أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
اللغة شمسٌ دافئة، ضوء داخلي أليف، عينٌ مفتوحة تحتضن اللحظة، حاملة ماضيها المرافق مثل ذكرى. ذكرى تحمي وتعين مَن فقد الحماية والعون.
لا ملاذ دون لغة. لا مرشد للأخرس سوى الإشارة المستغيثة سوى طلب النجاة. لكن سؤال المحتاج مخجل مهين.
اللجوء ليلٌ بارد. الليل معتمٌ مثل كهف، قديمٌ قِدَمَ الأقدار البخسة، وحاكمٌ حُكْمَ العبث.
نسيرُ ونسير ولا نصل إلى ما رجوناه وتمنيناه. ما هربنا منه يطاردنا. ماذا لو استمرت المطاردة طوال حياتنا، هكذا نبقى لاهثين مُطاردين، نهرب من جُحر إلى آخر. نسير كما لو كنا نتقدم داخل أجسادنا وحسب، فريسة المقارنات الضحلة بين هنا وهناك، بين ثقل الخيبة وفرح النجاة، داخل أحلامنا ومخاوفنا تتبادل العثرات أيامنا. كأننا نعود إلى الوراء أو نبقى مذهولين جامدين.
العين ترى ما هو أوسع من اللغة، ما هو أبعد من الجسد، بالعين نخرج من النفس من اللغة من الجسد مما هو ضيق وحابس. لكننا نحسّ أننا لا نغادر شيئاً لا نخطّ بداية ولا نتقدم خطوة.
ما يلي يمحو ما مضى. الذاكرة عبء، الذاكرة دين، الذاكرة شبح.
نحس أننا في دائرة مغلقة. أننا منسيون، مسجونون تائهون. فائضون عن الحاجة، نبحث دائماً عمن يُساعدنا.
لا أدري كيف تحولت إلى شبحٍ وسط الحشود. يبدو أن ذلك حدث ببطء، بطء شديد لم أنتبه إليه. ثمة انطواء يبدو كأنه استسلام صامت. قبولٌ مرير. تكيّفٌ متعثّر. شيءٌ يشبه الضآلة القصوى، يشبه الرغبة في التخفي عن النظر، في الانمحاء التام، في التلاشي!
مع ذلك كنت أنظر إلى الشوارع والأشجار ووجوه الناس ولا أرى شيئاً، لا أسمع لا أتكلم. اللغة شمس، اللغة عين، لكنني أينما كنت أجدني أسير داخل الظلام. الظلام يحمي الأشباح وأنا واحد منهم. ليس لي اسمٌ ولا بلد. بلدي ليس بلدي. لا يحتاج الشبح إلى اسم ولا إلى مكان. الهرب هو الاسم وهو المكان. ونحن أشباح نقيم في أرض الهرب، التي هي أرضنا الوحيدة.
لا وجه لي ولا اسم. سيدي القناع.
مع ذلك عليّ أن أتكلم، أن أجد للقناع وجهاً. أحتاج إلى صوت هو صوتي، لكن أين لغتي أين صوتي؟
أليس اندماج اللاجئ حباً من طرفٍ واحد، أليس حباً خاصاً وخائباً؟ حباً أقرب الى الواجب منه الى الرغبة. الواجب يطفىء الرغبة، يخمد الشغف. الواجب آلة، والآلة متقنة لكنها عمياء. أحياناً أرى الاندماج نصف لغة، نصف لسان، نصف حياة أم أنه ينطوي على كراهية، على إجبارٍ، على رفض وازدراء!
أبحث عن حلّ، عن جوابٍ ليس هو الحب ولا هو الكراهية. ليس الرفض ولا القبول. عالم الثنائيات ضيق وفقير المعنى.
اللغةُ صوت، لكنّ كلامي أخرس، لساني معطل، وفمي مملوء بالعار والخجل. ليس فمي فقط. عقلي وقلبي غمرهما العار والعجز والندم. هل أستحق كل هذه المهانة، هل أنا مذنب يستحق العقاب؟
أتساءل هل من الأفضل للشبح أن يرقد في مشفى الأرواح. لكنني لست مريضاً. اللغة شمس، اللغة علاجٌ، اللغة جسر. لكنني لا أسمع شيئاً من كلمات جسور برلين ولا حدائق برلين ولا متاحفها. وقتي بلا وقت بلا إحساس بمرور الوقت. أشعر كأنني أحيا خارج الزمن.
هنا علي أن أفهم اللغة حتى أعتاد النظر الى حديقة وأستطيع سماع كلمات الأشجار وتعابير الجسور. يبدو أن اللغة استعداد يسبق القدرة على الفهم! لا ماضي لي هنا فكيف أسير في حاضر المدينة، كيف أسير في طريق بلا ماض، كيف أخطو الخطوة الأولى.
هل الطفل شبح نفسه، قرينها، مخيفها ومنقذها. هل علي أن أطير! أين جناحي؟ اللغة جناحٌ، اللغة جسرٌ، اللغة ماض وحاضر. لكن ما يحيط بي ليس سوى ليل. ليلٌ قديم وطويل. ليل بلا حافة بلا نهاية. ليلٌ في الليلِ وليلٌ في النهار.
مع ذلك علي أن أتقدم، أن أواصل السير الليلي.
اللغة شمسٌ، اللغة حاجزٌ، اللغة عائق. تحلّ كلمةٌ محل كلمة أخرى لكنها لا تصل إلى هدفها وإلى معناها. اللغة شمسٌ وعلي ألا أفقد الثقة بالشمس.
هل ينبغي عليّ العودة إلى المدرسة فرحاً مثل طفل، لكنني لست طفلاً. هل عليّ طلب الرعاية في مشفى العجزة؟ لكنني لست عجوزاً ولا مريضاً! أحملُ ماضي الطفل ومرض الشيخ وأمزجهما، بدمع الفرحان مع دمع الحزين. هذه القطرة المؤلمة المواسية الضعيفة.
أعد نفسي أن أحاسب نفسي. ألا أدعها تخدعني من جديد.
الندمُ يعضّ الوعد، والأملُ يخفف الألم. أملٌ يُشبه المرض! ربّما في المرض يرقد نوع من الحل. ربما المرض هو اليقظة هو الانتباه إلى الخطأ والإحساس بالسبب. إحساس بمثابة اكتشاف متأخر.
في الطريق في محطة القطارات أرى فتى يقرأ جريدة. أقول في نفسي ليتني كنت ذاك الفتى الذي يقرأ الجريدة، ليتني أتقن ما يتقنه. لست الفتى ولا الجريدة، لست المحطة المتينة، لست سوى انتظار ضعيف، سوى شخص نكرة، عابر، سرعان ما يتلاشى مخلفاً الصمت والعجز اللامرئي.
لا أستطيع الخروج من ظلِّ الشبح، ظلِّ نفسي، أنا الذي تمنيت دائماً لو كنت غيري.
عليّ أن أعود إلى لغتي، غير مختلة غير عليلة، إلى الشمس، إلى البداية حتى أجد للشبح اسماً، حتى أكون كليم الشبح وندّه الكفؤ.
هذا هو أنت يا شبح برلين. هذه أرضك. أكمل رحلة الليل، حتى لو بدا الليل بلا نهاية!
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






