تدريباتنا

هل طغى الاتفاق على صوت المجزرة؟

بواسطة | مارس 14, 2025

بعد أربعة أيام دامية في مناطق الساحل السوري وبعد صرخات الموت التي بلغت الآفاق والتي طغت على المشهد العام، أكد كثيرون أن ما يجري نوع من الإبادة الجماعية، حيث لم يتح للناجين دفن موتاهم ومازال أغلبهم لغاية اللحظة يهيم على وجهه في الأحراش والغابات والتلال. وعلى وقع أصوات العويل والندب والصراخ وفي جو تنتشر فيه رائحة الموت الفاغر أشداقه، يأتي توقيع اتفاق تعثر طويلًا في توقيت حرج ومقلق.

 ماذا يعني أن يأتي توقيع الاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية في هذا التوقيت؟ ما الذي طرأ وما الجديد الآن؟ من منهما يحتاج الآخر ومن منهما قدم تنازلات للآخر وأين موقع العصا الأميركية في هذا الأمر؟

تساؤلات كثيرة تحوم حول هذا الاتفاق: هل جاء ليحول الأنظار عن المجزرة التي لم تتوقف حتى تاريخ إعلانه أم هو مناورة كي ينشغل الرأي العام بقصة جديدة تتعلق بقضية حساسة تهم كافة أطياف ومكونات الشعب السوري؟ هل ثمة ما يعوض هذا بذاك، فالمذبحة المفتوحة التي تمت وتتم على المكون العلوي السوري وسرقة بيوت العلويين وأرزاقهم وحرق أملاكهم والرعب الذي لاحقهم من جراء التنكيل بهم ضجت أخبارها وعمت حدود الكون رغم محاولات إنكارها. هل هي محاولة لتغييب المشهد النازف، لذا كان لابد من استعجال الاتفاق للتغطية على تداعياته السلبية التي تشير بعصا الإدانة لمن استجلب شذاذ الآفاق ليرتكبوا المجزرة. 

الكل يستثمر في دماء السوريين فمن خلال النفير العام الذي أعلن في سوريا لكل جهاديي المنطقة، تمت معرفة العدد الكبير للمتشددين الموجودين ومآلات استثمارهم في منطقة أخرى أو التخلص منهم بعد أن أدوا أدوارهم المرسومة لهم ونفذوا المطلوب منهم. ويُشاع أنه حتى الدول الأوربية لاحقت وحصرت أعداد المؤيدين للمقتلة والزاعقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمهيدا لطردهم واستخدام ذلك كذريعة للتخلص من أعداد اللاجئين المتنامية.

لا أحد باعتقادي إلا ويرغب بسورية موحدة من أقصاها إلى أقصاها رغم واقع التجزئة في الجغرافية السورية ودعوات التقسيم التي تخيم في الأفق وتركة النظام البائد المجرم والخراب الذي أمست البلاد عليه بعد رحيله، لذا من الطبيعي التساؤل عن تفاصيل الاتفاق، وهل سيكون بوابة للتخلي عن سياسة التهميش الذي رافق السياسة السابقة للحكومة الانتقالية على صعيد المشاركة والتشاركية بالفعل لا بالقول، وهل ثمة متغيرات تلوح في الأفق؟

طلب أحد القتلة من زميله أن يتوخى الحذر في القتل كي لا يخلط بين المستهدفين لأن كثيراً من العلويين يشبهون السنة في لهجتهم ولباسهم وسلوكهم وعاداتهم، هذا الكلام وإن كان لا يقصده قائله يؤكد أن الشعب السوري واحد ويعيش مع بعضه ويشبه بعضه على مدار عقود من التواجد المشترك قبل أن تلوثه سياسة الأجندات الحاقدة إلا أن هناك تساؤلات حول ما لم يرد في ما هو معلن من الاتفاق: هل ستسلم إدارة الساحل السوري للأكراد كنوع من التشاركية وبديلاً عن الأمن العام الذي صار بينه وبين سكان المنطقة ما صنع الحداد وانقطع حبل الثقة رغم ما يتردد من أن المقصود فلول النظام المجرم ولكن كثافة الضحايا المتعلمين من أطباء وصيادلة وخريجي جامعات ومعارضين أكل السجن من زهرة شبابهم تكذب تلك الرواية.                          

  السيناريو قد يبدو مقبولًا وخاصة إذا تم السعي كي تكون الديمقراطية والقبول بالآخر هدفاً، وإذا جنحوا صوب السلم الأهلي ورأب الشرخ الاجتماعي الحاصل بتأثير الواقع المتفجر، وخاصة أن الواقع الاجتماعي المنفتح متقارب بين الأكراد والعلويين. من ناحية أخرى قد يمنع هذا إمكانية مواجهة عسكرية بين السوريين ويحول دون المزيد من الاقتتال وحقن دماء بشر تعبت من الموت، بالإضافة لحل مشاكل اقتصادية باتت تثقل كاهل الحكومة السورية. 

 ثمة من يقول أن الاتفاق سيتمخض عن إعادة انتشار لقوات قسد بالساحل السوري وهذا ما نتلمسه في الأقوال الشفوية التي تنتشر هنا وهناك والتي تهيأ لذلك تحت تسمية الجيش السوري، وسيتم استبعاد المجاهدين المتشددين بفصائلهم المتعددة بكل الوسائل الممكنة. ولا أستبعد هنا الصدام المسلح مع من يرفض منهم وبالمقابل قطع طريق التدخل على تركيا في سوريا بحجة الملف الكردي لأن الكرد وفق الاتفاق صاروا ضمن الدولة السورية ما لم يحدث طارئ يقوض هذه الإمكانية.                                                                           

يقال إن مظلوم عبدي مع حفظ الألقاب جاء إلى دمشق على متن طائرة أميركية لذا من نافلة القول إن أميركا هي الراعي الرسمي للاتفاق، هذا إن لم يكن قبول إذعان، إذ صرنا نستغرب وللأسف أن يكون للسوري فعل حقيقي وأن يكون فاعلًا بقضايا تخصه وتخص حاضره ومستقبله، وهل بالإمكان يوماً أن نتخلى أن يكون دورنا كدمى في مسرح عرائس تدار أفعالنا بخيوط خفية تحاك عن بعد؟                                                                              

في الحقيقة إن كل ما يوحد السوريين هو أمر إيجابي، وهذا كلام لا غبار عليه ولكن في زحمة الدم يحق لنا أن نتساءل عن التوقيت والجدية، وـما وراء الاستعجال فيه بعد التعثر الكبير، كما يحق لنا أن نتساءل عن حرمة الموت في ضجيج الفرح الإعلامي والرقص في الساحات العامة وإطلاق الأعيرة النارية والرصاص وتضخيم المشهد لصرف الأنظار عن رائحة الدم الطازج.                                                                            

هل هذا الفرح طبيعي وهل هو مناسب؟ يجب أن يكون هنالك إعلان ليوم حداد وطني شامل كما يجري في كل دول العالم، حداد على أرواح الأبرياء الذين قضوا سواء من الأمن العام أو المدنيين ومعالجة الحقد والسعار الطائفي الذي انفلت من عقاله.

ما زلنا نترقب القطبة المخفية فيما يدور حولنا وننتظر ما تحت الطاولة أن يخرج للعلن وخاصة في ظلال الموت الذي لم يبتعد عن واقع السوريين على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم. وما زالت أعيننا شاخصة إلى الحل الديمقراطي والحرية والعدالة التي خرج آلاف السوريين والسوريات من أجلها وتضحياتهم شاهدة ملء العين والبصر وستظل هذه المطالب متجددة ومستمرة مهما طال الزمن لأنها محقة. 

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

العام الثاني من “التحرير”: سوريا بلا أحزاب

ربما كانت سوريا، عبر تاريخها، من أكثر بلدان العالم "اكتظاظاً" بالأحزاب والسياسيين والزعماء و"القادة الملهمين"، حتى يُنقل قول معروف على نطاق واسع عن الرئيس شكري القوتلي عندما سلَّم سوريا الديمقراطية الصاعدة لجمال عبد الناصر مرغماً تحت ضغط الضباط البعثيين والقوميين...

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

حين يصبح الجسد وطناً: شعر وداد نبي بين المنفى والذاكرة

قارة اسمها الجسد عنوان المجموعة الشعرية الصادرة باللغة الإيطالية للشاعرة السورية وداد نبي، والتي فازت بجائزة كامايوري الدولية للشعر 2025 في إيطاليا. صدر الكتاب عن دار دي فيليتشه، وقام بترجمة المجموعة الناقد سيموني سيبيليو. تحوي المجموعة قصائد منتقاة من...

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

قطاع الكهرباء في سوريا: بين إرث الانهيار وفرص إعادة البناء.

يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز...

تدريباتنا