أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، عند حديثه عن خيبة أمله بعد إخفاق الثورات في البلدان الأوروبية، مفهوم الهيمنة، مشيراً إلى أن «الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة من القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والمعاني التي تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية». ولأن الخطاب، بلغته وتعدد أشكاله، يُشكّل جانباً مهماً في عملية الاتصال والتأثير على مستوى الأفراد أولاً ثم الجماعات، وهو جزء من الخطاب العام للمجتمع، فإن أي خلل أو تباين فيه يعني بالضرورة خللاً داخلياً يستدعي التوقف عنده، والتنبه إليه، ومناقشته.
وبما أن الخطاب الثقافي الرسمي مساحة مركزية لإنتاج المعنى، فقد استوقفتني مجموعة من الخطابات الرسمية المتضاربة التي جاءت على لسان وزير الثقافة السوري في الحكومة الجديدة. من ذلك ما صرّح به في لقاء بمدينة حلب حول «تطوير الخطاب الثقافي الوطني»، بما يكرّس الهوية الوطنية السورية الجامعة ويركّز على التنوع الثقافي، بحيث تكون الثقافة أكثر التصاقاً بالمجتمع بعيداً عن النخبوية الضيقة. وهو تصريح يُمثّل إعلاناً للنوايا الثقافية، يحمل في طياته وعوداً تتجاوز القطاع الثقافي الضيق إلى المجال العام بأكمله، ويُقدّم الثقافة بوصفها سردية كبرى تنتظم حولها القيم والذاكرة والخيال الجمعي، وبذلك تتجاوز السلوك المفرد لتصبح منظومة معنى تُنتج الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو تصريح يوحي بإدراك عميق لمفهوم الثقافة وأبعادها.
غير أنه، وفي حوار إعلامي لاحق خُصِّص لمناقشة الشأن الثقافي، اختزل مفهوم الثقافة في مجموعة من الممارسات التنظيمية اليومية، القابلة للقياس والمراقبة، والمتصلة مباشرة بالسلوك الفردي؛ فطرح الثقافة في سياق مختلف ينسحب إلى ثقافة النظافة الشخصية ونظافة المحال، وذلك عقب حادثة سرقة المتحف الوطني المؤلمة، التي شهدتها بلاد تمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب الدقة والانضباط وعرض الرؤى والاستراتيجيات. ليأتي ردّه الرسمي منصبّاً على النظافة، ومقهقهاً عند الحديث عن سرقة المتحف!
إن تجاوزنا الجدل الحاصل عقب كل تصريح منفرد للوزير، وانتقلنا إلى رؤية شمولية أكثر اتساعاً، فنظرنا إلى مجمل التصريحات نظرة تتبّع ومقارنة، نلحظ سلوكاً متبايناً في التعاطي مع الثقافة وفي التعبير عنها. وهو سلوك يفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب الثقافي الرسمي نفسه، وحدود مفاهيمه، ومدى خضوعه لهندسة واعية؛ بما يُحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926–1984)، حين أكّد أن خطورة الخطاب لا تكمن فيما يقوله فقط، بل في الحدود التي يرسمها لما يمكن التفكير فيه بوصفه «ثقافة»، وما يستبعده أو يغض الطرف عنه. وهنا جوهر القضية؛ فالمشكلة ليست في الضحكة الساخرة غير المنضبطة، ولا في الحديث عن أهمية السلوك اليومي والنظام العام، ولا في هذا التصريح أو ذاك، بل في عدم إدراك أبعاد الخطاب الثقافي وماهيته، وفي نقل مفهوم الثقافة من مستواها الاستراتيجي إلى مستوى إجرائي ضيق دون بناء جسر مفاهيمي يربط بين المستويين.
ولأننا في مرحلة بناء سوريا الجديدة، فإننا أحوج ما نكون إلى الوعي بما يُعرف بـ«هندسة الخطاب الثقافي»، أي التخطيط المنهجي المدروس للثقافة. ولا نقصد بذلك التنظير الأكاديمي المجرد، بل العملية الواعية القائمة على تحديد مفهوم الثقافة المعتمد رسمياً، واختيار اللغة التي نتحدث بها عنها، وتحديد الجمهور المقصود، وضبط العلاقة بين الرمز والسلوك، وضمان الاتساق الزمني بين الخطابات المتعاقبة؛ بما يحقق تعدد المستويات لا خلطها، وتنوع الأدوات دون تفكيك المفهوم، بهدف إدارة الوعي الفردي والجماعي وتوجيهه، وبناء المفاهيم، وتشكيل السلوك بطريقة مؤسساتية لتحقيق أهداف اجتماعية أو حضارية أو اقتصادية.
وعليه، تكون المشروعات الثقافية، انطلاقاً من التصريحات الرسمية، جزءاً من مشروع فكري بعيد المدى يتجاوز الأفكار اللحظية، فلا يقتصر على تصريح عابر أو حملة إعلانية أو نشاط أسبوعي؛ إذ يصبح سياسة رمزية طويلة الأمد، يؤدي أي ارتجال فيها إلى تشويش المعنى، حتى وإن كانت الرسائل الجزئية في ذاتها إيجابية. فالفضاء العام يقوم على تماسك اللغة والمعنى، بعيداً عن الانحراف نحو الشعبوية الثقافية، إذ إن المضي في هذا المسار يفتح الباب أمام تسطيح الوعي وتفريغ الثقافة من بعدها المعرفي، مما ينتج عنه فوضى دلالية وتآكل في المسؤولية.
ولا يُراد بالشعبوية تبسيط اللغة أو الاقتراب من الناس، بل اختزال المفهوم نفسه إلى ما هو سريع الفهم، سهل الترويج، ومضمون القبول. وقد أوضح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) أن أخطر ما قد يصيب الخطاب الثقافي الرسمي في مرحلة دقيقة كبناء الدولة الجديدة هو الانزلاق نحو الشعبوية الثقافية؛ فعندما تُقدَّم الثقافة بوصفها انضباطاً سلوكياً، تتحول من أفق للمعنى إلى أداة ضبط، ومن فضاء للهوية إلى قائمة تعليمات. وحينها لا يعود الخطاب رافعاً للوعي، بل مُطمئناً للذائقة العامة على حساب العمق، وهو ما يفقده وظيفته التأسيسية. فالخطاب يجب أن يستند إلى العقلانية التواصلية لا إلى العقل الأداتي، لأن الاتكاء على الثاني سيضعنا في مواجهة خلل ممتد يتجاوز أثره حدود الداخل إلى الخارج.
ومن المعروف أن الخطاب الثقافي أحد أهم أدوات الاتصال بالعالم، في زمن تُقاس فيه الدول بقوتها الناعمة، وتُقرأ الثقافة فيه بوصفها سردية، وتُفهم اللغة الرسمية كبطاقة تعريف. فلا تنحصر الثقافة بما نفعله فقط، بل تمتد إلى ما نفهمه عن أنفسنا وما نرويه للعالم عنا. وقد أشار إلى ذلك أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي جوزيف ناي، عندما تحدث عن القوة الناعمة التي تُبنى عبر الجاذبية الثقافية والرمزية، لا عبر التعليمات الإدارية. موضحاً أن كل خطاب ثقافي رسمي هو إعلان ضمني عن صورة الدولة التي نريدها؛ فخطاب يختزل الهوية الوطنية إلى ممارسات تنظيمية يومية قد يبدو داخلياً قريباً من الناس، لكنه يفتقر خارجياً إلى القدرة على تمثيل مجتمع معقّد وغني بالتاريخ والتعدد والإنتاج الرمزي، مما يفقده القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية الثقافية.
ولعلنا، بعد سنوات من العزلة الثقافية، نطمح إلى سوريا جديدة يتجاوز فيها الخطاب حدود اليومي نحو أفق أعمق. وهذه الرغبة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مشروع وطني قابل للحياة في الداخل، وقادر على التواصل مع العالم في آن واحد.
وعليه، فإننا بحاجة إلى بناء خطاب ثقافي وطني جديد يرفع مستوى الخطاب الرسمي، ويُعاد تخطيط بنيته العميقة في التعليم والذاكرة والمؤسسات. وهو ما تؤكده تجارب دول نجحت في إعادة بناء صورتها الثقافية بعد أزمات وصراعات متعددة، مثل جنوب إفريقيا التي راعت الانقسام والتعدد وانتقلت من نظام قمعي إلى أفق جديد، ورواندا التي جبرت ذاكرة العنف الجماعي، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهت الماضي ولم تنكره، فاختارت السردية المسؤولة بديلاً من المريحة.
ويكون ذلك عبر إعادة ضبط البوصلة المعرفية، وإزاحة منطق ما يريده الجمهور لصالح ما يحتاجه الوعي العام كي يتطور، والانتقال من الارتجال إلى الاستراتيجية التي تحقق الفصل الواضح بين الثقافة بوصفها قيمة ومعنى، والسلوك بوصفه نتيجة لهذه القيمة لا تعريفاً لها. وكذلك عبر تفكيك اللغة قبل إنتاجها، وتوظيف لغة رمزية تفتح أفق التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من لغة تعليمات تُغلقه، مع الاستثمار في النقد بوصفه ممارسة تفسيرية مسؤولة، وتمكين المثقفين من مواقعهم، وإشراك الباحثين وصنّاع المعنى في بناء السردية الثقافية، لا الاكتفاء بإنتاجها ضمن دوائر إعلامية ضيقة أو التوجه نحو «المؤثر الثقافي» السريع. كل ذلك وغيره يمكن أن يسهم في رسم مسار واضح، ووضع خطة ناجعة نحو هندسة الخطاب الثقافي في سوريا الجديدة.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






