجسد لغة للوجود

قليلات هنّ الشاعرات اللواتي استطعن أن يحوّلن الجسد من موضوع للكتابة إلى وسيلة للتفكير في الإنسان. في شعر سنية صالح لا يظهر الجسد الأنثوي بوصفه رمزًا للجمال أو موضوعًا للرغبة، بل بوصفه ذاكرة تحمل آثار التهميش، والحب، والأمومة، والمرض، والموت. ومن خلاله امتزجت سيرتها بالقصيدة، وتحوّل ألمها الشخصي إلى سؤال يتجاوز حدود التجربة الفردية.

لم تكتب سنية صالح عن المرأة من موقع الدفاع عنها، بل كتبت من داخل تجربتها؛ من المكان الذي يتقاطع فيه ضعف الجسد مع الرغبة في الحرية، والخسارة مع الرغبة في الاستمرار. لذلك لم يبقَ الجسد في شعرها مجرد موضوع، بل أصبح العين التي ترى بها العالم، والجلد الذي تلمس به الأشياء.

من الجسد بدأت قصيدتها، لا لتروي سيرته، بل لتتلمس فيه معنى الوجود؛ في ألمه، ورغبته، وهشاشته، وفي ما يتركه الزمن عليه من آثار.

الجسد الذي وُلد في الهامش

لم يبدأ إحساس سنية صالح بالتهميش مع الكتابة أو المرض، بل ارتبط بلحظة ميلادها نفسها. ففي إحدى شهاداتها تقول إنها جاءت إلى العالم بعد وفاة شقيقها الذكر الوحيد: «وُلدتُ لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد، وكأنني جئت لأسدَّ فراغًا لا يُسدّ».

تكشف هذه العبارة عن بداية مبكرة في تشكّل وعي سنية بأنوثتها؛ فقد جاء حضورها إلى العالم في لحظة كان فيها غياب الابن الذكر هو الحدث الأثقل، وكأن وجودها ارتبط منذ البداية بفراغ لم يكن بإمكانها أن تملأه.

ومن هنا لم يكن التهميش عند سنية موقفًا اجتماعيًا طرأ عليها لاحقًا، بل خبرة مبكرة ارتبطت بموقعها كأنثى داخل الأسرة. غير أنها لم تحوّل هذه الخبرة إلى خطاب للدفاع عن نفسها، بل إلى سؤال أعمق عن ذاتها وحقها في أن تعرّف نفسها بنفسها.

أعباء الجسد

عاشت سنية صالح سنوات طويلة وهي تواجه أعباء الأسرة والمرض ومتطلبات الحياة، في الوقت الذي كان فيه الشاعر محمد الماغوط يرسّخ مكانته في المشهد الأدبي العربي. وهنا لا تعود المسألة مجرد علاقة زوجية، بل تصبح سؤالًا عن العمل الذي تقوم به المرأة خلف حياة المبدع، والذي لا يدخل عادةً في حساب الإنجاز الأدبي.

لم يكن الماغوط غافلًا عن دور زوجته، بل اعترف به بعد رحيلها في واحدة من أكثر كلماته إيلامًا، حين كتب:

«منذ ثلاثين سنة وأنتِ تحملينني على
ظهرك كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملكِ بضع خطوات إلى قبرك».

هذه العبارة ليست اعتذارًا شخصيًا فحسب، بل اعترافًا متأخرًا بحجم الجهد الخفي الذي بذلته سنية؛ ذلك الجهد الذي لم يظهر في السيرة الأدبية ولم تسجله كتب النقد، رغم أنه، في تقديري، كان أحد العوامل الأهم في استمرار محمد الماغوط وإتاحة المساحة التي واصل فيها إبداعه.

غير أن أهمية تجربة سنية صالح لا تكمن في أنها ضحّت من أجل شاعر كبير، بل في أنها لم تسمح لهذه التضحية بأن تلغي صوتها. فقد ظل شعرها محتفظًا باستقلاله ورؤيته الخاصة، ولم يتحول إلى صدى لتجربة الماغوط أو امتداد لها. كانت تكتب من جرحها الشخصي ومن أسئلتها الوجودية، لا لتثبت حضورها في ظل شاعر آخر، بل لتبني حضورًا يخصها؛ حضورًا لا يحتاج إلى أحد كي يبرره.

صوت الجسد

إذا كشفت سيرة سنية صالح عن أشكال التهميش التي يمكن أن تحاصر المرأة، فإن شعرها كشف الكيفية التي أعادت بها تحويل تلك التجربة إلى رؤية شعرية. فما عاشته لم يبقَ مجرد سيرة شخصية، بل أصبح مادة للقصيدة، ومن خلال شعرها بدأ الجسد يستعيد صوته بعد أن ظل طويلًا موضوعًا تُسقط عليه نظرات الآخرين وأحكامهم.

لا يظهر الجسد في شعر سنية صالح بوصفه مساحة للجمال أو الإغواء، كما درجت عليه صور كثيرة في التراث الشعري العربي، وإنما بوصفه موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة والألم والحرية. حين قالت: «جسد النساء مظلم وحزين… فليكن الليل آخر المطاف».

إنها لا تصف حالة نفسية عابرة، ولا ترسم صورة تشاؤمية للمرأة، بل تمنح الجسد وظيفة رمزية جديدة. فالظلمة هنا ليست ظلمة الجسد، وإنما ظلمة التجارب التي تراكمت فوقه، والحزن ليس صفة بيولوجية، بل أثرُ تاريخٍ طويل من الصمت والإقصاء. لا تقف سنية صالح عند حدود تشخيص الألم، بل جعلت امتلاك الصوت بدايةً للتحرر منه. ففي ديوان «ذكر الورد» كتبت:

«حاذري أن تنسي أنك ذاهبة

لتصرخي وترفضي

لا لتنحني».

لا يبدو الصراخ هنا فعلًا احتجاجيًا عابرًا، وإنما إعلانًا عن استعادة الذات. فالصوت، في عالم سنية صالح، ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل شرطًا من شروط الوجود؛ لأن الإنسان الذي يُحرم من الكلام يُحرم، في الوقت نفسه، من حقه في تعريف نفسه.

الجسد العابر إلى المستقبل

تصالحت سنية صالح مع جسدها عبر القصيدة، فأخرجته من حدود التجربة الفردية إلى معنى إنساني أوسع. لم يعد الجسد مجرد موضع للألم أو وسيلة للاحتجاج، بل أصبح وسيطًا تنتقل عبره خبرة النساء من جيل إلى آخر. ومن هنا تكتسب الأمومة في شعرها معناها الأعمق؛ فهي لا تنظر إليها بوصفها وظيفة بيولوجية أو دورًا اجتماعيًا يكتمل به تعريف المرأة، بل بوصفها علاقة إنسانية تحمل ذاكرة طويلة من الألم والصمود، وتنتقل من الأم إلى الابنة، لا لتثقلها بما مضى، بل لتمنحها معرفة تساعدها على العبور. في قصيدتها «مليون امرأة هي أمك» تخاطب سنية ابنتها قائلة:

«شدّي جذعك إلى جذعي

أدخلي عظامك في نفق عظامي

ثم اسحبي

ما تبقى من جسدك واعبري».

تبدو الصورة قاسية للوهلة الأولى، لكنها ليست احتفاءً بالألم، بل بالقدرة على تجاوزه. فجسد المرأة لا يورّث الجراح، بل يورّث القدرة على احتمالها وتجاوزها. والعظام هنا ليست علامة على الضعف، بل دليل على قوة تشكّلت في مواجهة الألم.

موت الجسد

في سنواتها الأخيرة، دخل الجسد في شعر سنية صالح مرحلة جديدة. فبعد أن حمل ذاكرة التهميش، وأعباء الحياة، وخبرة الأمومة، وجد نفسه في مواجهة المرض. غير أن هذه المواجهة لم تدفعها إلى كتابة مراثي الذات، بل جعلتها أكثر اقترابًا من هشاشة الجسد وحدوده، ومن السؤال عما يبقى للإنسان حين يواجه احتمال الفناء.

عندما أُصيبت بالسرطان، لم تتعامل مع المرض بوصفه هزيمة شخصية، ولم تجعل القصيدة سجلًا للألم الجسدي وحده، بل حوّلته إلى تجربة تتقاطع فيها هشاشة الإنسان مع قدرته على الحلم.

من غرفتها في المستشفى بفرنسا، كتبت قصيدتها «اللؤلؤة»:

«أيتها اللؤلؤة،

نمتِ في جوفي عصورًا

استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء

وهدير الدماء

ريثما يُنهي التاريخ حزنه».

هنا لا يظهر المرض بوصفه حدثًا طبيًا فحسب، بل يتحول إلى رحلة داخل أعماق الذات. فاللؤلؤة التي تكوّنت في الجسد ونمت في جوفه تصبح صورةً للقصيدة نفسها؛ شيءٌ يتكوّن في الداخل، وسط الألم، ثم يخرج منه إلى اللغة. ومن هذه النقطة يصبح الموت جزءًا من التجربة الشعرية، لا خاتمةً لها.

لم يكن الموت، في عالم سنية صالح الشعري، نقيضًا للحياة بقدر ما كان امتدادًا للأسئلة التي شغلتها منذ بداياتها. فقد ظل الإنسان، في نظرها، قادرًا على الاحتفاظ بحريته الداخلية حتى في اللحظات التي يعجز فيها عن تغيير واقعه. ولهذا كتبت عبارتها المعروفة:

«أعجز عن تغيير العالم

لكني أحتفظ بحرية الحلم».

وهكذا ظل الجسد، في تجربة سنية صالح، حاضرًا في محطات التهميش والحب والأمومة والمرض؛ لكنه لم يبقَ مجرد جسد يتلقى ما يحدث له. بل حوّلته الشاعرة، في كل مرة، إلى مادة للمعرفة والكتابة، وإلى مساحة تختبر فيها حدود الإنسان وقدرته على تحويل الهشاشة إلى قوة شعرية.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

حول تفاقم الهويات وترهل التشاركية في سورية

بينما كانت معظم مناطق محافظة السويداء السورية تستذكر ضحايا الانتهاكات والمجازر التي مضى عليها عام، جرّاء المعارك بين القوات الحكومية الجديدة وفصائل معارضة لها، تتذكّر مناطق سورية أخرى، في المقابل، أن أعلاماً إسرائيلية رُفعت فوق الجراح السورية هناك، وأن مبنى وزارة...

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

من يملك الفضاء العام؟ الثقافة السورية في زمن الخوارزميات

جلست في مقرّ شبكة (مدنيّة- MADANIY) في بيت فارحي، الكائن في حي الأمين الدمشقي، أتأمل الشعار اللفظي (السلوجان) الذي تبنته: «مدنيّة في سوريا... نستعيد بلدنا، فضاءاتنا، وأحقيتنا السّياسية»، وعلى الفور رحت أفكر، بعد أن أصبح الكلام ممكناً: من يصل صوته إلى المجال العام؟ ومن...

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر

تواجه قبرص تحديات خطيرة في المرحلة الأخيرة من مسار انضمامها المحتمل إلى منطقة شنغن؛ أبرزها الأمن القومي، والطاقة، والهجرة، والصراع المفتوح في الشرق الأوسط". بهذه الكلمات يختصر دبلوماسي رفيع المشهد الذي تتحرك فيه الدولة القبرصية، وهي تراقب، من موقعها في أقصى شرق...

تدريباتنا