تدريباتنا

“مقاتل لا قاتل”.. حملة تدعو لتحييد المدنيين عن المعارك

بواسطة | سبتمبر 3, 2019

“في زمن الحرب، ليس كل شيء مباحاً” عبارة عبر بها المقاتل عمران الشعراوي (32عاماً) عن استيائه، فهو لم يحتمل أن يرى فصيله الذي انتسب إليه بغية إسقاط النظام الحاكم، يتبع أساليب ملتوية أهمها قتاله لفصيل ثوري آخر، وهو ما دفعه للانشقاق عنه على الفور واعتزال العمل العسكري الذي “انحرف عن مساره الصحيح” على حد تعبيره.

مع مرور ما يزيد عن ثمانية أعوام على الثورة السورية، سُجلت العديد من الانتهاكات التي قام بها مقاتلون تضمنت إعدامات ميدانية وسرقة وخطفاً وتهديداً واغتيالات واستهدافاً للمدنيين، وهو ما دفع مجموعة من الشباب الناشطين لإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تهدف إلى نشر الوعي بين المقاتلين. أطلق على الحملة اسم ” مقاتل لا قاتل” وهي عبارة عن رسالة موجهة لجميع المقاتلين دون استثناء سواءً الموالين منهم للنظام السوري أو المعارضين له.

يوضح عمران دوافع اعتزاله لفصيله: “حين انتسبتُ للثورة المسلحة وضعت أمامي هدفاً واحد وهو التخلص من نظام استبد بحكم البلاد وظلم العباد على مدى عقود، غير أن محاربة فصيلي لفصيل آخر يحمل ذات الأهداف التي خرجنا من أجلها كان بالنسبة لي تقاعساً عن أداء الواجب والأمانة وانحرافاً عن مسار الثورة المحقة. وهو ما دفعني لاعتزال العمل العسكري، لأنني لا أريد أن أتحول من مقاتل إلى قاتل.” ويؤكد عمران  أنه يجب على المقاتل أن يتمتع بالأخلاق والالتزام بقواعد حقوق الإنسان، وبذل كل جهد ممكن للحفاظ على مسار الثورة بما يحقق أهدافها في نيل الحرية والكرامة والانتقال إلى دولة مدنية تحترم جميع مواطنيها دون أي تمييز.

تعتبر حملة ” مقاتل لا قاتل” جزءاً من مشاريع منظمة نداء جنيف وهي منظمة إنسانية غير حكومية، تتميز بحيادها وعدم تحيزها، مكرسة للجهات الفاعلة المسلحة غير الدولية لحثها على الامتثال لقواعد القانون الإنساني وشرعة حقوق الإنسان. وتركز المنظمة على الجهات المسلحة كالمنظمات المسلحة التي تدير عملياتها خارج سيطرة الدولة الفعلية، الأمر الذي ينطبق على الحالة السورية.

وحول نشاطات الحملة يحدثنا وائل الحسن (26عاماً) أحد نشطاء الحملة بأنها عبارة عن سلسلة من الأفلام القصيرة التي تبلغ مدتها حوالي النصف دقيقة، تعتمد على المزج بين صوت الراوي والمشهد الذي ترسمه يد تعبر عن محتوى الحلقة التي حملت عدة عناوين ومنها: “لا تستهدف أو تهاجم ممتلكات مدنية أو مبانٍ عامة؛ لا تستهدف ولا تهاجم المدنيين؛ عامل جميع الناس الذين تحت سيطرتك بإنسانية؛ احترم عناصر الخدمات الطبية وأمن الحماية لهم؛ لا تستخدم أسلحة ممنوعة ولا تنخرط في أساليب حرب غير قانونية ولا تجند الأطفال ولا تستغلهم في القتال أو الأعمال العدائية.” ويشير الحسن إلى أن الوضع الإنساني في سوريا يواصل تدهوره، فالمرافق الطبية تُستهدف بانتظام، ويتم استهداف السكان المدنيين “دون رحمة وينتشر التعذيب في المعتقلات، والملايين من الأشخاص أجبروا على مغادرة بيوتهم بسبب القتال المتواصل، ولذا فإن الحملة تهدف إلى رفع مستوى وعي المقاتلين من كل الأطراف وتذكيرهم بواجباتهم في حماية السكان المدنيين.” ويضيف الحسن إلى أنه يتوجب على كل مقاتل سواءً كان جندياً أو مسؤولاً أو ضابطاً اتخاذ تدابير وإجراءات وقائية، سواءً قبل اندلاع العمليات العسكرية أو أثنائها وحتى بعد انتهائها. والهدف من هذه التدابير هو محاولة الإسهام في حماية الأشخاص غير المشتركين بالعمليات العسكرية ومحاولة الحفاظ على المواد التي لاغنى عنها لبقاء السكان المدنيين. وهذا الواجب يدخل في إطار مايعرف بمعادلة التناسب التي تعرف بتحقيق التوازن بين قاعدة الضرورة العسكرية ومبدأ الإنسانية، وتحقيق هذا التناسب والتوازن من قبل المقاتلين يتطلب منهم الوعي الكافي حول وضع مخطط يتناول فيه كل الجوانب التي تساعد في الوصول إلى الهدف، مع مراعاة حماية المدنيين من أي خطر عسكري. ومن هنا تظهر أهمية الحملة التي  تهدف إلى تشجيع المجتمع المدني على الترويج لهذه المعايير والقيم  وفق ما أكد الحسن.

لم يقتصر ترويج الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما كان هنالك تدريبات من قبل بعض المنظمات للمقاتلين على الجبهات وتوعيتهم في مجال قواعد القانون الدولي الإنساني والدعم النفسي والتخطيط الاستراتيجي. ومن تلك المنظمات كانت أكاديمية آفاق للتطوير والتغيير التي أنشأت ستة تدريبات في هذا المجال تم من خلالها توزيع كتيبات “مقاتل لا قاتل” على كل المتدربين وقد أعطي القادة عدداً أكبر من الكتيبات بغية توزيعها على العناصر التي تقاتل معهم.

وعن التدريب وأهدافه يُبين المرشد النفسي محمد السيد (30عاماً) بأن التدريب لا يقدم برنامجاً نفسياً للمشاركين وإنما آليات للدفاع عن أنفسهم والحفاظ على توازنهم النفسي في حال تعرضهم لصدمات خلال القتال، ومهارات إدارة الضغوط للوصول إلى درجة عزل بين نفسية المقاتل وبين الحدث للتصرف بطريقة أسلم في حال الأزمات. وينوه السيد إلى أن الكتيب الذي قدمته الأكاديمية للمشاركين يحوي نصائح قانونية للمقاتلين عن كيفية التصرف أثناء النزاعات بأسلوب سهل وطريقة محببة تعتمد على الصورة أكثر منها من الكلمة، ناهيك عن حجمه الصغير الذي يجعل من السهل حمله في كل مكان.

وأثنى علاء النجار (40عاماً، أحد القادة الميدانيين الذين حضروا التدريب) على الحملة ووصفها بالإيجابية قائلاً: “لقد استفدنا من التدريب بصقل خبراتنا حول كيفية تحديد الأهداف وامكانية استهدافها من عدمه في حال كان استهدافها يوقع أضراراً أكبر من الفوائد العسكرية المرجوة، وكيفية اتخاذ قرار عسكري ضمن إطار القانون الدولي الإنساني.” وأضاف بأن الحملة أبرزت للمقاتلين العديد من الأخطاء التي يقعون فيها عادةً مما يرتب عليهم مسؤولية قانونية في المستقبل، ما يدفعهم لتلافيها. كما وبين النجار بأن الحملة والتدريب قدما لهم الكثير من المعلومات الهامة والتي من شأنها أن تساعدهم في معالجة أغلب الإشكاليات التي تواجههم وأهمها قضية الأسرى واستهداف المقرات العسكرية المتواجدة بين المدنيين وغير ذلك.

لم تنتشر حملة مقاتل لا قاتل فقط في سوريا، وإنما عملت منظمة نداء جينيف سابقاً على نشرها في دول أخرى متأثرة بالنزاع المسلح كالعراق في عام 2015، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2016، حيث تمت مشاهدتها من قبل ملايين الأشخاص ويُعتقد أنه كان لها أثر لا يستهان به في حث المقاتلين على التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية والعمل على حماية المدنيين وخاصة النساء والأطفال.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا