تدريباتنا

نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

بواسطة | أغسطس 27, 2025

استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 ق.م) في كتابه “التاريخ”، بشكل متكرر، اسم (“سوريا=Συρία=تنطق باليونانية سيريّا”) للإشارة إلى منطقة تشمل مساحة أوسع مما يُفهم عادةً على أنه سوريا اليوم، إذ كانت تمتدّ مِنَ الشَّمال من نهر هاليس الذي قال عنه هيرودوت حرفيًّا: “هذا النهر، الذي يفصل سوريا عن بافلاغونيا Paphlagonia، يتدفق من الجنوب إلى الشَّمال، ويَصَبُّ في النهاية في البحر الأسود”. علمًا أنَّ الأتراك يُسمّون نهر هاليس الآن نهر (قيزيل إرماك) ويتدفق في مسافة إجمالية تبلغ نحو 1335 كم، كما كانت منطقة بافلاغونيا موطنًا لشعب قبلي هو الكاشا في عهد الإمبراطورية الحثية القديمة التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ وتمتد سوريا جنوبًا وفق هيرودوت حتى جبل قاسيون وتشمل مدن مثل قادش (Cadytis)، التي يُعتقد أنها القُدس؛ ولم يحدِّدْ هيرودوت حدودًا شرقية واضحة، لكن يُفهم من سياق كتاباته أن سوريا تمتدُّ شرقًا حتى مناطق قريبة من بلاد الرافدين؛ أما حدودها الغربية فتشمل الساحل الفينيقي على البحر الأبيض المتوسط. إذن، -وفق هيرودوت- كانت سوريا تشمل رقعة جغرافيّة هائلة.
لكن تحدَّث هيرودوت في كتابه نفسه عن (“آشور Ασσυρία=تنطق باليونانية أسيريّا”)، على نحو أدّى إلى حدوث خلط في عقول القرّاء اليونانيين بين (Συρία=سيريّا) و(Ασσυρία= أسيريّا)، أي بين سوريا وآشور، ويُلاحظ هذا الخلط حتى في رسم هذين الاسمين باللغة الإنكليزية، إذ يرد اسم سوريا هكذا: Syria ويرد اسم آشور هكذا: Assyria، وقِسْ على ذلك في لغات كثيرة.

انتبه المستشرق الألماني ثيودور نولديكه (1836-1930 م) إلى هذا التقارب في النطق والكتابة بين اسمي سوريا وآشور. إذ في بحث له نشره في مجلة “هرمس” في العام 1871، وضع نظرية مفادها أن الصفة “سوري (Syria(n))”” في اليونانية هي شكل مختصر من الصفة “آشوري “(Assyria(n))، وسادت نظريّة نولديكه منذ ذلك الحين في الأوساط العلميّة المتخصّصة، ونبّه نولديكه إلى أنَّ الترجمة السبعينية للكتاب المقدس العبري، وكتابات الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس، وأعمال الآباء المسيحيين الأوائل تشهد جميعها على أنَّ العالَم الناطق باليونانية، بدءًا من القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريبًا، قَصَرَ اسم “سوري” على اللغة الآرامية والآراميين أينما وُجدوا، سواء في سوريا نفسها أو حتى في جنوب بابل. لكن سنجد لاحقًا أنَّ هذا الرأي يحتاج إلى تدقيق أعمق!
استمر رأي نولديكه سائدًا وصولًا إلى العام 2006، حين نشر عالم الآشوريات ر. رولينجر Rollinger بحثًا في “مجلة عالم الشرق” نبّه فيه إلى نقش كُشِفَ حديثًا، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من بلدة تشينيكوي Çineköy بالقرب من أضنة في تركيا الحديثة. يحتوي النقش على نص ثنائي اللغة، مكتوب بالهيروغليفية اللوية Luwian hieroglyphs (=لغة كانت سائدة شمال سوريا) والأبجدية الفينيقية. في النص الفينيقي، يُكتب الاسم الجغرافي “آشور” (Assyria) واسم “آشوريين” (Assyrians) بينما يستخدم النص اللوي المقابل Sura/I = سوراآي للتعبير عن كلا الشكلين علمًا أنّه لم يكن من غير المألوف في العصور القديمة وفق رولينجر استخدام اسم جغرافي بصيغة المفرد كجمع، للدلالة على مجموعة من الناس).

لذلك يدحض ر.رولينجر نظريّة نولديكه، إذ بدلًا من أن يكون اليونانيون قد حرفوا “سوري” (Syria(n)) من “(آشوري” (Assyria(n)، من المحتمل أنهم تبنوا الشكل المختصر من هذه المناطق.
لكن استطاع الباحث في الدراسات الآرامية جوني ميسو Johny Messo في بحث له بعنوان (“أصل مصطلحي “سيريان” و”سو-ريو-يو” مرة أخرى” أن ينبّه ببراعة إلى أنه رغم الارتباك الذي لوحظ بالفعل بين اليونانيين والرومان بعد هيرودوت، لم يكن هناك مثل هذا الارتباك موجودًا بين المسيحيين الأوائل الناطقين بالآرامية الذين كانوا متضلّعين في اللغة اليونانية. في لغتهم الأم، كان هناك دائمًا تمييز واضح بين آشور (آشوريين) وسوريا/(سوريين)، حيث كانت هذه المصطلحات مختلفة تمامًا في الصوت والنطق وكذلك في المعنى. كما هو الحال الآن في اللغة العربيّة الفصحى.
لكن في رأي ميسو وقعَ الآراميون ضحية التهلُّن Hellenization. إذ بمجرد أن بدأ اليونانيون في حكم الشَّرق الأدنى والسيطرة على الأراضي الآرامية أو التي تنتشر فيها اللغة لآرامية إلى حد كبير، قيَّدوا المصطلح الآراميّ الشامل سابقًا “سوري SŪRYOYO” وحصروه بالآراميين، بما في ذلك لغتهم وثقافتهم وأراضيهم. ويقصد ميسو من ذلك أنَّ اسم سوريا الذي كان يُطلق وفق هيرودوت على رقعة جغرافيّة هائلة ويوصف سكانها بأنهم سوريون أصبح يُطلق فقط على الآراميين، وهنا نميّز بين مرحلتين في التأريخ اليوناني لسوريا: مرحلة هيرودوت، ومرحلة ما بعد هيرودوت التي بدأت مع غزو الإسكندر الكبير لسوريا واستمرت مع خلفاء الإسكندر من السلوقيين على وجه التحديد.

وعليه، لا يمكن أن تصمد النظرية الشائعة التي تفسر “سوريا” كشكل مختصر من “آشور” التي أدت إلى فكرة أن اسمي سوريا وآشور مرتبطين في اللغة الآرامية. وهذا الفهم-في رأي ميسو-لا ينسجم مع ما يُسمَّى الصحوة القومية بين السريان/الآشوريين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعى بعض المفكرين والنشطاء إلى تأكيد هويتهم الآشورية وتمييزها عن الهوية السريانية العامة. لكن هذا –في رأي ميسو-يُعَدّ مسعى حديثًا لا يوجد أساس تاريخيّ له، وهو نتاج الصحوة القومية السريانيّة منذ القرن التاسع عشر، التي تعززت بعد الحرب العالمية الأولى.
وأشار ميسو إلى معلومة مهمة جدًا وهي أن الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس (مات 51 ق.م) والمؤرّخ اليوناني استرابون (مات 24 م) أكدا أنَّ اليونانيين أطلقوا على الآراميين اسم “سوريين”، لكنهما أضافا أنَّ الآراميين كانوا لا يزالون يطلقون على أنفسهم اسم “آراميين”. ويؤكد المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس أن آرام بن سام بن النبي نوح، “حكم الآراميين”، الذين يُسمِّيهم اليونانيون سوريين، وأصبحت لغتهم تُسمَّى السريانيّة، ومن هنا خرجت نظريّة أنَّ سوريا هي بلاد سام، ثم أصبحت بلاد “الشام”.

كان السِّريان المجموعة الآرامية الوحيدة في العصور القديمة المتأخرة التي كان كلّ فرد من أفرادها يُطلق على نفسه بسبب التأثير اليونانيّ اسم سوريّ (Sūryoyo= تنطق سو-ريو-يو)، ولفت ميسو انتباهنا إلى أننا نجد أقدم الوثائق التي يرد فيها هذا الاسم العِرقي في مخطوطات الآرامية الإديسية، أي الآراميّة الرُّهاويّة التي كانت منتشرة في مدينة الرُّها السوريّة التي خضعت للتهلُّن بشكل كبير، وبدأ هذا الاسم بالانتشار مع مطلع القرن الخامس الميلاديّ إذ بقيت اللغة اليونانية سائدة حتى في العصرين الروماني والبيزنطيّ.
هذا، -وفق ميسو- بمجرد صياغته وإدماجه في الآرامية الرُّهاوية، تعايش مصطلح “سوريّ Sūryoyo” مدّة مع التسمية الذاتية “آرامايَه” (Armāyā) التي كان الآراميون يطلقونها على أنفسهم. وهكذا، ظهرت مرحلة زمنية انتقالية، يمكن تأريخها تقريبًا بين 440 و500 م. بعد أن اكتسب الاسم الجديد سيادة، أصبحت التسمية الذاتية التقليدية قديمة الطراز وسقطت في نهاية المطاف في غياهب النسيان؛ ومع ذلك، استمر السريان الشرقيون والغربيون في بعض الأحيان في تعريف أنفسهم ولغتهم بـأنهم “آراميون؛ ولغتهم آرامية” حتى القرن الرابع عشر، إن لم يكن لاحقًا. ومن المثير للاهتمام-في رأي ميسو-أن القرن الخامس الميلادي يظهر مرحلة انتقالية استُخدمت فيها التسميات الآرامية لـ “سوري؛ سرياني” (Sūryoyo) و”آرامي “(Armāyā) جنبًا إلى جنب. في النهاية، حلَّ “سرياني”، الاسم المترجم للمصطلح اليوناني “سُريوس Súrios”، كتسمية ذاتية للآراميين المسيحيين على حساب التسمية الآرامية الأصلية “آرامايَه”، التي تطورت لاحقًا إلى “أرومويو” (Oromoyo) في السريانية الغربية.

لكن ما يجب أن ينصبّ عليه البحث أصلًا هو من أين استقى هيرودوت نفسه اسم سوريا، ولا يوجد أيّ احتمال-في تقديري-سوى أنه استقاها من الكنعانية أو الفينيقيّة، ويُعَدّ مستغربًا بالنسبة لي ألا نجد عناية هؤلاء العلماء (المستشرقين) قد انصبّت على البحث عن أصل اسم سوريا في الكنعانيّة أو الفينيقيّة.
يجب هنا أن نقف عند اسم يرد في النقوش الفينيقيّة هو: [‘SR] وينطق بالفينيقية سور، وفُسِّر في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية” الذي حرَّره إدوارد ليبينسكي (الناشر: بريبولس، تومهويت، 1992، ص: 45-46.) على أنَّ SR يدلّ على مكان: آشور (Assyria)، لكن فُسّرَ الاسم نفسه [‘SR=سور] في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 73.” (الناشر: المعهد الكتابي للطباعة، روما، 1972.) على أنّه اسم للإله آشور.
وإذا تتبّعنا النقوش الفينيقيّة سنجد الاسم نفسه SR=SOR=سور يرد في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية، ص: 477-480” بمعنى آخر هو صُور، أي المدينة الفينيقيّة المعروفة، كما نجد الاسم نفسه (SRY= SORI=سوري) يرد في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 178” بمعنى صُوري، أي أحد سكان مدينة صُور، أو أحد سكان فينيقيا بوجه عامّ.
إذن، هنا يظهر التباس كبير فاسم [‘SR=سور] يدل وفق هذه المعاجم في وقت واحد إما على بلاد آشور أو مدينة صور، على نحو يكشف التباسًا في تأويل النقش، فما سبب الإحالة في التأويل إلى آشور أو صُور دون الإحالة إلى سوريا وفق وصف هيرودوت لها، لذلك تحتاج هذه المسألة إلى إعادة نظر بعمق لأنَّ البحث الدؤوب لا بدّ أن يكشف ورود اسم سوريا في النقوش الكنعانيّة أو الفينيقيّة بما يتضمن الدلالة على سوريا نفسها. مثلًا يرد اسم مدينة صُور باليونانية Τύρος=تيروس=ويرد أيضًا باللاتينية Tyrus=تيروس، ولا يرد بما يتفق مع نطق الاسم الفينيقي [‘SR] =سور. لذلك يمكن أن يكون اسم سوريا الفينيقيّ الأصلي قد طُمِس في اسم صور، وفُسِّرت النقوش الفينيقية التي تحتوي على أسماء من قبيل سوريا، سوري…على أنها تدل على صور، صوريّ، أو آشور، آشوريّ، وهذا بحث يحتاج من دون شك إلى دلائل أركيولوجيّة حاسمة على أساس إعادة تفسير النقوش بناء على معايير علمية دقيقة.

مواضيع ذات صلة

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: "من وين حضرتك؟" فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها...

مواضيع أخرى

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

هل تغيَّر الواقع الاقتصادي والمعيشي بعد سقوط نظام الأسد؟ 

 بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات...

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو...

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

في خريطة اشتباكات السويداء: هل كان نزاعاً أم فضّ نزاع؟

لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء...

تدريباتنا