تدريباتنا

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

بواسطة | يناير 6, 2026

ينتمي الفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي (1934–2016) إلى جيلٍ حمل الفن من ضفاف الشرق إلى قلب أوروبا، دون أن يتخلّى عن جذوره الروحية والإنسانية. وعلى الرغم من أنه قضى أغلب حياته في برلين، فإن أعماله ظلّت تحمل أثراً واضحاً من طفولته في دمشق، ومن ذاكرته الشرقية التي تشكّلت في بيئةٍ مشبعة بالرموز والتناقضات والانفعالات.

يُعد الراحل من أبرز الوجوه في الفن التشكيلي العربي الحديث، بفضل مكانته العالمية كفنان أقام وأنتج في ألمانيا، وابتكاره لغة فنية خاصة تتسم بعمق التأمل، وتستند إلى الوجه الإنساني بوصفه نافذة إلى النفس وميداناً لصراعاتها الداخلية.

من الكلمة إلى اللون

بدأ مروان حياته متأثراً بالأدب والكتابة؛ كان يكتب القصة القصيرة والمقالة، ويهتم بالفكر والسياسة، قبل أن يتحوّل إلى الرسم بوصفه لغة أكثر صدقاً للتعبير عن مشاعره وأفكاره. درس في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قبل أن يسافر إلى برلين في الخمسينات لاستكمال دراسته في أكاديمية الفنون، وهناك سيبدأ مشروعه الكبير.

في بداياته، تأثر بالمدارس التعبيرية الألمانية، وبالفنانين مثل بول كلي (1879-1940) وأوتو ديكس (1891-1969) وجورج غروز (1893-1959)، لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، مستنداً إلى استنباط شيء فريد من الداخل، بعيداً عن التكرار والتقليد.

لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، متجنباً التكرار، مستنبطاً من الداخل شيئاً فريداً. كان الوجه البشري في نظره أكثر من مجرّد ملامح، فهو ساحة تتحرّك فيها الروح وتتجلّى فيها الهشاشة الإنسانية.

من منتصف الستينات، بدأ برسم الوجوه بطريقة متكررة ومتصاعدة. لم تكن تلك الوجوه واقعية، ولم يكن يسعى إلى تشابهها مع الأشخاص الحقيقيين، إنما تمثيلات داخلية، غالباً بلا أسماء أو هويات، لكنها مشبعة بالألم، بالغربة، بالقلق.

تطوّر الوجه عنده من صورةٍ لملامح بشرية إلى تضاريس داخلية، أشبه بخريطة روحية. أحياناً تتحوّل ملامح الوجه إلى جبال، إلى طيات طينية، إلى خطوط متشققة كأنها جروح أو وديان. هذا التركيب المعقّد جعل من الوجوه أشبه بمواقع للتأمل، لكل منها قصة، أو ربما آلاف القصص.

كثيراً ما يُطلق على هذا الأسلوب اسم “الوجه – الجبل”، وهي صيغة خاصة به، جعلت من وجه الإنسان رمزاً كونياً. هو يجاوز نقل التعبير اللحظي، ويحفر في الباطن، يعمّق التوتر بين الداخل والخارج، بين الجلد وما تحته، وبين الأنا والآخر.

عمل مروان على اللوحة كأنها عملية نحت أو حفر، لا مجرّد رسم. كان يكدّس الطبقات اللونية الواحدة فوق الأخرى، يضيف ثم يحذف، يكشط ثم يعيد البناء، حتى تتحوّل اللوحة إلى مادة عضوية حيّة، لها جلدٌ وعمقٌ ونبض.

كان يستخدم الألوان الترابية: الأحمر القرميدي، البني، الرمادي، الأخضر الداكن، وهي ألوان توحي بالأرض، بالجسد، بالدفء والوحشة في آن. 

كأنها طين يتفسّخ

ما يميّز تجربة الفنان مروان قصاب باشي هو ارتباطها بالذات؛ ذات فردية وإنسانية في آن واحد، تعيش العزلة، الاغتراب، وقلق الهوية. ويمكن قراءة وجوهه بوصفها انعكاسات لحالة الإنسان المعاصر: غارق في داخله، عاجز عن الفهم، يبحث عن الخلاص.

في كثير من أعماله، يبدو الوجه مسجوناً في الإطار، يملأ اللوحة بكثافته، لكنه لا ينظر إلى الخارج، غارق في داخله، كأنه يبحث عن معنى أو يصغي إلى صمتٍ داخليّ لا ينقطع.

هذه النزعة الوجودية، التي تأخذ من التعبيرية الألمانية أدواتها، ومن الشرق حمولته الروحية، جعلت مروان فناناً عالمياً، دون أن يفقد خصوصيته.

في تناوله الوجه البشري كفضاء تعبيري بالغ العمق والثراء، تميّز أسلوب مروان قصاب باشي بخصوصيّة جماليّة شديدة. في لوحاته، التي تبدو وكأنها نصف وجه متآكل أو غارق في ذاته، تعبّر ببلاغة عن التجربة البصرية والروحية التي اشتغل عليها مروان لسنوات طويلة، وهي تجربة لا تبحث عن “ملامح” بمقدار ما تسعى إلى تفكيك الذات وتصوير العزلة والاغتراب والاضطراب الداخلي.

في هذا النمط من أعماله، يبدو الوجه وكأنه يتشكّل ويتلاشى في اللحظة نفسها. تختفي الخطوط الحادة التي تفصل العين عن الأنف أو الفم، ويظهر تداخل عضوي يوحي بأن هذا الوجه ليس قالباً مستقراً، وإنما كتلة تتحرّك وتتفكّك تحت وطأة الزمن أو المشاعر أو الذاكرة.

التعبير الجسدي عن النفس

العين في اللوحة مظلمة، مجوّفة، غائرة، وكأنها أداة للرؤية تتحول إلى موقع لانهيار داخلي. تبتعد عن النظر إلى الخارج، وتسحب الناظر إلى عمقها، إلى فراغٍ روحيّ. وهذا يتوافق مع فلسفة مروان في رسم الوجوه: الوجه لا يراقب العالم، ينزوي في ذاته.

ربما يمكننا القول إن هذه العين هي جسد الروح، المرهقة، التائهة، العالقة في دوّامة لا اسم لها.

لا توجد حدود فاصلة وواضحة في هذه أعماله؛ الخطوط تتلاشى، الألوان تتدفق بحرية، كما لو أن الوجه ليس سوى انفعال أو اهتزاز داخلي. هذا الانمحاء التدريجي للملامح يُشير إلى أن مروان لا يهمّه “من” هذا الوجه، بل ما الذي يشعر به، أو ما الذي يتفتّت فيه.

هنا لا توجد هوية واضحة، ولا اسم، ولا جنس حتى. فقط وجه كونيّ، يصلح لأن يكون أيّ إنسان، وفي الوقت نفسه لا أحد. هذا ما يجعل من لوحات مروان مناطق تأمل أكثر منها بورتريهات.

اللون في لوحاته مادة تعبيريّة بالدرجة الأولى؛ مروان يضع اللون كمن يضع اللحم فوق العظم، هناك شعور بأن الجلد ينساب، يتقطّع، يتحوّل إلى مزيج عضويّ، يشبه الحمم أو الدم أو الطين. هذه المادية القوية في أسلوبه تدفعنا إلى فهم اللوحة كأنها جسدٌ يعاني، لا مجرد وجه يُرسم. 

نزاع بين الداخل والخارج

ما نجده في لوحاته، تجسّد تماماً الفكرة التي طالما دافع عنها مروان، وهي أن الوجه هو مرآة النفس، وليس قالباً جمالياً. نحن لا نرى الشخص، بل حالته. هذا الوجه ليس للعرض أو للتماهي، بل هو رؤية داخلية للانهيار الإنساني، لذا لا نجد أي محاولة للتجميل أو التزيين.

مروان يجرّد الوجه من “الجميل”، ليعيده إلى طبيعته الأولى: كمنطقة نزاع بين الداخل والخارج، بين ما نُخفيه وما يتسرّب إلينا رغماً عنّا.

لوحته تجسّد وجهاً يتحوّل إلى خريطة للألم وبورتريه للغربة عن الذات. مروان يرسم فكرة الإنسان في لحظة وحدته، حين يكون مع صمته وتاريخه وحطام ذاكرته، مجرّداً من ملامح فرد محدّد.

في هذا النوع من الأعمال، يقدّم مروان القصاب باشي فنه كنوعٍ من الاعتراف البصري، كأن كل لوحة تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. ولهذا يُعدّ بحق أحد أكثر الفنانين العرب عمقاً واستقلالاً وتجريباً، وفنان الوجوه بامتياز.

تمثّل تجربة مروان قصاب باشي حالة فريدة في الفن العربي الحديث، وربما في الفن العالمي كله. لقد حوّل الوجه من كيان خارجي إلى حقل تأمّل داخلي، وارتقى بالرسم من مجرّد تمثيل للواقع إلى فعلٍ روحيّ يحفر في النفس. فنه مُكرّس للكشف والمساءلة والغوص في المجهول، غايته تتجاوز التزيين. 

لقد صمتت يد مروان قبل حوالي عقدٍ من الزمن، لكن وجوهه ما زالت تنظر إلينا من داخل اللوحات، تنظر ولا تتكلّم، لكنها تقول كلّ شيء.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

باحثة أمريكية: “أدب السجون السوري” امتدادٌ لكتابة المنفى

في كتابها “قراءات في أدب السجون السوري: شاعرية حقوق الإنسان” (Readings in Syrian Prison Literature: The Poetics of Human Rights)، والذي رأى مترجمه الكاتب والمترجم السوري حازم نهار أن يعنونه بـ “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تعتمد الباحثة...

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟ 

بعد مرور أكثر من عامٍ  على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد مجموعة من القرارات والممارسات والسلوكيات، التي بدأت تُثير قلق ومخاوف كثير من السوريين، الذين رأوا أنها تحاول تكريس سياسة اللون الواحد، وتسعى لتقييد الحريات المدنية العامة والخاصة، هذا عدا...

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

نساء سوريا بين الخطف والإنكار: وجه آخر للانهيار الاجتماعي

يعود الخطف مرة أخرى إلى واجهة الأحداث السورية، لكنه في الحقيقة لم يتوقف أبداً؛ إنما هناك فترات من التباعد بين الحالات، ويرافق ذلك تغيّر في الأسلوب والإعلان. يواجه السوريون اليوم ظاهرة جديدة، وهي استخدام الفتيات لنشر الفكر الدعوي من قبل جهات تعمل في السر، ليصبحن...

تدريباتنا