تدريباتنا

إصدارات: ديوان “خريطة تحترق” (2025)

بواسطة | مايو 27, 2025

صدر حديثاً عن “دار الساقي” في بيروت، ديوان “خريطة تحترق” (2025)، للشاعر السوري جعفر العلوني، وهو عملٌ شعريٌّ يقدّم من خلاله تجربة لغوية مشحونة بالتوتر والأسئلة التي تضيء تمزقات الذات في عالم يتفكك تحت ضغط التكنولوجيا والسياسة والموت.

يتألف الكتاب من أربعة فصول، هي: “صديق الموت”، و”توقعات الأبراج للإنسان العربي”، و”هكذا أروي حياتي لنفسي”، و”تحولات آلية”، تبنى جميعها، على صدام يومي مع الواقع، حيث تتحوّل اللغة إلى وسيلة كشف وتفكيك. يستحضر الشاعر مدناً مثل دمشق، مدريد، ألمرية وغزة، ليس بوصفها أمكنة للذاكرة، بل كعلامات دالة على التحوّلات القاسية في الجغرافيا والسياسة والهوية.  هذه المدن تظهر كمساحات للمواجهة بين الفردي والجماعي، بين اليومي والعالمي، في قصائد تنسج جماليات هجينة تجمع بين المجاز والتقنية، الجسد والأسلاك، الصورة الشعرية والصوت الرقمي.

تمتزج في النصوص اللغة الشعرية بالصورة البصرية، والعبارة المجازية بالإيقاع الإلكتروني، لتقدّم كتابة تنطلق من الجسد، وتتقاطع مع التقنيات، وتُخضع اليومي للرمزي. فالقصائد محمّلة بالأسلاك والعلاقات بين الكلمة والكلمة تمر عبر إشارات المرور والشاشات وأجهزة الإنذار، وحيث الحب لا يظهر إلا بوصفه معطى تقنياً، والمشاعر تمر عبر أنظمة تشغيل معقّدة.

يقدّم العلوني عبر “خريطة تحترق” رؤية شعرية لعالم لا خلاص فيه من اللهب، ولا مخرج طوارئ من الانهيار إلا عبر القصيدة – الحب- الآخر. هكذا يرسم الشاعر خريطته الخاصة، حيث القصيدة – الكتابة طريقة للعيش والرؤية، وحيث اللغة مساحة للمقاومة ضد الاختفاء، ووسيلة لاختراع هوية قادرة على النجاة من الرماد والانكسارات.

يذكر أن جعفر العلوني شاعر ومترجم سوري مقيم في إسبانيا. من ترجماته إلى العربية، نذكر: “الجمالية في الفكر الأندلسي” (2024)، و”شاعر من تشيلي” (2023)، و”الأصوات المرتعشة” (2020)، إضافة إلى العديد غيرها. من ترجماته إلى الإسبانية: “ديوان الشاعرات العربيات المعاصرات” (2016)، “أول الجسد آخر البحر” (2021)، و”أدونيادا” (2023)، إضافة إلى العديد غيرها. 

مختارات من الديوان

هكذا أروي حياتي لنفسي

1

أفتحُ البابَ كمِثل أي صباحٍ

وآلاف الذكريات تتسابق في رأسي كي تكونَ الأولى.

أختارُ الأقل قساوةً، مع أنَّ الحياة كلَّها قاسية.

أتساءَل: ما اليوم؟ وأمضي برفقة السنين.

أشعر بحاجة عارمةٍ كي أصلَ متأخراً إلى العمل.

في الطريق لا أشمُّ إلّا رائحة الخريف.

يبدو أنّني صرت بارعاً في الالتفاف.

أعبرُ الطرق المُنحرفة كلّها وأحاول أن أتفادى الطريق المستقيم:

أحبّك.

2

ثمّة قلوبٌ كمثل الغرف تتراكمُ فيها الأخطاءُ التي لا تغادر.

قلوبٌ بلا زاويا للانثناء لأنّها مليئة بأثاث تركه الآخرون.

قلوب بلا نوافذ أو أبواب على الغد. قلوب بلا ثقب لرؤية الكوارث القادمة.

ثمة قلوبٌ تُقاس العزلة فيها بضوء قنديل لا يضيء.

قلوبٌ رطبة من دمع لا يتوقّف عن الذكرى.

قلوبٌ كمثل الطرق المليئة بخريفٍ يسقط من الأوراق.

ثمة قلوبٌ لا تعودُ. قلوب لا يمكن العودة منها. قلوب لا يمكن أن تكون إلا مكاناً للهجرة.

ثمّة قلوبٌ لا تستطيع أن تغادر منها حتى لو كنتَ في المنفى.

3

من الساحات والبيارق،

من نشرات الأخبار وحركات الطيران،

من حقولِ الكرز ومتاهات القِصص،

من الذئبِ والأرانب، 

من القبلِ دون كافيين،

من المتاريسِ والأسلاك الشائكة،

طيور البجع وسُفنِ الزبد،

العظةِ والأيام الجافة،

من العناقِ ومضادات الاكتئاب،

من الحبّ وأفاعي الذكريات

من الطحالب والأنبياء،

الجهات الأربع

أغوار الفراتِ وضفاف دجلة

بردى والبيت البارد

من الكتبِ والرفوف العمودية

الطاعون والسحاب

الجَزع التجزؤِ الصمتِ والرماد

من الليل والنهار، القمر والشمس والخيط الواصل بينهما

من الجمجمة وعظم الترقوة

من المرايا والأبراج

من ليلٍ أرخى سدوله وموجٍ كمثل البحر

من السيفِ والضحية،

الشقوقِ، الأطرافِ، العطش، الأنقاض، السبات،

الكاميرات، الهواتف، اليمين واليسار،

الجذور الأصول

الهواء، الخبز، الأقواس،

علامات الترقيم والفواصل المنقوطة

من المربع، الدائرة، المثلث وبقية الأشكال الهندسية،

من الهواجس، العناكبِ، الجسورِ، المخالب،

وأظافر القدمين المطلية

من المقاهي وأسرار الكراسي

من الزجاج وكيمياء الرمل

من الفخار وأوطان الوحل

من الأندلس وطوائفها

حتّى من الحياة نفسها يمكن الخروج

لكن حتّى الآن لم أجد مخرجاً للطوارئ.

4

لا الصوتُ يسبقُ الصدى ولا الصدى يلحق النداء.

قطراتُ المطر تُظهر لي اسمك.

الأشجارُ عاريةٌ لا تتأثّر بالمشهد. ربّما كان عنيفاً أكثر من اللازم.

بللتُ الشوارع التي تذكّرني بساقيك ومحوت أثر الفتات المُتساقط مني كي لا أعود أو ألتفت.

الحياةُ هنا انزلاقٌ متواصل. والسقوط أول الطريق.

تحتدمُ العواصف،

تنخفض الحرارة على وتيرة صوتِ المذيعة التي تتنبأ بطقوس لقائنا

الغيمُ يتراكم: ترعدُ وتبرقُ وتنزل الصاعقة:

واحد تحت الصفر،

هذه هي المسافة التي تبعدني عنكِ.

5

الأخبار العاجلة تصلُ تباعاً:

عُزِلت الفصولُ من حراسةِ موكبكِ لأنّها لم تعد جديرة بالثقة.

ويحكى أنّك سببُ الكوارث المناخية.

وأنّك فتحتِ صندوق باندورا وأخرجتِ منه مؤونة المواسم.

انعشتُ أرقامك الحمراء

وضعتُ الشمسَ في الفراشِ كي تجفّف نداكِ

مع ذلك لم يبق إلا الحصار أو الهزيمة.

عزلتُ خيباتي واحدةً واحدة

لخبطتُ الأيام في رتل العروبة

وأسقطتُ الزَّند.

كلُّ شيء جاهز كي أسقط النظام.

6

تعالي، أريدُ أن أريك حياتي. لا تخافي. أعطيني يدكِ.

ليست بعيدةً. ليست أبعدَ من خطوتين ونصل.

لن نعبرَ حدوداً. لن نحتاجَ لجوازات سفرٍ. ولن يفتشك أحدٌ.

هنا خزانة الأشباح. في كلّ صباح أرتدي شبحاً وأخرج عابراً إشارات المرور حتى لو كانت حمراء.

أرجوكِ لا تغاري إن قلتُ لكِ لا تلمسي الفوضى: أحبُّ الأشياء مرتبةً بهذه الطريقة.

هذه هي زاويتي المفضّلة. لكن، لا أستطيع حتّى أنا أن أدخل.

هناك وضعت المرايا التي حدّثتُك عنها.

– كلا، لا تعكسُ صوري. تعكسُ شكل المدنِ التي تسكنني ولا أسكنها:

دمشق، بيروت، مدريد، ألميرية، وأمس رأيتُ غزّة.

إلى جانب الباب قاربٌ هيّأتهُ للهجرة.

أعطيني يدكِ مرّة أخرى. سأريكِ أجملَ شيءٍ في حياتي.

هذه هي الهاوية وعليها أبني المستقبل.

7

كان عليَّ أن أقرأ بحذرٍ الكلمات الصغيرة في العَقْد:

أن أقرأ، مثلاً، البنودَ الخاصّة التي لا تسمحُ إلّا بالهجرة والمنفى

أن أقرأ تفاصيل الطفولة ودمى الشقاء

كان عليّ أن أنتبه إلى شرط الذبول الذي اخضرَّ في فتوتي

وأن أرفض أن أساكن في بيتي الأشباح والطواحين

كان عليَّ أن أكون أكثر حرصاً على الحنجرة وشهقات البائسين

أن أدافع أكثر عن رئة الهواء

وأن أضمن بأي شكل نافذةً لصوتي

كان عليّ أنَّ أشكّك الزجاج بشفافيّته

وأن أفرض أشياء بسيطة:

ضوء شمس، قوس قزحٍ، ووسادة للأحلام.

كان عليَّ أن أتفحص جيداً مسألة الكلمات والمصطلحات:

ألّا أوقع عقد القتل عند الولادة.

8

في نشرة الأخبار يحذّرون من عاصفة.

من تلوّثٍ مخزّن في الرئتين.

من نارٍ تنتقل من شجرةٍ لشجرة.

وكانوا يتحدثون عن تحولاتٍ خِلاسية، لكنهم لا يقولون شيئاً عن جثث تسبح.

عن نار ترفض التدفئة في الخيام.

عن أطفالٍ لا يتوقفون من الصعود إلى السماء.

لا أحد يقول شيئاً عني وعنكِ.

المطرُ ينزل كلّ يومٍ لكنّه أعجز من أن يغيّر شيئاً.

عطرُ الوردة يفوح لكنّه لا يعانق الأنف.

الكتبُ ترمي نفسها انتحاراً من على الرفوف لأنّها تريد أن تتحرّر من ثقل الغبار.

دجلة يجفُّ. الفرات يريد أن يلمس ماءَه.

البشر مشغولون في الإجابة عن أحجية الإبرة في كومة القش.

الحياة مسرح، والكلُّ يرتجل.

إلى الخشخاش، إلى الخشخاش، أيّها العمر!

تحولات آلية

1

ألف-لام- هاء:

آلةٌ أم إله؟

تدفّقُ أمواجٍ لا تعرفُ إلا طريقاً واحداً:

المستقبل؟

ألهذا لا يأتي الضوء من الشرق؟

ألهذا لا نعشق إلا ثورات العتمة؟

وأنتِ، لماذا لا تُبصرين الألوانَ، أيتها العين؟

تحتَ الأحمر، فوق البنفسج،

بين بين،

يسافر موجٌ لا تروِّضه كلماتي،

مع ذلك يطيبُ لي أن أغرقَ في زبدكِ يا فولتات اللغة.

اتصالاتٌ وشبكات

الكتروناتٌ

جسيماتٌ وذرات تؤسِّس لمجتمعاتٍ

تُديرها روبوتات لا تعرف أن تحب.

وأنتِ، أين تركتِ قلبك يا إلكترا

ولماذا نسيتِ ثأركِ

وطابَ لكِ النّوم على هامش كتابٍ الكتروني؟

أوه، يكاد عقلي أن يتحوّل إلى شريحة الكترونيّة

وجهي شاشة،

جسدي آلة،

ولا ذاكرة لي إلا في فضاء العشوائية الصلبة

ها هي يدي تصير فأراً آليّاً

وأصابعي لوحٌ أبجدي معدني.

موجٌ،

لا شطآن له إلا في قرارةِ الآلة.

2

في رأسكِ

تتحكّم الخلايا العصبية في حركة جسدي،

في نظام أعصابي،

في اتصالاتي اللا واعيّة

في أحلامِ يقظتي التي لا تستريح،

في شعيراتي الضوئيّة وأليافي البصريّة

في أصابعي التي تتحرّك كفئرانٍ آليّة لاستقبال ما لا يُلمس.

وفيما أبحث، آليّاً، فيك،

في عدسةِ عينيكِ،

في القرنية،

حيث تكسرين شرايين الضوء،

تكون أعضائي قد استكشفت الدوائر والمنعطفات

وأكون قد استظهرتك.

أوه، ما أجمل هذا الحبر الأحمر الذي يسيل من طابعة شفتيك!

خذيني إليكِ،

انسخيني والصقيني في مسامات جسّدك

وسّعي ذاكرتي كما تشائين

انقلي إليّ حركاتك الأكثر حميميّة

أريد أن أخلق نظام تشغيل خاصاً بنا

أريد أن أغلقَ جميع نوافذك الفرعيّة

وأفتتحَ فيك أرشيف الإباحة.

ها آنا الآن أشعرُ فيّ تحت جلدكِ،

بين المنفذ والمنفذ

النبض والنبض،

في الخلية والشريان،

في الكرة والسرّة،

بين روابط الأوردة، معطياتنا الحسيّة، وحبالنا الشوكية

في الأبيض والرّمادي،

في الخلايا التي لا تتفرع،

في منامات اللا شعور،

وطبقاتك السفلى التي تريدُ أن تتمردَ على المركز:

انطلقي تبعثَري تَمردي تغلغلي انتشري خرّبي تنشّطي

تكاثَري شفِّري استحوذي تباطئي أسرعي استكشفي اسرقي

تناسخي ترابطي،

لكن كوني أليفةً معها

يا فيروساتي!

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا