تدريباتنا

مصائر زواج السوريات من المقاتلين الأجانب

بواسطة | مايو 17, 2021

الفقر وانعدام الأمن والاستقرار هو ما دفع أبو عمر (٤٥عاماً) من معرة النعمان لتزويج ابنته نسرين (١٧عاماً) من أول متقدم لخطبتها، وكان مقاتلاً مهاجراً يعمل ضمن أحد الفصائل العسكرية في المنطقة، لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً فقد عادت نسرين إلى بيت أهلها بعد عام من زواجها بصحبة طفلها وذلك بعد أن انتقل زوجها للقتال على إحدى جبهات ريف حلب، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره بشكل نهائي، وقد تعددت الروايات بين مقتله وعودته إلى بلده.

نسرين واحدة من نساء كثيرات في إدلب وريفها وقعن ضحية الزواج المجهول من مقاتلين مهاجرين وأجانب، حيث بدأت تنتشر ظاهرة زواج النساء السوريات من المقاتلين الأجانب الذين بدأوا بالتوافد إلى سوريا منذ بداية النزاع للمشاركة في القتال، وانضموا إلى الفصائل الإسلامية المسلحة المقاتلة في المنطقة  وهؤلاء المقاتلون سرعان مابحثوا عن الزواج بعد شعورهم بأن بقاءهم في سوريا سيستمر لسنوات طويلة، لتقع كثير من النساء ضحايا الظروف الصعبة بعد مقتل الزوج أو اختفائه، ما يؤدي إلى أن تعيش هؤلاء النساء مع الأطفال الناتجين عن هكذا زيجات.

 حياة اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة والتعقيد

أجبرت الظروف الثلاثينية رزان العبد من بلدة بنش على القبول بالزواج من أحد المقاتلين المهاجرين، فقد تقطعت بها السبل بعد وفاة والديها في غارة جوية، وبقيت وحيدة تتنقل بين بيوت إخوتها، وتقول رزان عن تجربتها: “كنت دائما أشعر بأنني عالة على الجميع، وبسبب تقدمي بالسن وافقت على الزواج بمقاتل يعمل ضمن فصيل هيئة تحرير الشام ويكنى بأبي طلحة الليبي وهذا كل ما أعرفه عنه، لأنه كان دائماً يتهرب من أي سؤال يخص تفاصيل حياته، ويغضب إذا سألته عن نسبه واسمه الحقيقي متذرعاً بأسباب أمنية، فكنتُ أخفي انزعاجي كونه كان يعاملني معاملة طيبة، استمر زواجنا قرابة العامين والنصف رزقت خلالها بطفلين.“

تصمت رزان قليلاً ثم تتابع بغصة : “خرج أبي طلحة في إحدى المعارك ليأتيني بعدها خبر وفاته، وجدتُ نفسي وحيدة مع طفلين مجهولي النسب، فبدأت أعمل في الأراضي الزراعية طوال النهار من أجل تأمين قوتي وقوة أطفالي الذين ليس لديهم معيل.”

تبين رزان بأنها دفعت ثمن قبولها بهذا الزواج الذي دمر حياتها، وأكثر ما يؤلمها ويشكل الهاجس الأكبر في حياتها هما طفلاها اللذان سيحرمان من جميع الحقوق المدنية في التعليم والتملك والرعاية الطبية والهوية كونهما دون نسب أو أوراق ثبوتية.

وإذا كانت رزان هي من وافقت على هذا الزواج بمحض إرادتها، فإن معظم حالات الزواج التي جرت في الشمال السوري لم تكن فيها الفتاة صاحبة القرار في اختيار شريك حياتها، حيث يقوم الأهل بتزويج بناتهم حتى دون أخذ رأيهن في كثير من الأحيان وهو ماجرى مع القاصر رولا (١٦عاماً) التي أجبرها والدها على ترك المدرسة بعد نزوحهم من بلدتهم خان السبل وإقامتهم في خيمة قماشية في بلدة كفرلوسين على الحدود السورية التركية. قام والد رولا بتزويجها من أحد أصدقاء أخيها المجاهدين ضمن صفوف جبهة النصرة وهو رجل سعودي ويكبرها بخمسة وعشرين عاماً، وذلك للتخلص من مصروفها والستر عليها في ظل حالة الفوضى والفلتان الأمني الذي يسيطر على المنطقة، ولاعتقاد الوالد أن هذا الزوج سيضمن لابنته حياة مرفهة، خاصةً وأن العريس السعودي رجل غني وراح يغدق عليها وعلى أهلها بالأموال والهدايا.  وظن والد رولا أيضاًبأن وجود هذا العريس بقربها وقرب أهلها سيؤمن لهم الحماية والسلطة في مجتمعهم، إلا أن اعتقاداته كلها كانت خاطئة، فبعد الزواج راح الزوج يعامله رولا معاملة قاسية، فكان متشدداً في كل الأمور، وألزمها بوضع النقاب، وحرمها من الخروج من المنزل أو حتى زيارة أهلها، وكان يعنفها باستمرار لصغر سنها وجهلها بمسؤوليات الزوج والبيت، وفوق ذلك كله طلقها بعد أن أنجبت منه طفلة، وعادت إلى خيمة أهلها مكسورة الخاطر مع طفلة مجهولة النسب ومحرومة الحقوق.

حملة “مين زوجك؟”

وردا على انتشار هذه الظاهرة أطلق ناشطون في إدلب حملة “مين زوجك؟” في عام ٢٠١٨ بهدف توعية النساء بمخاطر هذه الزيجات عليهن وعلى أطفالهن، وذلك من خلال فرق عمل موزعة على القرى والبلدات.

وتتنوع الأسباب والدوافع التي تحتم على الأهالي القبول بتزويج بناتهم مثل هذه الزيجات وقد أوجزتها الخبيرة الاجتماعية هدى العوض (٤٧عاماً)من مدينة إدلب بالقول: “أهم تلك الأسباب تكمن في الجهل وقلة الوعي، بالإضافة للفقر المدقع والحالة الاقتصادية السيئة التي تعصف بالأهالي، فضلاً عن عزوف معظم الشباب السوريين عن الزواج لما فيه من تكاليف باهظة في ظل البطالة وصعوبة تأمين فرص العمل ما أجبر معظم الشباب على الهجرة بحثاً عن الأمان والرزق. وهو ما يفسر كثرة هذه الزيجات التي تنتهي بالفشل غالباً أو بالطلاق أو مقتل الزوج أو تركه لعائلته والانتقال إلى أماكن أخرى بحكم تنقل تنظيمه المستمر، أو عودته إلى بلده الأصلي تاركاً خلفه عائلته وأطفاله، لتبدأ بعدها رحلة الضياع.

ويشرح المحامي نضال العمر (٤٠عاماً) من معرة مصرين في حديث خاص الأثر القانوني المترتب على زواج السورية من أجنبي بقوله: “الزواج يجب أن يكون مبنياً على الوضوح ومعظم هذه الزيجات تتم خارج نطاق المحاكم الشرعية، وغالباً دون أن يفصح المهاجر عن اسمه الحقيقي، والاكتفاء بالكنى والألقاب والأسماء المستعارة، وهذا الغموض يعتبر من محرمات الشريعة الإسلامية ومن مفسدات الزواج.”

وأكد العمر بأن المحاكم الشرعية المنتشرة في الشمال السوري لا تعترف بالزواج من أشخاص مجهولي الهوية، ولا تقر بتثبيت نسب الأطفال، الأمر الذي يترتب عليه حرمان هؤلاء الأطفال من أبسط حقوقهم وهي الجنسية والنسب والعائلة، ما ينذر بأنهم سيواجهون حياة صعبة بكل ما تعنيه الكلمة.

ويقترح المحامي كحل لهؤلاء إقرار قانون يسمح للأم السورية بمنح جنسيتها لطفلها وهو ما لم يحصل حتى اللحظة.

ووفقا لإحصائيات حملة “مين زوجك” فقد بلغ عدد النساء المتزوجات من مقاتلين أجانب حتى آذار ٢٠١٨حوالي ١٧٣٥سيدة، ونتجت زيجات ما يقارب ١١٢٤ امرأة من هؤلاء النساء عن أطفال والذين يُقدر عددهم  بحوالي ١٨٢٦ طفلاً.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا