تدريباتنا

ليلة السكاكين بمشحذ السرد لعروة المقداد

بواسطة | نوفمبر 18, 2025

ما إنْ تقرأ عنوان رواية/ نوفيلا: (ليلة السكاكين، لعروة المقداد والصادرة عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل لعام 2025) حتى تتداعى لذاكرتك: “ليلة السكاكين الطويلة” في ألمانيا الثلاثينيات التي أمر فيها هتلر بتنفيذ مجموعة من الاغتيالات بحقّ خصومه من الحزب النازي. حقيقة، ليس من رابط فعلي، حتى لو لويت أعنّة المعاني، بين ليلة السكاكين الطويلة وليلة السكاكين لعروة المقداد، لكن هناك نيات وأفعالًا نازية تواطأ عليها أهل القرية، فمن هنا جاء الشبه. لقد اتفق كبيرهم ابن فهد مع السلطة في العاصمة، وكل فرقاء الحرب على تصفية ابن سلامة؛ فأوكلوا لعصابة بنات آوى اغتيال (ابن سلامة) بأشنع الطرق كي تتطهّر القرية والبلاد من ذكراه، ويتوقّف وجوده عن فضح خيانتهم للثورة وارتهانهم لمصالحهم.

من هو ابن سلامة؟ هو يتيم ربّته أمّه برموش عينيها، لكن من أين جاءه اللقب؟ لقد رفضت أمّه التقاليد والأعراف، وخرجت عن قيودها، فنذرت نفسها لتربية ابنها، رافضة طالبي الزواج ومشتهيها من الذكور بالحرام، مغلقة سمعها عمّا وصفتها النساء به من نعوت مقذعة، فتارة يقلن عن ابنها، ابن فلان، وتارة ابن علتان. وللحقيقة لم يكن إلّا ابن أبيه الذي مات مبكرًا، وانتقامًا من أمّه، أنكر أهل القرية نسبه لأبيه وكنّوه بأمّه، استحقارًا، لأنّها تمرّدت على تقاليدهم البالية! لقد كانت طهارة سلامة وأخلاق ابنها تقضّ مضجع أهل القرية، وعندما عصفت الحرب بالقرية وما جاورها في البلاد، تصدّى ابن سلامة لعصابات الأمن وأنقذ فتاة من محاولة اغتصابها، فقاتلهم من منزل إلى منزل، ومن المسافة البعيدة والقريبة والمسافة صفر.

ودارت رحى الحرب والهدنات ونسيت بطولات ابن سلامة، بل اختلط ذكراه بمن اتهمه، بأنّه كان أحد أسياد هذه الحرب، أو أنّه أحد الثوار الذين انتفضوا بوجه الظلم، أو أنّه مجرد مرتزق محظوظ لتنسب إليه تلك الصفات الثورية. لقد مضت خمس عشرة سنة عندما عاد ابن سلامة، والبلاد هي البلاد، لم ينتهِ القتل والخطف والتهجير، لكن بعد عودته أفزع أصحاب السلطة والتاريخ الكاذب وأقلق الأساطير والخرافات التي تعتاش عليها هذه القرية، لذلك قرّر بعضهم قتله، فيما صمت الآخرون.

ولأنّ الحكاية يجب أن تُحكى، فهناك دومًا شاهدٌ؛ وشاهدنا في هذه الرواية؛ هو الراوي الذي لا يتذكّر من ابن سلامة إلّا لحظة دخوله إلى بيتهم وهو يناور ويتخفّى عن عناصر الأمن، فيعطي قطعة من الحلوى للطفل الخائف، الذي سيصبح الراوي فيما بعد، وكان في الثامنة من عمره آنذاك. كبر الراوي في زمن الحرب وأصبح مدرسًا في قريته وفي لحظة برزخية، رأى ابن سلامة/ الأسطورة/ الواقع/ الوهم، عائدًا إلى بيته، فخرج إلى دروب القرية وشوارعها يصرخ: عاد ابن سلامة، عاد ابن سلامة!

لقد قتل ابن سلامة بأشنع الطرق؛ ولكي نفهم لماذا قُتل رمز الطهارة والثورة، رجع الراوي القهقرى إلى بدايات تشكّل قريته التي أقيمت على سهل، تراكمت مدنه فوق بعضها البعض، من رومانية ومسيحية وإسلامية. هذه القرية كانت منقسمة طبقيًا بين الذوات والعوام، يتولى حكمها ربيب سلطة العاصمة، وحدث أن سيطرعليها أحد الزعران الذين تنافسوا على حكمها منذ نشأت، وهذا الأزعر يُدعى فهد، حيث استطاع أن يلعب بالبيضة والحجر، ويثبت على سدّة المخترة، بعد أن سلبها بالمكر والعنف والدهاء، فأصبح من الذوات وترك طبقة العامة المحتقرين خلفه، وعندما حان الزمن ليورث ابنه، لا أملاكه فقط، بل سلطته أنفذه إلى العاصمة ليستمع للأستاذ؛ ذلك الرجل الغامض الذي لا يدين إلّا بدين السلطة، فعلّمه كيف يكون ثوريًا ورجعيًا، حسب ما تقتضي الظروف وتبدّل المصالح والولاءات. رجع ابن فهد سيدًا على القرية وعندما قامت الثورة أو الحرب الأهلية، فكلٌّ يطلق عليها التسمية التي تتوافق مع ميوله! لعب ابن فهد لعبة أبيه بالبيضة والحجر، فيدٌ مع السلطة، ويدٌ مع المجرمين، ويد ثالثة مع رجال الدين، يرضي هذا، وينتقم من ذاك ويقتل هذا وذاك. لقد كان ابن فهد يتمنّى في دخيلته أن يكون له تاريخ ابن سلامة، لكن من أين له ذلك! فلا أفعاله ولا أخلاقه، ولا نواياه، تتفق أن يكون له ذلك التاريخ، وإذا كان مايرغب به من المحال، فليصنع تاريخًا من الأكاذيب، ولا يكون ذلك إلّا في قتل ابن سلامة، لتنتهي المقارنة وتخلص له زوجته ساجدة. 

الحبّ القاتل: 

أغلق الأمن الطرق المؤدية إلى القرية بالاتفاق مع ابن فهد، وتقرّر أن تُرتكب المجازر في القرية، لتكن عبرة لمن تجرأ على مواجهة السلطة. كان ابن سلامة عائدًا من عمله عندما مُنع من الدخول إلى القرية، لكنّه ابن هذه الأرض وهو أدرى بشعابها، فتسلّل إلى داخلها، وهناك رأى عناصرًا من الأمن يستعدون لإعدام مجموعة من الشباب، فهجم عليهم وقتلهم وأنقذ فتاة من الاغتصاب. تقع الفتاة في حبّ ابن سلامة، لكنّها تنتهي كزوجة لابن فهد، تحقد على كلّ حبّ ودقّة قلب. وعندما عاد ابن سلامة إلى بيته تسلّلت إليه، لكنّه خيّب عواطفها وشهواتها، ورغبتها أن تتسلّط عليه، فأصرت أن يقتله زوجها. هكذا توافقت المصالح بين بنت العائلة الدينية وابن عائلة المال على قتل ابن سلامه، ووافقهم في ذلك المخبرون ورجال الدين وعصابة ابن آوى التي تعمل في بيع المخدرات، وكأنّ ابن سلامة عدوهم الوحيد، مع أنّ هؤلاء هم من ارتكب القتل باسم السلطة، وهم من سهل الانتقام أهل القرية باسم الدين وهم من أفقر البلاد. ومع ذلك خضع لهم أهل القرية، ووافقوهم عندما قرّروا قتل ابن سلامة الذي تحدّى أصنامهم وكسرها، وكأنّ هذه القرية لا تعرف معنى الحياة، إلّا بالعبادة لشخص الحاكم كائنًا من يكن. 

عاد ابن سلامة بعد خمس عشرة سنة! لا أحد يعرف لماذا عاد؟ فمنهم من خمّن، بأنّه رجِع ليشعل ثورة بوجه السلطة القديمة الجديدة! ومنهم من فهم، بأنّه عاد للانتقام! ومنهم من… ! لكن ابن سلامة لم ينبس ببنت شفة، فهل عاد ليموت بعدما رأى الثورة تأكل أولادها وتنتج ديكتاتورًا آخر؟ أم أنّه عاد ليموت في مسقط رأسه بشكل طبيعي أو يُقتل على يد من دافع عنهم من أهل القرية، من المخبِر، إلى رجل الدين، إلى والد الراوي الرعديد، وجدّة الراوي الثائرة التي علّمت الراوي سرد الخرافات والأساطير؟ فهكذا قرية لا يمكن أن يكتبها علم التاريخ، لأنّها خارجة عن منهجه وأحكامه؛ خاضعة للعنات قديمة وأرواح هائمة وآمال كالأشباح، فلا تكتب إلّا بالأساطير والخرافات، فهل عاد ابن سلامة ليدفع الراوي/ المدرِس ليسرد قصته، كي تكتمل الحكايا وتخبأ في صدور الأجيال القادمة  كأساطير وخرافات؟

الرمز والإشارة والإيماء: 

لا تحدّد الرواية أرضًا، ولا شعبًا، ولا حاكما معينًا، مع أنّه من خلال الإشارة والإيحاء من الممكن إسقاط رموز وأحداث الرواية على سورية بكل بساطة، بما أنّ كاتبها سوري. وفي الوقت نفسه لا يحدّد زمنًا، فمن الممكن أن تكون في هذا العصر أو الأسبق منه، أو اللاحق له، لكن المدّة التي حدّدها الراوي في بداية الرواية لعودة ابن سلامة إلى قريته بعد خمس عشرة سنة من يوم أصبح ثائرًا، تشير إلى سنوات الحرب السورية ما قبل السقوط وما بعده. لم يكن ابن سلامة عندما قام بثورته منتميًا سياسيًا ولا دينيًا، فكل ما أراده إنقاذ أهل قريته وتلك الفتاة ساجدة التي صاقب وجودها في القرية في ضيافة صديقة لها، مع أنّ ساجدة من عوائل الذوات الدينية التي تتقاسم مع عوائل المال والسياسة السلطة في هذه البلاد، وكأنّ ثورة ابن سلامة تقول، لا يعنيني إلّا الإنسان، مهما كان منبته أو منشأه أو ميوله! ألم تكن هذه شعارات الحراك السوري في أوائل خطواته ومن بعدها انحرف يمينًا ويسارًا. إنّ تطور شخصية ساجدة من فتاة تنتسب إلى عائلة دينية، إلى عاشقة مجنونة لابن سلامة، إلى زوجة براغماتية لابن فهد، يعدّ من أفضل الأمثلة على الانحرافات التي أصيبت بها الثورة، لقد فجّر انقاذ ابن سلامة لها ثورة الحبّ/ الحرية فيها، وعندما لم تحصد من هواماتها العاطفية إلّا السراب تحوّلت إلى وحشٍ لا يعيش إلّا على القسوة. كذلك أهل قريته والثوار ورجال السلطة والمال والدين كلّ منهم ذهب وراء مصالحه الخاصة، وكأنّهم لم يهتفوا يومًا للحرية والعدالة والمساواة. وعندما أيقظتهم عودة ابن سلامة إلى القرية من انتصاراتهم المزيفة أرادوا قتله، فكأنّ لكلّ منهم ثأره الخاص معه، حتى هؤلاء الذين لم يعايشوا بداية الثورة أو الحرب، فلقد رأوا عودته إعادة للتاريخ، فنبذوه، مع أنّه بعد رجوعه لم يبرح بيته، وكأنّه يعلن خيبته، حتى ممّا خرج لأجله في الماضي. 

كان الراوي شاهدًا على كل تلك الأحداث، وسببًا بمقتل ابن سلامة، فلو أنّه صمت عن الإعلان عن عودته، لكان نُسي مع الكثيرين الذين طحنتهم الحرب، فأهل قريته نساءون مادام النسيان يخدم مصالحهم وذاكرتهم قوية لأجل مصالحهم. سدّد الراوي دينه لابن سلامة، لأنّه تسبب في موته بدون قصد، فجمع أشلاءه، بعدما قطّعنه بنات آوى إربًا إربًا، ومن ثم دفنه في أحد وديان القرية الأسطورية. لكن الأفظع من ليلة السكاكين، كان بأن اجتمعت القرية وأقامت تأبينًا عظيمًا لأجل ابن سلامة! ومن ثمّ دفنوه في تابوت خاليًا من جثمانه، أمّا الأعجب، فقد كان ظهور ولد حليق الرأس بين جموع المشيعين صارخًا: “حرية، حرية” وغاب بعدها بين البيوت والأزقة. لم يعد ابن فهد مهدّدًا بزوال سلطته، أمّا ساجدة فأوغلت بجنونها، وعاد كاتب التقارير إلى تقاريره، وإمام الجامع إلى خطبه، وبنات آوى إلى جرائمهم، بعد أن دفنوا ابن سلامة، وكأنّ لا ثورة قامت، ولا حربًا طاحنة دارت رحاها يومًا هنا. يغادر الراوي قريته إلى المنفى في شمال هذه الأرض، ولسان حاله يقول: “ظل وجه ابن سلامة لا يفارقني، وبقيت صرخته يوم قُتل تزأر في روحي وتُؤجج رغبة داخلي بالانتقام والثأر، لكن ممّن سأثأر؟ من نفسي الجبانة التي لم تحرك شيئًا طوال تلك السنوات، أم من بنات آوى؟ أومن العائلات ذات النسب؟ من ابن فهد؟ من ساجدة؟ من الأستاذ؟ من المدن والحضارة؟”. 

قد تكون نوفيلا عروة المقداد من أوائل الروايات التي تتناول الحرب في سورية بعد السقوط. وهنا تكمن ميزتها، بأنّها لم تعد ترى مآلات الثورة طهرانية أبدًا، فالنظام قد سقط، وما يحدث في سورية الآن، يحتاج إلى سردٍ لا يكتفي بتمجيد الثورة، وإنّما نقدها بشدّة، لكي لا تصبح مقولة: من كثرة ما وقع الشعب السوري في الحفرة ذاتها؛ أصبحت قبرًا له.  

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا