تدريباتنا

سورية:”عدالة انتقالية” لا انتقائية ولا انتقامية

بواسطة | يونيو 28, 2025

واقعٌ مريرٌ يعيشه السوريون اليوم، بعد تزايد المخاوف من استمرار التوتر وتجدّد اندلاع المزيد من أعمال العنف والقتل، وتغييب العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة من كل أطراف النزاع السوري الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ السوريين على مدار السنوات الأربع عشرة الماضية، الأمر الذي يهدّد السلم الأهلي، ويقوض أيّ فرصة لبناء سلام مستدام في البلاد، في حال لم يحقّق مبدأ العدالة للجميع، وتواصلت الانتهاكات والتجاوزات وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وعدم مضي صنّاع القرار في سورية الجديدة نحو بناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، ووضع حدٍّ لثقافة الإفلات من العقاب المتجذرة، والتعامل بمسؤولية تاريخية مع الإرث الثقيل للنزاع الدموي، واختيار مسار العدالة الانتقالية المدروس والمتوازن والشامل، الذي يعتبر شرطاً أساسياً وجوهرياً لبناء دولة مستقرّة وديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس اللجنة العليا للسلم الأهلي، حسن صوفان، في العاشر من الشهر الجاري، في دمشق، كان في مجمله مخيباً لآمال الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، لا بل لكل السوريين الذين تضرّروا وضحوا خلال سنوات الثورة (2011 -2024). 

كما أثارت تصريحات صوفان خلال المؤتمر موجة من الاستياء المجتمعي جراء تعامل السلطات الجديدة مع شخصيات مثيرة للجدل، ومتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة، وعودتها لتتصدر المشهد السوري الحالي، أمثال فادي صقر، يطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى المصالحة دون ضمان تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة، خصوصاً في ظل وجود تقارير تشير إلى وجود نحو 125 ألف معتقل لدى وزارة الداخلية، بالإضافة إلى 450 ألف موقوف من أتباع نظام بشار الأسد البائد، جميعهم دون محاكمات أو إجراءات عدالة انتقالية واضحة.

وبحسب مراقبين حقوقيين فإنّ هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية حول التوازن بين المصالحة والعدالة، إذ لا يمكن تحقيق سلم أهلي مستدام دون معالجة مظالم الماضي بشكلٍ عادل ومنصف.

أمام مفترق الطرق المفصلي الذي تمرّ به سورية في هذه المرحلة الانتقالية، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة أسئلة صعبة؛ عن معنى ودروب وشروط العدالة الانتقالية تحقيقاً لمسار السلم الأهلي المستدام ببلد في طور نهضة جديدة، بعد نحو ستة عقود من الحكم الاستبدادي البعثي في ظل عائلة الأسد، وهي الأسئلة التي نحاول تفكيكها في هذا المقال، بعد ستة أشهر على هروب بشار الأسد إلى موسكو، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، لا سيّما بعد إصدار رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 17 مايو/ أيار الماضي، المرسوم رقم (20) لعام 2025، الذي ينصّ على تشكيل هيئة مستقلّة تحت مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، تزامناً مع صدور مرسوم رئاسي آخر يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، تكلّف “بالبحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم”.

لقد كان أحد أبرز أهداف مطالبة السوريين بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، هو ضمان تحقيق السلم الأهلي على المستوى البعيد بين أبناء الشعب الواحد، عبر تحقيق المحاسبة والعدالة للناجين ولأهالي الضحايا والمفقودين بما يوقف عمليات الانتقام التي بدأت تتصاعد كثيراً خاصّة في محافظة حمص ومناطق الساحل السوري.

إنّ الوصول إلى إنصاف الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، وبالتالي تحقيق العدالة المنشودة في سورية الجديدة الماضية إلى الأمام نحو مستقبل ديمقراطي آمن، لا يمكن أن يكون، بحسب الأكاديمي السوري الدكتور رضوان زيادة (المدير التنفيذي لـ”المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” في واشنطن، والباحث الزائر في “مركز كار لحقوق الإنسان” في جامعة هارفارد)، إلّا عبر إطلاق مسار رسمي يشمل الكشف عن مصير المختفين قسراً عبر البحث عن مصيرهم، وضمان تحقيق العدالة لهم عبر التعاون مع وزارة العدل لتأسيس ما تسمّى “المحكمة السورية الخاصّة بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية”، وتأسيس معادل وطني للمؤسّسات الدولية التي تشكّلت بعد بداية الثورة، مثل “لجنة التحقيق الدولية المستقلّة”، و”الآلية الدولية المحايدة الخاصّة بالمساءلة الجنائية”، و”المؤسّسة المستقلّة المعنية بالمفقودين”، وكلتا الآليتين شكّلتهما الجمعية العامّة للأمم المتّحدة. ولذلك يجب أن تتشكّل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” نظيراً وطنياً يستطيع التعامل مع هذه الآليات، وتحقيق العدالة بالنسبة إلى كثير من أسر الضحايا في ما يتعلّق بتقدير التعويضات الضرورية الخاصّة لهم، وضمان مسؤولية نظام بشار الأسد عن ارتكاب هذه الجرائم، وتحقيق المصالحة الوطنية هدفاً بعيداً عبر تجنّب مبدأ الإدانة العامّة لطائفة بعينها، وإنّما تقديم المسؤولين الفرادى المسؤولين عن ارتكاب الجرائم للعدالة، وهو ما يفتح الباب لتحقيق المصالحة الوطنية وضمان السلم الأهلي” (1).

الناشط الحقوقي في مجال حقوق الإنسان والمُساءلة والعدالة الانتقالية، مصطفى حايد، الذي عمل سابقاً كاستشاري دولي مع منظّمة “هيومن رايتس ووتش” ومكتب المستشار الخاصّ المعني بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، يعرّف مصطلح “العدالة الانتقالية”، بالقول إنّه “مصطلحٌ هجين، حديثُ العهد، يشيرُ إلى عملية متكاملة وشاملة تهدف إلى تحقيق العدالة خلال فترات التحوّل الكبيرة في البلدان. كما هو الحال في سوريا، التحوّل من (سوريا الأسد) إلى (سوريا للجميع)” (2)

تُعدّ المصالحة الوطنية الحقيقية هدفاً رئيساً وأساسياً للعدالة الانتقالية، لكنّها لا تتحقّق تلقائياً بمجرّد انتهاء النزاع. إنّها عملية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد تتطلّب بناء الثقة، والاعتراف العلني بمعاناة الضحايا، وتقديم المسؤولين للمحاسبة العادلة، وإصلاح المؤسّسات التي سمحت بالانتهاكات، خاصّة بعد أن بدأنا نشهد بالفعل حالات متزايدة من الانتقام الشخصي ضدّ أشخاص محسوبين على نظام بشار الأسد البائد، وإن استمرار هذه الظاهرة وتوسّعها يضع العملية الانتقالية برمّتها على محك خطير. 

من هنا تبرز الأهمّية القصوى للتحرّك السريع والمنهجي والشامل لإيجاد إطار مؤسّسي للعدالة الانتقالية، يستجيب لتطلّعات الناجين وأهالي الضحايا المشروعة في تحقيق العدالة وإنصافهم وحفظ حقوقهم، لحماية المجتمع من قيام البعض بأعمال انتقامية خارج إطار القانون، والانزلاق نحو حلقة جديدة من العنف المدمّر.

وعلى الرغم من أنّ الإعلان الدستوري المؤقّت، الذي وقّعه الرئيس الشرع، في 13 مارس/ آذار 2025، والذي يحدّد مدّة المرحلة الانتقالية في البلاد بخمس سنوات، يلزم الحكومة السورية بتهيئة الأرضية لتحقيق العدالة الانتقالية، باعتماد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحقّ في معرفة الحقيقة، وإنصاف للضحايا والناجين، من خلال المادتين 48 و49، إلّا أنّه (أيّ الإعلان الدستوري) – وفقاً لخبراء حقوقيين سوريين مختصّين -، يفتقر إلى وضوح التفصيل التنفيذي والضمانات المؤسّسية، إذ لم يحدّد اختصاصات الهيئة وصلاحياتها، ولا خطوات إلغاء القوانين الاستثنائية وإبطال الأحكام الجائرة. كما لم يُشر إلى حقوق الضحايا في جبر الضرر، وغاب عنه النصّ الصريح المتعلّق بإصلاح المؤسّسات الأمنية والقضائية، التي تشكّل أحد الأركان الأساسية للعدالة الانتقالية.

بحسب هؤلاء الحقوقيين، فإنّ المادتين 48 و49 وإن كانتا تشكلان “إعلان نوايا قوي”، لكنّهما تحتاجان إلى تشريعات تنفيذية تكملهما، وتفصّل الإجراءات، وتبني المؤسّسات، وتحمي الحقوق، وفي المقدّمة منها جبر الضرر، الذي يلزم بالضرورة إنشاء “صندوق وطني لتعويض الضحايا” كل الضحايا من كل أطراف النزاع السوري، في الفترة ما بين اندلاع الثورة في 11/03/2011 وسقوط نظام الأسد في 08/12/2024، تُخصّص له نسبة من الموارد العامّة والمساعدات الدولية وأصول النظام السابق المجمّدة.

يؤكّد الخبراء الحقوقيون والقانونيون السوريون، أنّه لا تمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. 

انطلاقاً من هذا المنظور، فإنّ ذلك يتطلّب معالجة كافة الملفات، وفي المقدّمة منها ملف المفقودين، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً ضمن سجل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها النزاع المسلح منذ عام 2011، شريطة أن تكون تلك المعالجة في سياق مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة ومحاسبة الجناة ومرتكبي الانتهاكات، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي، والتوصل إلى نتائج ملموسة لصون السلم الأهلي وإعادة الأمل بتحقيق العدالة للناجين وللضحايا.

ومنذ صدور المرسومين الرئاسيين تنوّعت الآراء حولهما بين متفائل وبين منتظر لنتائج تشكيل اللجان المنبثقة عن الهيئتين، وآخر يطالب بضرورة إشراك أهالي المفقودين والمتضرّرين والمجتمع المدني والمنظّمات الحقوقية التي عملت منذ سنوات على مسار العدالة الانتقالية. ورابع ينتقد فصل مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” عن “الهيئة الوطنية للمفقودين”. 

تنوّع تلك الآراء رافقه شعور بالإحباط ساد بين السوريين، لاقتصار المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيل هيئة العدالة الانتقالية على جرائم نظام الأسد المخلوع واستبعاد كافة أطراف النزاع السوري، وهو ما يُعدّ اجتزاءً لحقوق ضحايا الأطراف الأخرى التي شاركت في النزاع سواء كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، وغيرها من القوى المسلحة على الأرض السورية.

إحصائيات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” كشفت حجماً هائلاً من المآسي ومعاناة السوريين في السنوات الأربع عشرة الماضية (2011 – 2024)، فوفقاً لبيانات الشبكة فإنّ 231 ألف مدني قضوا خلال النزاع، غالبيتهم (202 ألف) على يد قوات النظام، و15,393 شخصاً توفوا تحت التعذيب. إضافة إلى ما لا يقل عن 177 ألف شخص لا يزالون في عداد المختفين قسراً على يد مختلف أطراف النزاع. 

كما تشير قاعدة البيانات، إلى أنّ هناك أكثر من 16,200 من مرتكبي الانتهاكات الذين جرى تحديد هويتهم، منهم 6,724 من (القوات الرسمية) و9,476 من (القوات المُعاونة/الرديفة). هذا بالإضافة إلى استخدام أسلحة محرّمة دولياً بشكلٍ ممنهج، حيث ألقى الطيران الحربي (التابع للجيش السوري والحليف الروسي) ما لا يقل عن 81,916 برميلاً متفجراً، ونفّذ 217 هجوماً كيميائياً، و252 هجوماً بذخائر عنقودية. وقد أدّت هذه الانتهاكات الممنهجة إلى تشريد قرابة 14 مليون سوري – أيّ ما يعادل نصف السكان – بين نازح داخلي ولاجئ في دول الجوار والعالم، بعد التدمير الممنهج للبنية التحتية، وهو ما أدّى إلى تمزيق النسيج الديموغرافي للمدن والقرى السورية، وخلق واقع جديد من الاستقطاب الحادّ والفرز السكّاني على أسس سياسية وطائفية وإثنية متعدّدة.

انطلاقاً من الواقع المأساوي المشار إليه آنفاً، فإنّه لا يمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً والمتضرّرين وعائلاتهم بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. لذا، تتطلّب معالجته مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي. ذلك أنّ غياب آليات العدالة المؤسّسية والمنظّمة يؤدّي حتماً إلى تنامي ظاهرة “العدالة الشعبية” أو “محاكم الشارع” الفردية والجماعية، التي غالباً ما تكون عشوائية وانتقامية وتفتقر للضمانات القانونية الأساسية، وهو ما يُسهم في إنتاج موجات جديدة من العنف الانتقامي، الأمر الذي يهدّد الاستقرار المجتمعي ويزيد من تجذر الضغائن، ويُصعِّب مسار المصالحة مستقبلاً، ويُعقد إمكانيات الوصول إلى السلم الأهلي، والبدء بعملية حوار وطني شامل حول الماضي وكيفية التعامل معه بشكلٍ بنّاء.

وكانت هيئات ومنظّمات حقوقية سورية قد وثّقت منذ الأيام الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، محاولات من بعض الأطراف لتدمير وثائق وأدلة خاصّة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت بشكلٍ ممنهج ضدّ المدنيين السوريين منذ عام 2011، في مقرّات الفروع الأمنية ومؤسّسات الدولة. وكذلك فرار العديد من المتورّطين الرئيسيين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك مجرمي حرب بارزين، إلى خارج البلاد وإفلاتهم من المساءلة القانونية. وكلما تأخر إنشاء آلية واضحة وفعالة للمساءلة الجنائية ازدادت فرص هروب المزيد من المتورّطين، ما يهدّد بشكلٍ مباشر بضياع فرصة العدالة الحقيقية للضحايا.

لم يكن انهيار نظام الأسد وهروبه إلى موسكو، بعد ما يزيد عن أربع عشرة سنةً من اندلاع الثورة في سورية، وما رافقها من نزاع دموي خلّف مآسٍ ومعاناة كبيرة لملايين السوريين وجراحاً عميقة في نسيج المجتمع، لم يكن مجرّد تحوّل سياسي، بل إنّه نقطة تحوّل فارقة في التاريخ السوري المعاصر تستدعي وضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الجديدة والمجتمع بكل أطيافه وشرائحه وطوائفه على أسس واضحة وجلية من العدالة والمساءلة والكرامة.

ومنذ الأيام الأولى التي تلت انهيار النظام برزت قضية العدالة الانتقالية بوصفها من أعقد الاستحقاقات التي لا يمكن القفز فوقها أو تأجيلها. وقد عكست المطالب الشعبية المتزايدة، خصوصاً من أهالي الضحايا والمخفيين قسراً وضحايا المجازر الجديدة، حالة من الترقب والقلق إزاء شكل العدالة الممكنة في المرحلة القادمة، وجدّية السلطة الجديدة في مقاربة هذا الملف الحساس من منظور الحاجة إلى عدالة لا تقتصر على العقاب والمحاسبة، بل تمتدّ لتشمل الإصلاح المؤسّسي، والمصالحة المجتمعية، وجبر الضرر، بما يحقّق توازناً حقيقياً بين استحقاقات السلم الأهلي ومتطلّبات المساءلة، لا سيما بعد سلسلة من الحوادث الدموية في عدد من المناطق السورية، والتي وصفتها جهات حكومية بـ “تصرفات فردية”، ولكنّ هذه الحوادث كانت دافعاً رئيساً باتّجاه المسارعة بتحقيق العدالة الانتقالية، ومن أولى الخطوات في تحقيق العدالة الانتقالية المرجوة كان السعي لإنشاء هيئة وطنية مستقلّة للعدالة الانتقالية، توازن ما بين موجبات العدالة وٌنصاف الناجين وردِّ المظالم إلى ذوي الضحايا وجبر الضرر عنهم بما يضمن المصالحة المجتمعية وحفظ السلم الأهلي، دون التفريط بحقوق أحد من كل الأطراف وليس من طرف واحد، كون الهدف الرئيسي هو تحقيق وتكريس عدالة انتقالية حقيقية وليس عدالة انتقائية أو انتقامية، إلى جانب تعزيز قيمة وثقافة المساءلة بدلاً عن ثقافة الإفلات من العقاب في المجتمع السوري الجديد، في ظل الانقسامات التي تعانيها سورية اليوم، خصوصاً في المناطق ذات الانقسامات الطائفية والعرقية مثل حمص وحلب والساحل والشمال الشرقي السوري.

رئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، الدكتور فضل عبد الغني، يرى أنّ “مجرّد النصّ الدستوري، رغم أهمّيته البالغة، لا يكفي وحده لضمان فعالية هيئة العدالة الانتقالية. فالترسيخ الدستوري يحتاج إلى آلية تنفيذية تضمن أن تكون الهيئة مستقلّة وتمثيلية وفعالة. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يتم إنشاء الهيئة بمرسوم تنفيذي، أم من خلال قانون يصدر عن المجلس التشريعي؟” يؤكّد عبد الغني، أنّ “سنّ قانون أساسي للعدالة الانتقالية عبر المجلس التشريعي، وليس بمرسوم تنفيذي، يمثّل ضرورة حيوية لضمان شرعية وفعالية هيئة العدالة الانتقالية في سورية. وتستند هذه الأفضلية إلى مفهوم “كرامة التشريع”، أيّ أنّ القوانين الصادرة عن هيئة تشريعية منتخبة ومتعدّدة الأطراف تكتسب سلطة أخلاقية متميّزة تتجاوز مجرّد الإلزام القانوني الرسمي”. ذلك أنّ العدالة الانتقالية الفعالة في سورية “تتطلّب الالتزام بثلاثة مبادئ مركزية: الاستقلالية، والشفافية، والملكية الوطنية. ويعزّز المسار التشريعي هذه المبادئ جوهرياً” (3).
رؤية “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” حول تأسيس هيئة العدالة الانتقالية في سورية، تقترح إطاراً تنظيمياً للهيئة عبر بنية مؤسّسية متعدّدة المستويات، مصمّمة لتحقيق التوازن بين مركزية التنسيق ومرونة التكيف مع الخصوصيات المحلّية. هذه البنية الهرمية المتكاملة تعكس المرونة الهيكلية التي تمزج بين الإجراءات الموحدة والاستجابة التكيفية للسياقات المتغيّرة. ويتولّى قيادة هذه الهيئة مجلس إدارة يتكوّن من خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا. على أن تقوم معايير اختيار أعضاء الهيئة على مقاربة تدمج الكفاءة، والتمثيل العادل، والاستقلال السياسي، بما يعالج تحدّي الموازنة الدقيقة بين متطلّبات التمثيل والحياد والفعالية.
وقد حدّدت رؤية الشبكة عن مسار العدالة الانتقالية في البلاد ست فئات مركزية لهذه العملية: “منظّمات المجتمع المدني، الضحايا، الجهات السياسية، المجتمعات المحلّية، النساء والشباب، والداعمين الدوليين”. ويتّسق هذا التصميم مع رسم خريطة الجهات المعنية، أيّ التحديد المنهجي للفئات التي تُعدّ مشاركتها ضرورية لضمان المشروعية الاجتماعية والسياسية للعملية. وتؤكّد الرؤية أنّ “لجميع الضحايا الحقّ في رفع دعاوى قضائية ضدّ المسؤولين المباشرين عن معاناتهم، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم”.
إنّ تأجيل تطبيق آليات العدالة الانتقالية يعرّض المجتمع السوري لمخاطر متعدّدة ومتشعبة، أبرزها ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب التي سادت لعقود طويلة من حكم عائلة الأسد، مما يقوّض بشكلٍ خطير الثقة في شرعية المؤسّسات الجديدة ويبعث برسالة مدمّرة مفادها أنّ ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لا يستتبع مساءلة حقيقية. بينما ما يحتاجه المجتمع السوري اليوم هو وضع أسس متينة للعدالة الانتقالية، والتركيز على جبر الضرر وإصلاح المؤسّسات التي تورّطت في الانتهاكات، خاصّة المؤسّسات القضائية والأمنية والعسكرية، وإرساء قواعد عادلة وشاملة للمصالحة المستدامة في خضم هذه الفترة الحرجة والفاصلة.

***

هوامش:

  • رضوان زيادة، مقال بعنوان: “أهمّية إطلاق هيئة العدالة الانتقالية في سورية اليوم”، موقع “تلفزيون سورية”، تاريخ النشر: 09/05/2025.
  • مصطفى حايد، مقال بعنوان: ” لماذا يختلف التعاطي مع العدالة خلال فترات التحولات الكبرى؟”، موقع “الجمهورية”، تاريخ النشر: 27/05/2025.
  • فضل عبد الغني، مقال بعنوان: “مسار العدالة الانتقالية في سورية… الرؤية والتطبيق”، صحيفة “العربي الجديد”، ملحق “سورية الجديدة”، تاريخ النشر: 20/03/2025.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا