أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...
انهيار النظام المركزي في سوريا، في ديسمبر 2024، خلّف فراغاً مؤسسياً واسعاً. لكن الحياة لم تتوقف. خلال أسابيع قليلة، وجد كثير من السوريين أنفسهم يديرون تفاصيل يومهم عبر الهاتف؛ بيعاً وشراءً، وتحويلات، وتنسيقاً للخدمات، وتبادلاً للمعلومات. لم ينتظر الناس عودة الدولة لترتيب نفسها، بل انتقلوا إلى الشاشات والتطبيقات بوصفها حلاً عملياً لتجاوز إرثٍ طويل من الروتين والبيروقراطية. ومنذ الأسابيع الأولى، برز نمط جديد عبر منصات التواصل؛ إذ لم تعد مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى بنية “خدمات” غير رسمية. صار المواطن يتابع حاجاته اليومية عبر مجموعات ومنصات رقمية، فيما بدأت بعض الجهات الرسمية، تدريجياً، تكييف إجراءاتها مع هذا الواقع بدل مقاومته.
هكذا صار الفضاء الرقمي جزءاً من مشهد ما بعد الانهيار؛ ليس بديلاً كاملاً عن الدولة، لكنه قناة تُخفف الاحتكاك المباشر وتعيد تنظيم الحدّ الأدنى من المعاملات والاحتياجات. أوضح وجوه التحول كان اقتصادياً. مع استمرار تعطل النظام المصرفي التقليدي وصعوبة الوصول إلى النقد، وفقاً لما عايناه في تلك المرحلة، اتجه سوريون إلى المنصات الرقمية لضمان استمرار المبادلات اليومية. فخلال عام 2025 تحولت مجموعات “فيسبوك” و”واتساب” إلى أسواق افتراضية تُعرض فيها السلع، تُقارن الأسعار، وتُعقد الصفقات مباشرةً بين المستخدمين. لم يعد وجود سجل تجاري هو معيار الثقة الوحيد، بل صار “الأثر الرقمي” مهماً في سمعة البائع، وتاريخ التعامل، وتقييمات المتابعين داخل المجموعة.
يقول الدكتور جميل الحوشان، أستاذ القانون التجاري والمحامي، لموقع صالون سوريا: “إن الممارسة العملية بدأت تتوافق مع حاجات المجتمع، وأصبحت الأعراف الرقمية قاعدةً متناميةً للتعاملات اليومية”. بهذا المعنى، لم يعد المواطن ينتظر الدولة فقط، بل بات جزءاً من دورة الإنتاج والتبادل، يصنع قواعده المؤقتة ويتكيف معها، ريثما تتبلور مؤسسات أكثر استقراراً.
ثم برز تطبيق “شام كاش” كنموذج واضح للتحول المالي الرقمي في سوريا، حيث شكّل هذا التطبيق محفظة إلكترونية تُستخدم لتسهيل المعاملات المالية اليومية، بما في ذلك تحويلات الأفراد وصرف الرواتب. وابتداءً من مايو/أيار 2025، أصبح قناةً رسميةً اعتمدتها وزارة المالية لتمرير رواتب موظفي القطاع العام، وفق آلية أُلزم محاسبو الجهات العامة بالعمل عبرها. أبرز الخدمات التي يقدمها التطبيق: صرف الرواتب وتحويلها إلكترونياً، بما يقلل الاعتماد على النقد ويخفف ضغط الطوابير. تحويل الأموال بين الأفراد بسرعة، ومن دون عمولاتٍ بحسب مستخدمين، وسداد فواتير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والإنترنت وخدمات أخرى. السحب والإيداع النقدي عبر شبكة مراكز حوالات محددة، مثل “الهرم” و”الفؤاد”. ميزات أمان، مثل رقم “PIN” وخيار التحقق بالبصمة.
لكن هذه المزايا ترافقها تحديات مرتبطة بالأمان والشفافية: التطبيق غير متوفر على “جوجل بلاي” أو “آب ستور”، ويُحمَّل عبر موقع رسمي فقط، ما يطرح أسئلةً حول التحقق التقني ومسؤولية التحديثات. فيما تتزايد أخطار الاحتيال الرقمي وانتحال الهوية، مع انتشار مجموعات تنتحل صفة “الدعم الفني” بهدف اصطياد بيانات المستخدمين.إضافةً إلى تحديات سياسية واقتصادية تتصل بموقع التطبيق خارج إطار البنك المركزي السوري والنظام المالي العالمي، وبإدارته عبر شركة مسجلة في تركيا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تركّز الخدمة بيد جهة واحدة ويزيد هشاشة العلاقة مع القطاع المصرفي النظامي.
وتصف حنين الحمود، لاعبة منتخب سوريا بلعبة المبارزة من حماة، خلال حديثها لموقع صالون سوريا واقع استخدام “شام كاش” قائلةً: “التطبيق أعطى الناس قدرةً على إدارة حياتهم المالية، لكنه خلق أيضاً وعياً بحماية المعلومات والحرص على كل عملية، وأصبح المواطن جزءاً من منظومة مالية جديدة، لكنه مسؤول بالكامل عن أمان حسابه”.
من العقد إلى لقطة الشاشة
مع تراجع القدرة على الوصول إلى المحاكم التقليدية، بدأت المحادثات الرقمية و”لقطات الشاشة” تلعب دوراً يتجاوز التوثيق العابر، لتصبح في كثير من الأحيان لغةً يومية لإثبات المعاملات التجارية وتسوية الخلافات. لم تعد الورقة هي المرجع الأول في السوق الصغيرة، ولا ختم المكتب شرطاً مسبقاً للثقة، بل صار “الأثر الرقمي” -رسالة، تحويل، أو لقطة شاشة- جزءاً من ذاكرة التبادل بين الناس، خصوصاً في بيئاتٍ محلية تعتمد على التعامل المتكرر داخل مجموعاتٍ مغلقة.
يقدم الدكتور جميل الحوشان قراءةً حذرة لهذه الظاهرة، في حديثه لموقع صالون سوريا، مؤكداً أن “لقطة الشاشة ليست عقداً رسمياً ولا يمكن التعامل معها بوصفها بديلاً عن الوثائق القانونية، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى قرينةٍ ضمن منظومة إثباتٍ آخذة بالتشكل، شرط أن تُفهم بوصفها دليلاً جزئياً قابلاً للتمحيص، لا حقيقةً نهائية”.فسلامة اللقطة نفسها تصبح موضع سؤال: هل هي أصلية أم خضعت للقصّ والتعديل؟ وهل تُمثل سياقاً كاملاً أم جزءاً منتقى؟
هنا تبرز أهمية الخبرة الفنية عند النزاع، كما تبرز حدود ما يمكن أن تمنحه الشاشة وحدها.
عملياً، تعمل “لقطة الشاشة” على أكثر من مستوى في آنٍ واحد؛ فهي تُستخدم أخلاقياً كمؤشرٍ للالتزام داخل التعاملات اليومية، وتصبح في لحظات النزاع مادةً للضغط الاجتماعي داخل المجموعة، وأحياناً وسيلةً لتسوية الخلاف عبر وساطاتٍ غير رسمية قبل الوصول إلى القضاء. وحين تصل القضية إلى مستوى قانوني، قد تُعرض اللقطة كدليلٍ مساعد، لكنها لا تضمن الحق بمفردها ولا تُغني عن العقد الرسمي، بل تدخل ضمن حزمةٍ من القرائن التي تُفحص وتُقارن وتُستكمل.
هذا الانتقال لم يفتح فرصاً فقط، بل رفع كلفة الوعي. فمع توسع الاعتماد على الفضاء الرقمي، صار الخطأ التقني جزءاً من المخاطر اليومية: رابطٌ خادع، رسالةٌ مزورة، أو حسابٌ منتحل يمكن أن يقلب معاملةً بسيطة إلى خسارةٍ كاملة.
يقول فرج مرعي، مدرّس من الحسكة، في حديثه لموقع صالون سوريا: “كل رابط، كل رسالة، كل معاملة، أصبحت مسألةً أمنية، اليقظة الرقمية جزء من ثقافة حياتنا اليومية”. ومع الوقت، تحولت الحماية إلى ممارسةٍ اجتماعية: العائلة تراقب وتنبّه، والمدرسة تزرع قواعد الخصوصية والتحقق، وبعض المجتمعات المحلية دفعت باتجاه دوراتٍ مجانية للتعريف بأساسيات الأمن السيبراني وحماية البيانات واكتشاف الرسائل الاحتيالية، كأن الثقافة الرقمية لم تعد للمعرفة، بل ضرورةً للبقاء في اقتصادٍ يتحرك على الشاشة.
وفي موازاة ذلك، لم تعد المجموعات الرقمية مجرد واجهات بيع وشراء، بل صارت مساحات تنظيمٍ اجتماعي تمتلك قواعدها وأدوارها. “الأدمن” أو مدير المجموعة بات يقوم بوظائف تقترب، في نطاقها الضيق، من بعض أدوار الدولة التقليدية: يضبط تدفق المعلومات، يحدد شروط الإعلان، يتدخل لفضّ النزاعات، ويصوغ قواعد تعاملٍ يلتزم بها الأعضاء لأنهم يحتاجونها. خلال عام 2025، ساهم هذا الشكل من “السلطة الرقمية” في خلق بيئاتٍ أكثر استقراراً داخل الفضاء الافتراضي، لكنها سلطة نابعة من الاستخدام والثقة داخل المجموعة، لا من تفويضٍ سياسي؛ شرعيتها مؤقتة وهشة، لكنها فاعلة ما دام الناس يعتمدون عليها في تفاصيل حياتهم.
البنية التحتية الرقمية: شرط البقاء والتمكين
صار الاستقرار في الإنترنت والكهرباء عاملاً فاصلاً في قدرة السوريين على العمل والتعلم وتسيير شؤونهم. تقول حنين الحمود في حديثها لموقع صالون سوريا: “إن ضعف الاتصال والانقطاعات المتكررة لا تُربك الحياة اليومية فقط، بل تُضيّق فرص العمل المهني، خصوصاً في الوظائف التي تعتمد على التواصل المستمر والإنجاز عن بُعد”. ومع اتساع الاعتماد على المنصات، ظهر خلال 2025 ما يمكن وصفه بـ”هجرة رقمية داخلية”: رصدٌ ميداني في عدة مدن سورية يشير إلى انتقال جزء من الشباب من الأرياف والمناطق الأقل اتصالاً نحو مراكز المدن، أو نحو مقاهٍ وأماكن عمل توفر إنترنتاً أكثر استقراراً ومولدات كهرباء. الدافع بسيط: الاتصال صار شرطاً لإتمام عملٍ حر، أو متابعة زبائن، أو إرسال ملفات، أو تلقي دفعات. لكن النتيجة معقدة: مناطق ريفية تخسر حضوراً شاباً كان يمكن أن يبقى لو توفر الحد الأدنى من البنية التقنية.
في هذا السياق، تحولت الطاقة الشمسية من خيارٍ منزلي إلى عامل اقتصادي مباشر. إفادات متكررة من مستخدمين تُظهر أن امتلاك الألواح والبطاريات بات مدخلاً عملياً للبقاء داخل الدورة الرقمية: من يستطيع تأمين كهرباء مستقرة يستطيع أن يحافظ على اتصالٍ منتظم، وأن يلتزم بمواعيد عمله، وأن يتعامل مع خدماتٍ مالية وتطبيقاتٍ تتطلب حضوراً دائماً.
أما من يظل رهينة انقطاع الكهرباء والإنترنت، فيُدفع تدريجياً إلى هامش السوق، لا بسبب نقص المهارة أو التعليم، بل بسبب غياب الاستقرار التقني. هنا تتشكل فجوة جديدة: تفاوت بين مناطق تملك إنترنتاً أسرع وطاقةً أكثر استقراراً، ومناطق أقل تجهيزاً. هذا التفاوت ينعكس مباشرةً على فرص الدخل، وعلى الوصول إلى التعليم عن بُعد، وعلى قدرة الناس على استخدام الخدمات الرقمية التي بدأت تتوسع. لذلك، أي حديث عن توسيع الاقتصاد الرقمي يظل ناقصاً إذا لم يُربط بخطة واضحة للكهرباء والاتصال، وبآليات تمنع تحوّل الاستقرار التقني إلى امتيازٍ طبقي دائم.
على الأرض، تُذكر محاولات متفاوتة لسد الثغرات: مقاهٍ مجهزة، حلول محلية بالطاقة الشمسية، ومولدات خاصة في مناطق محرومة. لكنها تبقى حلولاً متقطعة، تتوسع حيث توجد القدرة على التمويل وتتراجع حيث يتراكم الفقر.
ما يحتاجه هذا المسار معايير تشغيل واضحة، وحماية للمستهلك، وخرائط تغطية شفافة، وخيارات تضمن ألا يُقصى من لا يملك كلفة الطاقة والاتصال.
سوريا الجديدة: من المركزية إلى العصر الرقمي
بعد عام على رحيل النظام السابق، تتقدم الخدمات الرقمية بوصفها إحدى الأدوات التي تُخفف الاحتكاك اليومي بين الناس والمؤسسات، وتختصر مسارات كانت تُستهلك في الطوابير والمكاتب. في بعض المجالات، صار ممكناً متابعة الرواتب والتحويلات عبر “شام كاش”، وتسديد بعض الفواتير والخدمات الأساسية إلكترونياً، وتقليل الاعتماد على الوسطاء في معاملاتٍ كانت تُدار سابقاً عبر شبكات علاقات أو “تسهيل” غير رسمي. كذلك فتح الاتصال باباً لخدماتٍ عن بُعد في التعليم والصحة، وإن ظل الوصول إليها غير متوازن بين المناطق.
إلا أن توسع هذه المنصات من دون قواعد ناظمة يحمل مخاطر موازية: حماية البيانات، حقوق المستخدمين، وضمانات الاعتراض، ومنع الاحتكار، ومعايير التحقق. إن التحول الرقمي لا يمنع تلقائياً عودة المركزية بأشكال جديدة؛ قد يعيد إنتاجها عبر بوابات إلكترونية إن لم تُحدَّد حدود السلطة الرقمية، ولم تُكتب قواعد واضحة للمساءلة والشفافية وإتاحة المعلومات.
ما تكشفه تجربة عام 2025 هو أن بعض السوريين بنوا مسارات عملية لإدارة تفاصيل الحياة حين غابت المركزية، لكن المرحلة التالية تتطلب شيئاً مختلفاً: تنظيم هذا الواقع بدل تركه فوضى، وتثبيت الحقوق بدل تركها رهينة التطبيق، ووضع قواعد تضمن أن ما يُنجز على الشاشة لا يبقى قابلاً للانقطاع مع أول أزمة كهرباء أو أول احتكار أو أول اختراق.
عندها فقط يمكن الحديث عن “سيادة رقمية” بوصفها قدرة على إدارة الخدمات وحماية الناس، لا مجرد اعتمادٍ اضطراري على أدوات نجاة مؤقتة.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
ورشة تدريب صالون سوريا
يعلن فريق #صالون_سوريا، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة...






