تدريباتنا

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

بواسطة | مارس 2, 2026

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات الحياة اليومية البسيطة، فيما تؤكد العديد من الدراسات أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لا تزال عند مستوياتٍ غير مسبوقة، وأن نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وحوالي سبعة من كل عشرة سوريين مازالوا بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدة الإنسانية. وبالنظر إلى تلك الأرقام يُطرح اليوم السؤال الملح: هل تغيَّر الواقع الإقتصادي والمعيشي في البلاد إلى الأفضل؟ 

رغم التحسن النسبي لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وزيادة الرواتب الحكومية بنسبة 200%، مازالت تكاليف المعيشة تُثقل كاهل معظم السوريين، ومازال حجم الراتب الحكومي (نحو 85 دولار وسطياً) يعجز عن توفير أبسط متطلبات المعيشة، ويُبقي القدرة الشرائية في حدودها الدُنيا.  ورغم انخفاض أسعار الكثير من السلع والمواد الغذائية، نسبياً، بقي بعضها أعلى من سعره الحقيقي ولا يتماشى مع حجم انخفاض قيمة الدولار مقابل الليرة، وخاصة اللحوم ومشتقات الألبان وبعض أنواع الفاكهة والخضار والمعلبات والزيوت النباتية وغيرها، فيما لا تزال أسعار معظم أنواع الأدوية وتسعيرة معاينة الأطباء كما كانت قبل سقوط النظام، دون تسجيل أي انخفاض يُذكر. 

وإلى جانب ذلك، وبعد أن اتبعت الحكومة الجديدة سياسة تخفيض الدعم عن معظم المواد الأساسية، التي تُشكّل عصب الحياة، ارتفع سعر ربطة الخبز من 400 إلى أربعة آلاف ليرة، أي عشرة أضعاف، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من دولارين، عندما كانت توزَّع عبر البطاقة الذكية، إلى 11،5 دولار (حوالي 130 ألف ليرة)، وبلغ سعر ليتر المازوت 0،95 دولار. 

ورغم توفر تلك المواد بشكلٍ جيد، قياساً بما كان عليه الوضع في السابق، وتخفيف مظاهر الطوابير التي كانت مشهداً يومياً أمام الأفران ومحطات الوقود، إلا أن الأسعار الجديدة فاقمت من معاناة الكثير من الناس، خاصة الفقراء والمُعدمين، كونها لا تتناسب أبداً مع متوسط حجم الدخل الشهري للموظف الحكومي أو حتى موظف القطاع الخاص. فالعائلة المكونة من خمسة أفراد، والتي تستهلك وسطياً نحو ربطتين ونصف من الخبز يومياً، باتت تحتاج إلى 300 ألف ليرة شهرياً ( ثلث راتب الموظف الحكومي) لتؤمن حاجتها من الخبز، فيما قد لا يكفي الراتب نفسه كاملاً لشراء مئة ليتر مازت، وهي، وسطياً، أقل من ثُلث الكمية التي قد تحتاجها العائلة للتدفئة خلال فصل الشتاء.

إلى جانب ذلك، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى رفع تعرفة وسائل النقل العامة. وبعد أن كان أصحاب السرافيس والباصات يحصلون على كميات محددة من الوقود المدعوم بسعرٍ منخفض مقابل الالتزام بتعرفة النقل، تم إلغاء تلك الكميات وباتوا يشترون الوقود بسعر السوق. وخلال الأشهر الماضية ارتفعت، على سبيل المثال، تعرفة النقل لمعظم السرافيس من 1000 إلى 3 أو 4 آلاف ليرة، وهو ما شكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كثير من الناس الذين يحتاجون لاستخدام المواصلات يومياً، إذ يضطر كثير من الموظفين لإنفاق نحو نصف الراتب الشهري ثمناً للمواصلات لكي يتمكنوا من الذهاب إلى أعمالهم.  

الكهرباء حديث الناس الشاغل 

في نهاية تشرين الأول الماضي أصدرت وزارة الطاقة،  قراراً يقضي برفع أسعار الكهرباء بنحو ستين ضعفا، فبعد أن كان سعر الكيلوواط المنزلي10 ليرات، ارتفع إلى 600 ليرة، ضمن الشريحة الأولى، وإذا زاد الاستهلاك عن 300 كيلوواط  فستُحدد التكلفة ضمن الشريحة الثانية، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط. وقد صرَّحت الوزارة أن قرار الرفع جاء نتيجة شح الموارد وارتفاع معدلات الاستهلاك والهدر الكبير في الطاقة، وأنه كان ضرورياً لكي يُجبر المستهلكين على ترشيد الاستهلاك، ويجذب الشركات المُستثمرة لكي تعمل وتستثمر في قطاع الكهرباء. 

ومع صدور الفاتورة الأولى، بعد قرار الرفع، صُدم أغلب الناس من الأرقام الكبيرة للفواتير، التي تجاوز بعضها المليوني ليرة، واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بموجات غضبٍ واستياء واعتراضٍ على القرار، وخرجت أصواتٌ كثيرة ترفض تسديد الفواتير المُجحفة، وقد نُظّمت مجموعة وقفات إحتجاجية في دمشق ومحافظاتٍ أخرى، احتجاجاً على القرار وعلى حجم الفواتير التي ستزيد معاناة الناس، بل ستلتهم النصيب الأكبر من مداخيلهم المتواضعة، التي بالكاد تكفيهم لأيامٍ معدودة، فبالنظر إلى التسعيرة الجديدة للكهرباء، سيكون المعدل الوسطي لفاتورة الاستهلاك المنزلي، نحو مليون و200 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق الدخل الشهري للموظف الحكومي. 

وبدل أن يفرح الناس بتحسن الكهرباء، التي انخفضت ساعات تقنينها في الأشهر الماضية، أصبح الكثير منهم يتبعون سياسة تقنينٍ مؤلمة، فتوقفوا عن استخدام الكثير من الأجهزة الكهربائية، كالطبّاخ والمايكرويف والمكنسة والمدفئة، وباتوا يستخدمون بعض الأجهزة، كالفرن والغسالة والمكواة، عند الضرورة المُلحّة، ويشغلون البرَّاد وسخان المياة لساعاتٍ محددة، فيما لجأ بعضهم للاستعانة بوسائل الطاقة البديلة كالبطاريات وألواح الطاقة الشمسية، التي تحتاج لمبالغ كبيرة.    

 وبحسب كثيرٍ من الآراء، ستشهد الأسواق، في قادم الأيام، ارتفاعاً كبيراً في أسعار كثيرٍ من السلع والمواد، التي سترتفع تكلفة إنتاجها في المصانع والمعامل، نتيجة ارتفاع فواتير الكهرباء التجارية، كما ستتضرر الكثير من الورش الصناعية والمعامل الصغيرة وورشات الحرف والأشغال اليدوية ومحلات تنظيف الثياب وغيرها من المهن، التي بالكاد تؤمن لقمة العيش لمن يعملون فيها. 

ارتفاع أسعار باقات الانترنت

 في نهاية العام الماضي رفعت شركتا الاتصال الرئيسيتان في سوريا، سيرياتل وMTN، أسعار باقات الانترنت بنسبة تتراوح بين 100 و1000 % . فعلى سبيل المثال، ارتفعت الباقة الأسبوعية (سرعة 2غيغا بايت) من 2000 إلى 12 ألف ليرة، فيما ارتفعت الباقة الشهرية (سرعة 20 غيغا بايت) من 40 إلى 120 ألف ليرة، وهو ما أحدث موجة غضبٍ واسعة في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وشكَّل صدمة كبيرة لدى شريحة واسعة من الناس، الذين باتوا عاجزين عن الاشتراك بتلك الباقات، التي كانوا يعتمدون عليها في إتمام أعمالهم ومهامهم الوظيفية، وخاصة طلاب الجامعات، الذين يستخدمون الإنترنت بشكلٍ يومي من أجل متابعة دروسهم ووظائفهم وتنزيل محاضراتهم، سيما أن الكثير منهم يعيشون بعيداً عن أُسرهم، ويعملون خارج أوقات الدراسة  لتأمين مصاريفهم. 

ويرى الكثير من المُحتجين على قرار رفع الأسعار أنه يعكس غياب الرقابة الحكومية على شركات الاتصال التي تحتكر الخدمات، في ظل غياب المنافسة، ولا ترأف بالواقع الاقتصادي المتدهور لدى معظم الناس، في وقتٍ لم يعد فيه استخدام الإنترنت رفاهية يُمكن الاستغناء عنها، وإنما ضرورة يومية مُلحّة، خاصة أن معظم الوظائف والأعمال والدروس التعليمية صارت تعتمد على خدمة الأونلاين بشكل كبير.  

إيجارات المنازل.. ارتفاع متزايد

 بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد شهدت إيجارات المنازل والمحال التجارية، في مختلف المحافظات، ارتفاعاً كبيراً، مازال يتزايد يوماً بعد يوم، ففي دمشق وصلت إيجارات المنازل في معظم الأحياء إلى ما بين 300 و 500 دولار، وقد تتجاوز هذا الرقم في بعض الأحياء الراقية، فيما تتراوح ما بين 80 إلى 300 دولار في بعض مناطق ريف دمشق، كجرمانا وصحنايا وضاحية قدسيا، بحسب طبيعة المنطقة ومواصفات المنزل وقربه من المواصلات العامة. وتعود أسباب ذلك الارتفاع إلى عودة الكثير من المغتربين واللاجئين إلى البلاد، وتعذّر عودة معظم الناس إلى بيوتهم المدمّرة، وبحث الكثير من العوائل، التي كانت تسكن في شققٍ تعود ملكيتها للدولة، عن سكنٍ بديل، بعد تسليم تلك الشقق عقب سقوط النظام، وخاصة المعلمين والمتطوعين في الشرطة والجيش وغيرهم. وقد ساهم هذا كله في زيادة  الطلب على البيوت المستأجرة بشكلٍ كبير، ما أدى لارتفاع إيجاراتها، وانعكس سلباً على المستأجرين القدامى، إذ بات الكثير من أصحاب البيوت يطالبونهم برفع أسعار الإيجارات أو المغادرة، في حال عدم دفع المبالغ المطلوبة، وهو ما دفع الكثير من العائلات للانتقال إلى الأرياف، بحثاً عن إيجارات رخيصة ترأف بحالهم، بعد أن باتت رواتب بعضهم لا تكفي لدفع إيجار منزل.

تسريح الموظفين 

عقب سقوط نظام الأسد تم تسريح أكثر من 300 ألف موظف. فعلى سبيل المثال، تم فصل 15% من كوادر وزارة النقل، والرقم ذاته من كوادر وزارتي الصناعة والصحة، ناهيك عن موظفي وزارة الداخلية والدفاع ومختلف مؤسسات الدولة. وقد نَظَّم جزء كبير من المفصولين وقفات احتجاجية في عددٍ من المحافظات، للتنديد بقررات الفصل. ففي طرطوس تظاهر العاملين في القطاع الصحي أمام مديرية الصحة، رافعين مجموعة شعارات، من بينها:”بدنا ناكل.. بدنا نعيش”، احتجوا من خلالها على قرارات الحكومة، وطالبوها بإعادة النظر فيها، كما شهدت مدينة درعا احتجاجاتٍ مشابهة، تنديداً بفصل مئات الموظفين من مديرية الصحة في المحافظة، ومن بين الشعارات التي رفعها المُحتجّين: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق” و”لا للقرارات الجائرة بحق الموظفين الذين مازالوا على رأس عملهم”. 

وإلى جانب قرارات الفصل، مازال مصير عشرات الآلاف من الموظفين مجهولاً حتى اليوم، وخاصة عناصر الشرطة والجيش وموظفي وزارتي الدفاع والداخلية، والأطباء العاملين في المشافي العسكرية والمتقاعدين العسكريين. فهم لا يتقاضون رواتبهم منذ عدة أشهر ولا يعلمون كيف سيكون مصيرهم في قادم الأيام.

وبحسب كثيرٍ من الآراء ستساهم قرارت الفصل في تفاقم حجم الفقر والمعاناة التي يعيشها معظم الناس، وستُلحق أذىً كبيراً بآلاف العائلات التي باتت محرومة من أي مصدرٍ للدخل، وتزيد من معدلات البطالة، التي ينبغي على الدولة أن تُساهم في تخفيضها، سيما أنها تفاقمت أصلاً بعد سقوط نظام الأسد، خاصةً بعد إغلاق العديد من الشركات التجارية المحسوبة على رجال أعمالٍ يتبعون لنظام الأسد، وإغلاق عددٍ كبير من المعامل والمصانع، بعد فرار الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، وتوقف عشرات المعامل والمنشآت الصناعية التابعة للدولة عن العمل، بغرض التوجه نحو خصخصتها  أو إعادة هيكلتها من جديد. 

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

الإعلام المستقل: طريق نجاة العدالة الانتقالية السورية!

الإعلام المستقل: طريق نجاة العدالة الانتقالية السورية!

لم يكن تاريخ 8-12- 2024، مجرد حدث غيّر مجرى الحياة السياسية والاجتماعية في سورية، بل إنها الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة التي أعلنها الإعلام العربي، أن سوريا بلا بشار الأسد، هذه الدقائق شكلت اختباراً جديداً للإعلام السوري، الذي ظهرت على شاشته الرسمية مجموعة تعلن...

تدريباتنا