تدريباتنا

سوريا والعيش في وفرة العتمة

بواسطة | مارس 5, 2021

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

بداية قبل التحدث عن الانقطاع شبه التام للكهرباء في سوريا، لا بد للأمانة أن نذكر أن هناك تمييزاً في توفر الكهرباء في سوريا، فمثلاً مشروع دُمر في دمشق مدلل جداً إذ تأتي الكهرباء أربع ساعات متواصلة أو أربع ساعات ونصف الساعة وتنقطع ساعتين (أو ساعة ونصف)، بينما في أطراف دمشق وفي بعض الأحياء الفقيرة المغضوب عليها (لأن النظام يعتبرها انتفضت عليه) تأتي الكهرباء ثلث ساعة في اليوم كله.

بالنسبة لوطن الظلام سوريا أتابع بشكل يومي حياة الناس في ظل انقطاع الكهرباء الطويل، ويمكنني أن أعطي صورة تفصيلية عن حالة الساحل السوري (الذي يُعتبر مُدللاً نسبياً)، حيث تنقطع الكهرباء خمس ساعات وتأتي ساعة واحدة ليعود القطع خمس ساعات، وفي أحسن الأحوال تنقطع الكهرباء أربع ساعات لتأتي ساعة واحدة، وغالباً ما يتم اختزال ساعة الكهرباء إلى نصف ساعة فقط! أحد الأصدقاء في اللاذقية قال لي اكتبي عن تسونامي الكهرباء، وسألته ماذا يعني بتسونامي فقال لي: بعد انتظار خمس ساعات في ظلام مطبق جالسين في البيت مشلولين من الحركة وما أن تأتي الكهرباء نصف ساعة أو ساعة حتى ينتفض كل الشعب السوري ويصبح مثل خلية النحل، من يريد أن يشحن هاتفه الخليوي، ومن يريد أن يكون محظوظاً ويُسخن ماء ليستحم، ومن تريد أن تكمل وجبة الغسيل في الغسالة وهو منقوع فيها لعدة أيام بسبب انقطاع الكهرباء.

ويلاحظ المتابعون لكتابات السوريين في الداخل على مواقع التواصل الاجتماعي أن مشكلة انقطاع الكهرباء تحتل القسم الأكبر من التذمر والشكاوي، وقد وصل الغضب بالبعض وعدم تحمل هذا العيش في الظلام أنهم أصبحوا يكتبون شتائم فاحشة بحق وزير الكهرباء ومؤسسة الكهرباء.

طبعاً على السوري أن يجد حلاً لانقطاع الكهرباء الدائم وهنالك عدة حلول بديلة ، فالسوري الثري أو موفور الحال يشتري بطارية كهرباء سعرها قرابة مليون ليرة سورية وقد تحتاج لأجهزة إضافية (إنفيرتر)، ويصل المبلغ إلى مليون وثلاثمئة ألف، لكن حتى هؤلاء لا يستفيدون من هدر نحو مليون ونصف ثمن بطارية كهربا تضيء لهم غرفة المعيشة (أي أنها لا تستطيع تشغيل براد أو غسالة أو آلة تدفئة كهربائية)؛ فوظيفة هذه البطارية (بسعر مليون وثلاثمئة ألف) إضاءة غرفة المعيشة والمطبخ، وتستمر الإضاءة حوالي ساعتين على أقصى حد لأنه لا يوجد أساساً كهرباء كي تتمكن البطارية من شحن وتخزين الكهرباء. يضطر هؤلاء أن ينتقلوا إلى المستوى الثاني (وهو الذي يلجأ له معظم الشعب) استعمال اللدات الكهربائية التي تعمل على بطارية رخيصة نسبياً (مئتا ألف ليرة سورية)، وهذه اللدات عبارة عن كهارب صغيرة جداً وضوؤها واخز وحاد ومُخرش للعين ويُحدث أذى لشبكية العين تماماً كما يحدثه لحام الكهرباء (أي تسبب ما يشبه حروقاً في الشبكية). هذه اللدات سرعان ما ينوس ضوؤها وتنطفئ بعد ساعة أو ساعة ونصف لأن البطارية الصغيرة التي تشحنها تكون قد فرغت من الشحن أو لم تستطع أن تختزن أو تشحن كمية كافية من الكهرباء خلال ساعة أو أقل  وقد سألت مختصين في تركيب اللدات الكهربائية وأجمعوا جميعاً أنه يتوجب كل شهر أو كل شهر ونصف الشهر شراء بطارية جديدة لتشغيل اللدات؛ فهذه البطاريات صناعة صينية غالباً ورخيصة جداً وسريعة العطب (وأحب أن أذكر أنني خلال عيشي في اللاذقية من 2011 وحتى 2019 اضطررت أن أشتري ثماني بطاريات).

إذاً لم يبق من حل للسوري كي يتغلب على العتمة سوى الشموع، وسعر الشمعة الواحدة بعرض الإصبع ألف ليرة سورية وتذوب تماماً بعد نصف ساعة، لذا على أسرة سورية كي تؤمن إنارة رومانسية بالشموع لأولادها كي يدرسوا أن تستهلك عشر شموع أو عشرين على الأقل أي عشرة آلاف أو عشرين ألف ليرة سورية. ومعظم الأسر السورية (حوالي 80 بالمئة) تعيش تحت خط الفقر وعاجزة حتى عن تأمين شموع ليدرس أولادها.

ثمة مشكلة خطيرة تنجم عن العيش في ظلام شبه دائم هي التأثير النفسي للظلام على نفوس الناس خاصة على الأطفال، فالكثير منهم لديهم رهاب العتمة، وكنت على تواصل مباشر مع أسر سورية فقيرة لديها أطفال يبدؤون بالبكاء والصراخ وتنتابهم نوبات ذعر حين تنقطع الكهرباء لساعات طويلة؛ فتنتابهم حالة عصبية من الهياج والصراخ وتكسير كل ما تفع أيديهم عليه. وقد أقنعت أهلهم أن يقصدوا طبيباً نفسانياً؛ لكن ذلك الذصديق قال لي يومها بأسى كبير: “لا حل لمشكلة هؤلاء الأطفال الذين يُعانون من رهاب العتمة سوى الشراب المنوم”. قلتُ لصديقي الطبيب النفسي: “يعني كأنك تعطيهم مخدراً كي يناموا!” قال: “هل عندك حل آخر؟ هل نترك هؤلاء الأطفال يتقصفون رعباً من العتم، من ظلام دامس يعمي القلوب قبل العيون”. وحكى لي عن طفل حالته شديدة من رهاب العتمة اضطر أن يعطيه أدوية مضادة للاكتئاب!

هؤلاء الأطفال يدرسون في مدارس بائسة في صفوف مُعتمة (لأن الكهرباء مقطوعة)، وبما أن الدولة العتيدة بسبب وباء كورونا قد اتخذت إجراء أن يكون هناك دوامان صباحي ومسائي كي تخفف من ازدحام الطلاب في الصف فإن العديد من الأطفال يدرسون في العتمة (أرسلت إحدى المدرسات صورة لصف في مدرسة عبارة عن لوحة سوداء تماماً)، وبعض الطلاب تعرضوا للسقوط وهم ينزلون الدرج في المدرسة وأصيب العديد منهم بكسور.

سوريا بلد الظلام (ما عدا بعض الشوارع المدعومة كمشروع دمر في دمشق) الذي يسكنه المسؤولون.

الجرائم المُروعة التي تحدث في كل مناطق سوريا والتي يكون الظلام الدامس شريكاً لها، لم نعهدها في المجتمع السوري من قبل  عدا عن السرقة وأحياناً القتل بهدف السرقة فإن هناك تنوعاً مُخيفاً في تلك الجرائم. فمنذ أسابيع قام شابان بإقتحام شقة امرأة تعيش وحيدة في بناية من خمسة عشر طابقاً وهي ثرية وحاصلة على الجنسية الكندية. قاموا بربطها على كرسي وحرقها بعد أخذ كل مصاغها وأموالها وكل ما استطاعوا حمله من أثاث البيت. هذا الفحش في الإجرام (أن يقتلوها حرقاً) يدل على تشوه نفسي كبير وأحقاد مروعة أحدثتها ظروف معينة في نفوس بعض الشباب السوريين.

ليس الفقر وحده سبب هذا التوحش في الإجرام بل مظاهر التباهي والاستعراض والعهر التي يمارسها أثرياء الحرب على مرأى ناس فقراء ينتظرون ساعات في طابور الخبز ليحصلوا على خبز تعاف الدواب أكله، وحين يرى الشباب والمراهقون خاصة أن أحداً من أثرياء الحرب أحيا عيد ميلاد لابنته البالغة من العمر ثلاث سنوات وكلفه الحفل خمسين مليون ليرة سورية، وينشر صور الحفل على الفيس بوك؛ فإن هذه المظاهر من الوقاحة والتباهي بالثراء الفاحش تولد أحقاداً ونقمة في نفوس الشبان الجياع العاطلين عن العمل والذين لا يشعرون بقيمتهم وينتظرون فرصة ليهجّوا من بلد الظلام والظلم.

في الواقع لا أحد من السوريين يصدق أن مشكلة الكهرباء وانقطاعها شبه الدائم هو بسبب الحرب في سوريا والجماعات الإرهابية التي تخرب شبكة توليد الكهرباء (كما ضج خبر أن قرشاً قضم خط الإنترنيت في سوريا لذلك انقطع. الناس ليسوا أغبياء، الكل يعرف أن قطع الكهرباء غايته إذلال الناس وإلا لماذا الكهرباء متوفرة بشكل شبه دائم في مشروع دمر في دمشق! ولماذا فجأة تصبح سوريا كلها منارة بالضوء حين يكون هناك خطاب لرئيس أو شخصية سياسية مُقدسة! لا أنسى ذات يوم لم تنقطع الكهرباء في بيتي ثلاثة أيام متواصلة مع أن البناية قربي غارقة في العتمة، وأصابتني حالة من القلق والعصبية وتبين أن السبب هو زيارة السيدة وزيرة الشؤون الإجتماعية لمدينة اللاذقية لثلاثة أيام وأن الفندق الذي تقيم فيه يتشارك مع البناية التي أسكنها بخط الكهرباء، شعرت بالقهر والذل ولم أحس بالفرح أبداً.

المُخزي ما وصل إليه السوري من ذل ومهانة. كان السوري يُنفث عن قهره بشتم وزارة الكهرباء أو لعن هذا العيش الذليل حتى أن أحدهم كتب: “لا عزاء لنا سوى صور الأطفال في مخيمات النزوح أقدامهم غارقة في الثلج والوحل، هذا عزاؤنا الوحيد في بيوتنا المظلمة.”

صدر مرسوم أن كل من يتهكم ويشتم ويكتب كتابات توهن الشعور القومي للموطن السوري سيُعاقب وستعتبر كتابته جريمة إلكترونية لأنه يوهن عزيمة الأمة (ويا لها من عزيمة مُصانة بالكهرباء والغاز والراتب الذي يؤمن حياة كريمة وحرية التعبير والكلام…) كم آلمني أن الكثيرين من السوريين ارتعبوا وتوقفوا عن كتابة يبثون من خلالها قهرهم، وقد كتبت امرأة كانت لامعه في انتقاد وضع الكهرباء في سوريا بكتاباتها الجريئة الصادقة خفيفة الظل، كتبت (وكان وقتها عيد الحب) نحن ووزارة الكهرباء غرام دائم، أحلى عيد حب مع وزارة الكهرباء.

تم التدجين بالكامل. تذكر السوريون أن للحيطان آذاناً وأن الفيس بوك مُراقب وكل كلمة يكتبونها قد تجرجرهم إلى فروع الأمن بتهمة (وهن شعور الأمة) وصارت عبارات من مثل (نيالو مات وارتاح) و (نحن أموات ولسنا أحياء…) أقوال يومية في حياة معظم السوريين .سوريا وطن الظلام وأن تقتل نور الأمل وحب الحياة في نفوس الناس وتُجرمهم على كلمات كتبوها فهذا هو الموت.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا