تدريباتنا

غوطة دمشق الشرقية… صمت ونار وحصار

بواسطة | فبراير 27, 2018

[fusion_builder_container hundred_percent=”no” equal_height_columns=”no” menu_anchor=”” hide_on_mobile=”small-visibility,medium-visibility,large-visibility” class=”” id=”” background_color=”” background_image=”” background_position=”center center” background_repeat=”no-repeat” fade=”no” background_parallax=”none” parallax_speed=”0.3″ video_mp4=”” video_webm=”” video_ogv=”” video_url=”” video_aspect_ratio=”16:9″ video_loop=”yes” video_mute=”yes” overlay_color=”” video_preview_image=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” padding_top=”” padding_bottom=”” padding_left=”” padding_right=””][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ layout=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” border_position=”all” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”small-visibility,medium-visibility,large-visibility” center_content=”no” last=”no” min_height=”” hover_type=”none” link=””][fusion_text]

مع اشتداد الحملة العسكرية التي يقودها الجيش السوري وحليفه الروسي على الغوطة الشرقية وأهلها المحاصرين، تعود إلى الواجهة فكرة “مناطق خفض التصعيد” واتفاقياته الموقّعة بين الجانب الروسي وفصائل المعارضة المتمركزة هناك، فما معنى ”خفض التصعيد“ مع كل هذه الوحشية في القصف، والذي يطال المدنيين في منطقة محاصرة تماماً منذ أكثر من خمس سنوات.

لا يملك المدنيون في الغوطة الشرقية – يبلغ تعدادهم حوالي ٣٥٠ ألف – ملاجئ سوى بعض أقبية الأبنية، يحاولون الابتعاد قدر المستطاع عن الإصابة المباشرة بالشظايا والصواريخ المتعددة أسماؤُها وراجماتها، وتلك الأقبية – إن وُجِدت – ليست بآمنة كليّاً، فكثير من الأبنية تهاوت فوق رؤوس قاطنيها ودفنت من كان في الأقبية وهم أحياء.

ممنوعٌ عليهم الخروج من مناطق حصارهم، وممنوعٌ عليهم دخول الغذاء والدواء، ينزحون من بلدةٍ لأخرى، في محاولة منهم لتجنب القذائف والصواريخ، رغم أن القصف يطال جميع المدن والبلدات بلا استثناء، لم يعد أهالي الغوطة يراهنون على أحد، فوسائل الإعلام ملّت من شكواهم، والمنظمات الإنسانية الدولية أغمضت أعينها واقتصرت على إصدار بعض الكلمات، ومواقف الدول المتبجّحة بـ ”حقوق الإنسان“ أصبحت باهتة، حتى أنها أسقطت التنديد والقلق من خطابها.

لِمَ يُكلّف أحدهم نفسه في الكلام والدفاع عن المدنيين في منطقة محاصرة في وسط سوريا؟ ما الفائدة المرجوّة من رفع الصوت بالتنديد والشجب وإقلاق مجلس الأمن؟ هي منطقة أصبحت خارج حسابات الدول المتصارعة في سوريا، فهي ليست كالشمال حيث تتصادم مصالح تركيا وأمريكا، وليست كالجنوب حيث تتصادم مصالح إيران وإسرائيل.

بدأت معاناة المدنيين في الغوطة الشرقية عندما حاصرها الجيش السوري في ٢٠١٢م بعد أن أصبحت معقلاً للمعارضة المسلحة، مما تسبب في أزمة إنسانية شديدة، زادت من حدّتها بعد سيطرة الجيش السوري على أحياء برزة والقابون في منتصف أيار٢٠١٧ والذي أدى إلى كشف أنفاق التهريب وإنهاء عملها تماماً، وبالتالي لم يتبق للمحاصرين في الغوطة الشرقية سوى ”معبر الوافدين“ الذي يشرِف عليه النظام السوري ويديره ضباطه بالتعاون مع تجار مقرّبين، طبعاً لم يُسمح للدواء بالعبور نهائياً، بينما المواد الغذائية تدخل بالقطارة ولأصناف محدّدة وقليلة جداً، ما رفع الأسعار في المنطقة إلى أرقام قياسية.

أما بالنسبة للفصائل المتواجدة داخل أسوار الحصار، فلقد عملت على بسط نفوذها وتحديد مناطق سيطرتها، مرّة عبر ابتلاع الفصائل الأصغر وتصفيتها عسكرياً (كما فعل جيش الإسلام بجيش الأمة)، وأخرى بالتحالف بغاية الحماية (كما في تحالف خلايا جبهة النصرة مع أحرار الشام وتشكيل جيش الفسطاط، ثم انضمام فجر الأمة إليه لاحقاً)، ونتيجة لاختلافها الايديولوجي، معزَّزاً بخلاف الدول الداعمة كان اقتتال ”جيش الاسلام“ مع ”فيلق الرحمن“ و“جيش الفسطاط“ في منتصف أيار ٢٠١٦، والذي أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى بينهم مدنيون، وما مكّن أيضاً الجيش السوري لأول مرة منذ خمس سنوات من اختراق القطاع الجنوبي للغوطة والسيطرة على ١٠ بلدات، ونزوح مئات العائلات من سكانها، وهي دير العصافير وزبدين وحوش الدوير والبياض والركابية ونولة وحوش بزينة وحوش الحمصي وحرستا القنطرة وبالا. لكن كان من أهم نتائج هذا الإقتتال الداخلي تقسيم الغوطة إدارياً على أساس السيطرة العسكرية، قطّاع أوسط تحت سيطرة “فيلق الرحمن“ وقطّاع دوما وما حولها تحت سيطرة “جيش الإسلام“.

وفي ٢٨ نيسان ٢٠١٧ تجددت الاشتباكات من جديد بين الفصائل بعد محاولة ”جيش الإسلام“ القضاء على عناصر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وفعلاً سيطر جيش الإسلام خلال الاشتباكات التي جرت طوال اليوم على أهم معاقل “هيئة تحرير الشام” في منطقتي عربين والأشعري، بالإضافة إلى مراكز القيادة الرئيسية والمكاتب الإدارية، لكن فيلق الرحمن الذي بقي متفرجاً منذ الصباح، تدخل مساءً لنصرة حلفائه في هيئة تحرير الشام بعد ان استشعر نوايا مُبيّتة لدى جيش الإسلام بغرض الهيمنة على بعض مناطق نفوذه وسيطرته، في حين بقي أحرار الشام على الحياد، وكانت حصيلة المناوشات أكثر من ٤٥ شخصاً بينهم العديد من المدنيين.

بعد ذلك بشهرين، في  ٢٢ تموز ٢٠١٧ وقّع جيش الاسلام مع الجانب الروسي اتفاقية ”خفض تصعيد“، وتلاها فيلق الرحمن بعد أقل من شهر في ١٨  ٢٠١٧ باتفاقية أخرى وبرعاية مصرية كما حدث مع جيش الإسلام، وبذلك ضمن كلا الفصيلين – المشاركين في لقاء أستانة – بأنهما خارج الفصائل المصنّفة إرهابية بحسب التصنيف الروسي للفصائل المعارضة، كون الاتفاق والتوقيع كان بشكل مباشر مع كلا الفصيلين وليس مع الدول الراعية.

من الواضح بأن فكرة روسيا من اتفاقية خفض التصعيد في الغوطة، تأمين محيط العاصمة دمشق من قذائف الفصائل، وتأمين خاصرة العاصمة من أكبر فصيلين في المعارضة لتتفرّغ بعدها لقتال داعش في البادية السورية ودير الزور، والأهم عزل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) ونقل كامل عناصرها إلى محافظة إدلب، رغم أن الأخيرة حاولت عدة مرات كسر المخطط الروسي لعزلها، وكان آخرها تخريب فكرة ”مناطق خفض التصعيد“ الناتجة عن لقاء أستانة في معركتي ”يا عباد الله أثبتوا“، جرت الأولى في محيط دمشق بالقرب من كراج العباسيين بالتعاون مع فيلق الرحمن وأحرار الشام في ١٩ آذار ٢٠١٧، والثانية في ريف حماه الشمالي الشرقي بالتعاون مع ”الحزب الإسلامي التركستاني“ ومجموعات أخرى كجيش العزة وجيش النصر في ١٩ أيلول ٢٠١٧، لكن يبدو أن المخطط الروسي أدى في النهاية فعلاً إلى عزل ”هيئة تحرير الشام“ ونقل عناصرها إلى محافظة إدلب من مناطق جنوب العاصمة دمشق، ومن عرسال لبنان وجبال القلمون غربي دمشق، وأخيراً من درعا، ولكن فشلت كل المساعي لإخراج عناصر الهيئة – لا يتجاوز عددهم الـ ١٢٠٠ مقاتل – من الغوطة الشرقية بعد رفض قادتها تماماً لفكرة الترحيل التي دعا وسهّل إليها كلّ من جيش الإسلام وفيلق الرحمن بموجب اتفاقهما الأخير مع الروس.

ومؤخراً، في ١٤ تشرين الثاني ٢٠١٧، قامت ” حركة أحرار الشام الإسلامية“ بالتعاون مع عناصر ”هيئة تحرير الشام“ بفتح معركة ”بأنّهم ظُلِموا“ إنطلاقاً من الغوطة الشرقية، وشنّت هجوماً مباغتاً على إدارة المُركّبات التابعة للجيش السوري في حرستا، صحيح بأن الغاية المُعلنة من المعركة جاءت على خلفية تفاقم الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية إثر الحصار الشديد المطبق عليها، بالإضافة إلى تكرار استهداف قوات النظام لمدن وبلدات الغوطة الشرقية من داخل إدارة الُمركّبات، رغم اتفاقية خفض التصعيد الموقعة، لكن يبدو أن الغاية الحقيقية أبعد من ذلك، فالقصف العشوائي على الغوطة لا يأتي فقط من داخل إدارة المُركّبات، وكسر الحصار لن يتحقق بالسيطرة على إدارة المركبات وما خلفها، لكن كما يبدو أن حركة أحرار الشام تُعيد السيناريو نفسه الذي اتّبعه فصيل ”فيلق الرحمن“ قبل أن يُوقّع معهم الروس اتفاقية التهدئة، وأحرار الشام – وهم المشاركون المتأخرون في اتفاق أستانة – يرون بأنهم يملكون مواصفات الفصيل المعتدل، وخاصة بعد تخلّص الحركة من المتشدّدين داخلها إثر انقسامها وانضمام المتشدد منها إلى هيئة تحرير الشام، ثم قتالها المتكرر ضد ”هيئة تحرير الشام“ في كثير من مناطق الريف الإدلبي الواسع. وبالتالي، يبدو أن الحركة تحاول لفت أنظار الجانب الروسي إليها، بغية توقيع اتفاقية مباشرة معها تؤهلها للعبور إلى المرحلة القادمة في التسوية السورية، وما يزيد من ترجيح هذا الرأي أنها – أي الحركة –  لم تُحرّك ساكناً إثر دخول الجيش السوري في ريف إدلب وتصعيده ضد المدنيين هناك، بل اكتفت بموقف المتفرج والمتابع.

من غير الواضح ما ستؤول إليه أوضاع الغوطة الشرقية وفصائلها، فمغامرة أحرار الشام في حرستا، ثم مساندة فيلق الرحمن الخلفية لها، ورفض خروج عناصر هيئة تحرير الشام من الغوطة، أعطت الروس والنظام السوري مُسوِّغاً – وهم الذين لا ينتظرون ذلك – لحشد القوات بشكل كبير على تخوم الغوطة، مع قصف هو الأشد والأعنف عليها منذ بداية حصارها.

يبدو أن الغوطة الشرقية وفصائلها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استمرار العملية العسكرية حتى دخول الجيش السوري إلى حرستا أو غيرها مثل منطقة حزرما الاستراتيجية في منطقة المرج، مما يعني تهديداً مباشراً لجيش الإسلام في دوما، ولفيلق الرحمن في زملكا، أو نجاح المساعي التي يعمل عليها جيش الإسلام بوساطة مصرية لإقناع الجانب الروسي بوقف المعارك مقابل إخراج عناصر هيئة تحرير الشام من الغوطة الشرقية. وكما رَشَح إعلامياً على لسان الوزير سيرغي لافروف بأن هناك رفض من قِبَل الفصائل للتسوية بإخراج مقاتلي هيئة تحرير الشام من الغوطة على غرار ما حدث في حلب، في حين وجود تأكيدات من داخل جيش الإسلام بأن الفيلق بدأ يستشعر خطر مواقفه، وبالتالي أصبح هناك إجماع لدى الفصائل على خروج عناصر الهيئة من الغوطة، وفعلاً تم تسليم قوائم الأسماء إلى تركيا منذ عدة أيام.

وهكذا تجري المفاوضات، بينما لا زالت تتهاوي القذائف بوحشية على مناطق الغوطة الشرقية، مقابل تساقطها بحماقة على أحياء ومساكن دمشق، في لحظة لا يمكن أن تفهم فيها عقلية السلاح وكيف يحسب القائمون عليه انتصاراتهم، لكن كما هو واضح، لقد أصبحت أرواح المدنيين سلعة رخيصة ووسيلة للضغط على الطرف الآخر.

من جانبٍ آخر، استطاع مجلس الأمن تمرير هدنة انسانية لمدة ٣٠ يوماً على كامل الأراضي السورية، ولكن كما أوضح الجانب الروسي فإن هذا القرار لا يشمل تنظيم داعش ولا هيئة تحرير الشام، مما يُعيدنا من جديد إلى عيوب اتفاقيات ”خفض التصعيد“ التي لم ترحم المدنيين في مناطقها بحجّة محاربة التنظيمات الإرهابية فيها. وفعلاً مع صبيحة تطبيق قرار مجلس الأمن عادت الاشتباكات في محيط الغوطة الشرقية إثر محاولات اقتحامها من جانب النظام السوري في مناطق حرستا وجسرين وحزرما، مترافقاً ذلك مع القصف وتحليق الطيران الذي لم يتوقف حتى الآن.

[/fusion_text][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا