أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
في كل مرة تنتشر فيها مشاهدُ انتهاكٍ جديدة، يتصرف السوريون كما لو أنهم يكتشفون البلاد من الصفر. يشتعل الغضب، تتكاثر التعليقات، ترتفع اللغة، ثم يعود كل طرف إلى مكانه القديم. المشكلة تكمن، ربما، في الطريقة التي يُعاد فيها استخدام الصورة لتفادي الأسئلة التي لا مهرب منها: من صنع هذا العنف؟ كيف استقر في حياتنا العامة؟ ولماذا تعود أشكاله نفسها مهما تغيّرت الرايات؟
الناس يرون ما يريدون رؤيته. الصورة المريحة تُنقذ صاحبها من مسؤولية النظر إلى البنية التي تُنتج الجريمة ثم تُكرّرها. ولهذا تبدو إضاءة مشاهد الانتهاكات، أحياناً، جزءاً من المشكلة. الفضيحة السريعة، الفيديو المقتطع، والسجال الذي يشتعل ثم ينطفئ، لا يفتح باب الفهم، ويؤجّل مواجهة العلّة. وبين موجة وأخرى، يتكوّن عنفٌ من نوع مختلف: عنف الخطاب. تُوزَّع الإدانة وفق الهوية قبل الوقائع، وتُستعار مفردات قبول الآخر ثم تُستخدم للانسحاب من أي مسؤولية عامة. حتى من عاشوا سنوات طويلة داخل خطاب الأسدية أو استفادوا من صمته، يعودون إلى الكلام عند ارتفاع وتيرة العنف، وهم يرمون السؤال نحو الثورة من موقع المتفرّج: “هل هذا ما تريدينه من سورية؟” فيما السؤال الذي لا يُطرح كفاية هو: أين كان هذا الصوت حين كانت تُصنع شروط العنف وتُراكَم؟
من هنا تشتعل حرب الميديا الطائفية بين حين وآخر. لا تحتاج هذه الحرب إلى قرار سياسي كي تعمل؛ يكفيها جمهورٌ متوتر، وذاكرةٌ مثقلة، ومؤسساتٌ رخوة. تتحول السياسة إلى شاشة، والناس إلى جمهور، والبلد إلى سباق بين روايات متقابلة. تُعاد تعبئة الغضب في قوالب جاهزة؛ طائفة ضد طائفة، منطقة ضد منطقة، ضحية ضد ضحية. وفي كل مرة تتسع هذه السوق، تضيق مساحة المحاسبة الجدية. المحاسبة تتطلب تحديد مسؤوليات وأسماء وسلاسل قرار، بينما الميديا الطائفية تفضّل توزيع الكراهية لأنها أسرع وأربح.
وقد عزّزت هذه القابلية الصراعاتُ العسكرية بين جيش نظام بشار الأسد وقوات المعارضة السورية. كانت حرباً زادت العنف كثافة ووضوحاً، لكنها لم تخترعه. ما حدث في السنوات الماضية كان تتويجاً لمسار طويل: دولة تربّت على إدارة المجتمع بمنطق التعبئة والضبط، ومعارضة دفعتها أبواب السياسة المغلقة إلى أشكال تنظيم أكثر حدة. منذ عقود، عاشت سورية تحت نظام يعامل السياسة كخطر، ويعامل المختلف كملف أمني. وصُمِّمت التنظيمات الحزبية والطلابية لصناعة الامتثال. بمرور الوقت، تراجع الكلام عن الشراكة في السلطة، وتقدّم منطق الطاعة، وصار المجال العام مساحة اختبار ولاء أكثر مما هو مساحة حقوق.
حين جاءت لحظة الاحتجاج الكبرى في آذار/مارس 2011، دخل السوريون ساحة غير متوازنة منذ البداية. الشارع خرج بمطالب سياسية واجتماعية واضحة، وبلغةٍ مدنية في أيامها الأولى، لكن الدولة ردّت بعُدّةٍ أمنية ثقيلة: اعتقالات واسعة، إطلاق نار، ثم توسّع سريع في القمع. من درعا، حيث بدأت الحكاية من إهانةٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ على خلفية شعارات كتبها أطفال، إلى حمص التي تحولت باكراً إلى عنوان للحصار والقصف، إلى حماة التي حاولت استعادة معنى السياسة في الشارع قبل أن تُطوَّق من جديد؛ كانت الرسالة واحدة؛ لا مساحة للاعتراض خارج تعريف السلطة.
ومع انسداد الطريق أمام تسوية داخلية، تمددت فوضى السلاح، وتداخلت الأطراف، وتكاثرت التشكيلات المسلحة والميليشيات، واتسعت الضغائن. عند هذه النقطة أصبح العنف لغة تفسير وتبرير، ومعياراً لتوزيع الشرعية داخل المعسكرات نفسها. وفي هذا المناخ ظهرت قوى قادرة على التنظيم السريع، بعضها حمل خلفيات دينية متشددة، وامتلك أدوات تعبئة جاهزة تقوم على ثنائيات حادة، سرعان ما أثرت في طريقة فهم السياسة وإدارة المجتمع، وفي تعريف العدو والحليف وحدود المسموح داخل المجال العام.
ومن المهم تذكّر أن جرَّ السياسة إلى العنف ليس وليد العام 2011. صدامات الستينيات، ومنها أحداث حماة 1964 في ظل توتر البعث مع الإخوان المسلمين، كانت علامة مبكرة على نمط يتكرر؛ احتجاجاً يتمركز حول فضاء اجتماعي-ديني، ودولة تتعامل معه بوصفه خطراً أمنياً، ثم يقترب الخصوم خطوةً بعد خطوة من خيار المواجهة المفتوحة. لاحقاً، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ترسّخ هذا المسار أكثر؛ كلما ضاقت السياسة واتسعت قبضة الأمن، ازداد ميلُ جزءٍ من المعارضة إلى السرّية والتشدد، وازداد ميل الدولة إلى الحلول القصوى. هكذا تُترك البلاد بلا أدوات وسيطة تحمي السياسة من الانهيار؛ أحزاب حقيقية، نقابات مستقلة، قضاء قادر، وإعلام يشتغل بوصفه رقابة لا تعبئة. وعندما تُلغى الوساطة، يصبح العنف خياراً قابلاً للتكرار لأنه يعمل في الفراغ الذي تتركه السياسة الغائبة، ويجد دائماً من يبرره ومن يورثه.
داخل هذا كله، يُصبح مثال مثل حمزة الخطيب أكثر من حادثة. الجريمة تقول شيئاً عن سلطة ترى في المجتمع رعايا يجب كسرهم حين يرفعون صوتهم. والصدمة التي أحدثتها الجريمة تقول شيئاً عن مجتمع لم يعد يجد طريقة لتثبيت معنى العدالة سوى تحويل الجريمة إلى رمز. ومع الرموز، تتراكم طبقات من الغضب. ومع الغضب، يتراجع العقل البارد الذي يحتاجه بناء السياسة. هكذا تتوسع المسافة بين الإدانة وبين المسؤولية.
في هذا السياق تبرز الذكورية كقواعد عمل، أكثر منها كعنوان اجتماعي. الذكورية هنا تظهر في طريقة إدارة المرحلة الانتقالية؛ لغة الهيبة، أولوية الردع، الحساسية المفرطة تجاه النقد، وتحويل السياسة إلى امتحان ولاء. يظهر ذلك في ميلٍ إلى تفضيل الانضباط على الكفاءة، وتقديم الأمن على النقاش، واعتبار المساءلة تشكيكاً. وتظهر أيضاً في تراث معارضات دينية متشددة صعد فيها الرجال كقادة وحراس للشرعية، فصار نموذج القيادة أقرب إلى صورة الأمير أو الشيخ القادر على الضبط، لا صورة المسؤول الخاضع للرقابة العامة.
وحين تجتمع عقلية الدولة الأمنية مع إرث التعبئة الدينية المتشددة، تُنتج إدارة تفضّل السيطرة على التمثيل. تظهر هذه الإدارة في قواعد العمل قبل الخطب؛ في تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، في توسيع معنى الخطر حتى يشمل الرأي واللغة والموقف، وفي تحويل الاختلاف إلى ملف. وتظهر في المجال العام عبر أدوات لا تحتاج إلى مؤسسات رسمية: تسريبات، لوائح اتهام، حملات تشهير، ومنصات تتحول إلى محاكم سريعة. يكفي مقطع مبتور أو صورة خارج سياقها لتُبنى حولها قصة كاملة، ثم تُعاد هذه القصة كمعيار للفرز: هذا معنا، وهذا ضدنا. ومع الوقت يصير الخوف سياسة يومية، وتصبح الهوية أداة تنظيم أسرع من القانون.
السؤال، في النهاية، لا يتعلق بالعنف وحده. يتعلق بما إذا كان السوريون قادرين على إنتاج معنى مشترك خارج العنف. ما يجمعهم هو اتفاق على المسؤولية؛ عدالة تُعرّف الجريمة وتحدّد مرتكبيها وسياقها، دولة تعمل بالقانون لا بالهيبة، ومجال عام يسمح بالنقد من دون تخوين. في هذا الطريق تحديداً، يصبح تفكيك الذكورية جزءاً من السياسة؛ قواعد تقيّد القوة، مؤسسات تُحاسِب، وتمثيل أوسع يفتح المجال العام أمام أصوات مدنية حقيقية، نساءً ورجالاً. لأن بلداً لا يسمع إلا صوت القوة، يعيد إنتاج القوة بوصفها قاعدة، ويترك الخلاف بلا مخارج آمنة.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






